|
لي صديقة عزيزة تتصل بي أحياناً لتبثَّني نجواها وتخصَّني بشكواها عما يتعلّمه
أولادها من المنهج الخفي في المدارس, ولطالما أخبرتني أن أَخْوَف ما تخافه أن
يتحوّل أولادها إلى إرهابيين نتيجة تعاليم التشدّد وأساليب التكفير التي تلَّقن لهم
بين فترة وأخرى, إلى حدٍّ جعلها ذات يوم تفقد أعصابها بسبب ابن لها في المرحلة
الثانوية فاتصلت بالشرطة وطلبت منهم أن يأتوا لأن في بيتها إرهابي؛ ومن القصص التي
حكتها لي عن ابن آخر تعليقه الغريب على قصة حقيقية لفتاة مراهقة سافرت من الرياض
جوّاً بصحبة شاب تحبه أقنعها أنه سيتزوجها في جدة, فلما وصلا جدة استأجر سيارةً
وتوجّه بها إلى شقة صديق له ولما أبت الدخول إلاّ إلى مكتب مأذون كما كان الاتفاق
بينهما في الرياض, رضخ لها ظاهرياً وقاد السيارة إلى أول شارع خالٍ من الناس ثم
أوقف السيارة وفتح بابها وجذب الفتاة قاذفاً بها في الشارع, فآوت الفتاة إلى أول
مطعم صادفها ودخلت الحمّام وبدأت بالبكاء تأثراً بما حصل معها؛ وتلطَّف القدر بها
مع دخول امرأة – قريبة صديقتي - إلى الحمّام فسألتها بحنان عما يبكيها فقصّت الفتاة
عليها قصّتها كاملةً فحجزت لها تذكرةً إلى الرياض, واتصلت بوالدتها وطمأنتها على
ابنتها وعندما عادت الفتاة إلى أهلها اتصّلت الأم بالسيدة الشهمة لتأخذ رقم حسابها
وتودع لها مبلغ التذكرة, فرفضت السيدة قائلةً أنها لم تفعل ما فعلت إلا ابتغاء وجه
الله. كان تعليق ابن جارتي جاداً لا مازحاً: ما هذا الشاب الأبله؟ كيف يترك هذه
البنت بعد أن تمكّن منها؟ كيف يرى الواحد أمامه "كبسة" ولا يأكلها؟! جُنّ جنون زوج
صديقتي وكاد ابنه بتعليقه هذا أن يُسقِط البرج الأخير المتبقي من دماغه, وراح يضرب
أخماسه بأسداسه ويقول كمن يخاطب نفسه: أنا لم أكن هكذا.. أخوالكم ليسوا هكذا... لا
أحد في العائلة كلها اغتصب عرض فتاة.. فما هذا الذي تقوله أيها.......؟
ما إن فرغت صديقتي من حكايتها هذه, حتى بدأت أهوِّن
عليها بأنّ حال ابنها حال كثير من المراهقين, وذكّرتها
بالجامعيات اللواتي احتُجِزن تحت جسر السويدي, وكيف أن
بعض الشباب اغتنم مأساتهن ليصوِّرهن بالهاتف ذي
الكاميرا, عملاً بالمثل:(مصائب قوم عند قوم فوائد),
وسألتها إن كانت قد شرحت لابنها أن الأنثى ليست كبسةً
تُأكل ولا حذاءً يُبتذل, وإن كانت قد أفهمته الفرق بين
الزنى والاغتصاب, وكلاهما كبيرة وسخط من الله, لكن حكم
المغتصب كحكم قاطع الطريق والمفسد في الأرض. ألحّت
صديقتي بسؤالها ككل مرة وهي أدرى مني بالجواب: من أين
يأتي أولادي بهذه الأفكار عن المرأة وهم يرون أباهم
كيف يعاملني وأخواتهم أفضل معاملة وكيف يعامل النساء
الأخريات بكامل الاحترام والتقدير؟!
هاتفتني اليوم صديقتي لتفضفض لي أيضاً عما تتعلّمه
ابنتها في المدرسة فقد قالت معلمة الدين لها
ولزميلاتها: إذا أخرج الرجل زوجته من البيت أو طردها
فإنها يجب أن تخرج, وإذا طلب أن تعود فيجب أن تعود كما
أمرها, هذا من الطاعة المفروضة على الزوجة تجاه زوجها؛
وإذا خرجت معه في الشارع فيجب أن تسير وراءه وتترك
بينها وبينه مسافةً لأن الزواج رقّ والمرأة أَمَة
لزوجها فيجب أن لا تحاذيه وإلا اعتبرت عاصيةً شرعاً؛
كما أن المرأة ليس لها أن ترى الرجال لذلك فعمل
الطبيبة والممرضة حرام في حرام. تابعت صديقتي كلامها
بغضب: جاءت ابنتي محبطةً لأنها ترغب بدراسة الطب,
وسألتني: لو أن امرأةً غربيةً سمعت هذا الكلام وأن
الإسلام ينظر للمرأة بهذا الشكل المهين, فهل هذا
يشجّعها على دخول الإسلام أم النفور منه؟
قلت لها: علِّمي ابنتك أن تحاجِج المعلمة بعمل الرسول
عليه الصلاة والسلام فهو قدوتنا, وقد كان خُلقه القرآن
كما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها, وفي سورة
الطلاق:(يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن
لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من
بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة), فالله
سبحانه لم يقل (بيوتكم) بل (بيوتهن) فإذا كان ممنوعاً
على الرجل إخراج زوجته في فترة العدة, فكيف يحقّ له أن
يخرجها من بيتها في غيرها من الفترات؟ وأما بالنسبة
لسير المرأة مع زوجها فقد ورد بالحديث الصحيح أن النبي
عليه الصلاة والسلام مشى مع زوجته صفية فلقيه اثنان من
المسلمين فأسرعا, فقالا لهما:(على رِسلكما, إنها
صفية), ولو كانت تمشي وراءه لما ابتدرهما الرسول بهذا
القول ولما فسّر لهما بعد أن عجِبا من كلامه فقال:(إن
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)؛ أما إن الزواج
رقّ, فهو كلام لعائشة قصدت به حثّ الآباء على اختيار
الأكفاء لبناتهن, فقالت:(الزواج رقّ فلينظر أحدكم أين
يضع كريمته) وليس معنى كلامها أن المرأة أمة لزوجها
ففي الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه: (أن أزواج
النبي كنّ يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل).
قاطعتني صديقتي قائلة: فما تقولين في حديث:(شاوروهن
وخالفوهن)؟ قلت: هو حديث لا أصل له, والرسول عليه
الصلاة والسلام شاور أم سلمة في صلح الحديبية والقصة
معروفة, ولأزيدك من الشعر بيتاً فهم ينسبون هذا القول
إلى عمر رضي الله عنه
أحياناً بل وينقلون عنه أنه غضب على بعض عماله,
فكلّمته امرأة عمر فيه فقالت: يا أمير المؤمنين فيم
وجدت عليه؟ قال: (يا عدوّة الله, وفيم أنت وهذا؟ إنما
أنت لعبة يُلعب بك ثم تُتركين) وهذه القصة مخالفة لما
رواه عمر من أن زوجات الرسول كنّ يراجعنه فهل يعقل أن
عمر لم يهتمّ باتباع سنة المصطفى؟ وهي أيضاً مخالفة
لقصة أخرى أن رجلاً جاءه يشكو خلق زوجته فسمع زوجة عمر
تراجعه بصوت مرتفع فولّى الرجل, فناداه عمر وسأله عن
حاجته فقال له: جئت أشكو إليك استطالة زوجتي فسمعت
زوجتك! فقال عمر: تحمّلتها لحقوق لها علي فهي طباخة
لطعامي خبازة لخبزي غسّالة لثيابي مرضعة لولدي وليس
ذلك بواجب عليها, ويسكن قلبي بها عن الحرام, قال
الرجل: وكذلك زوجتي, فقال عمر: فتحمّلها فإنما هي مدة
يسيرة والعهد قريب. ثم تابعت كلامي لصديقتي: هل يمكن
أن يصف عمر زوجته بعدوّة الله؟! إما أن الكلام كله
موضوع على لسان عمر أو أنه قاله في لحظة غضب أو مزاح
أو في الجاهلية. تابعت كلامي: أما ما تقوله
المعلمة عن تحريم عمل الطبيبة فهي بذلك تقدح في
صحابيات جليلات كنّ يقمن بهذه المهمة كرفيدة وغيرها,
ويبدو أنها تعتمد على حديث سؤال
النبي عليه الصلاة والسلام
لفاطمة رضي الله عنها:ما خير للمرأة؟ قالت:ألا ترى
رجلا ولا يراها رجل! فقبلها وقال: ذرية بعضها من بعض؛
لكن الدكتور القرضاوي يقول أن هذا حديث واهٍ لا يساوي
المداد الذي كتب به, ويقول عنه الشيخ الغزالي أنه حديث
منكر لم يذكره كتاب سنّة محترم, وهذان الرأيان وردا في
تقديم كل من الغزالي والقرضاوي لموسوعة "تحرير المرأة
في عصر الرسالة" للمرحوم عبد الحليم أبو شقة الذي ذكر
في مقدمة الكتاب أن هذا الحديث لم يرد في أي من كتب
الصحاح المعروفة وقال عنه الحافظ الهيثمي في مجمع
الزوائد:(رواه البزار وفيه من لم أعرفه) وضعّفه الحافظ
العراقي في تخريجه لأحاديث كتاب إحياء علوم الدين, هذا
من حيث السند أما من حيث المتن فهو مخالف لكثير من
الأحاديث التي تروي كيف كانت الصحابيات ومنهن فاطمة
الزهراء يشاركن الرجال في المسجد والسوق وكل مكان
في دائرة الوجود النظيف المصان لا في دائرة
الانحلال المهان.
بمناسبة انتهاج وزارة الثقافة والإعلام سياسةً منفتحةً
على كل الآراء لا بد من تكرار الرجاء لفسح هذه
الموسوعة وهو ليس رجائي الخاص بل رجاء كثير من
المثقفين والناس العاديين ومنهم الدكتور وليد أحمد
فتيحي
الذي أشاد بها في محاضرته في مؤتمر الحوار الوطني
في يونيو الماضي,
ونبراسنا في ذلك الكلمات
النيرة لرئيس مجلس الشورى حفظه الله:(لا خطوط
حمراء أمام الأعضاء في مناقشاتهم تحت قبة مجلس الشورى
ما عدا ما يمس الشرع
المطهر), ولا أعتقد أن رجلا
عالِماً عَلَماً نُكنّ له كل موّدة واحترام ونُفاخر به
كل مجالس الشعب والشورى في العالم العربي والإسلامي
مثل الدكتور صالح بن حميد يمانع أن تُعمَّم عبارته
الجليلة في كل منبر حر, وهذه الموسوعة لم يستشهد
صاحبها إلا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة على صحة
آرائه حول المرأة ومنها غطاء الوجه, إذ تجدر
الإشارة إلى ما بدر من الشيخ عائض القرني حول هذا
الأمر لأن تغيير الرأي بين عشية وضحاها يهزّ صورة
الدين كما في الآية الكريمة: (وقالت طائفة من أهل
الكتاب آمِنوا بالذي أُنزل على الذين آمَنوا وجه
النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) فقد تراجع عن رأيه
بالنسبة لحجاب المرأة في الفيلم الوثائقي "نساء بلا
ظل" فقال:
(لا حرج على امرأة تعمل من دون أن تغطي كفيها ووجهها.
المهم أنها محتشمة ومحجبة) ثم عاد وغيّر رأيه بعد عرض
الفيلم فذكر:(هذا الكلام
موجه للغرب) والسؤال مطروح على الشيخ القرني: هل هناك
إسلام موجّه للغرب, وإسلام موجّه للشرق؟ وسؤال آخر له
كونه هو الذي أرسل رسالة لنيلسون مانديلا يدعوه فيها
إلى الإسلام: إذا جاءك مانديلا يسألك عن حجاب المرأة
في الشرع الإسلامي فأي القولين تختار يا شيخ عائض؟!
الوطن السعودية
23/4/2005 |