|
في الأسبوع الماضي احتفل العالم بيوم المرأة العالمي وفي
الأسبوع المقبل يحتفل كثير من الدول العربية بعيد الأم؛ وجميل أن
يُحتفى بالمرأة في أدوارها المتنوعة التي تساهم بها في
تنمية الأسرة والمجتمع, لكن الأجمل أن تُختزل هذه الفجوة
بين دورها الأنثوي ودورها النسوي اللذين يشكلان معاً مضمونها الإنساني
الكامل. هذه الفجوة هي جزء من الهوّة الحضارية بين الشرق والغرب
لذا يمكن استشرافها كمدلول لصراع حضاري مستقبلي, خاصةً إذا
لم يُنتبه للأسباب التاريخية لوجودها كونها ناجمة عن تطورات
ثقافية مختلفة بين العالمين العربي والغربي.
إذا تأملنا كلمة "إنسان"
لوجدناها مزيجاً من بعض أحرف الكلمتين "إناث" و"نساء" فيمكننا عبر لعبة
الأحرف إجراء تجسير لغوي بينهما؛ لكن تعاليم ديننا الإسلامي ألغت
هذه الفجوة/ الجفوة منذ زمن بعيد
فالمرأة أنثى وإنسان في آن واحد سواء كانت في البيت أو خارجه,
وهو الأمر الذي لا تزال المجتمعات البشرية قاصرةً عن
إدراك مغزاه؛ ففي المجتمعات العربية
الإسلامية التقليدية اختلطت العادات الجاهلية البائدة بالثقافات الشرقية
الوافدة - سواء اليهودية أو الهندوسية أو غيرهما - فتكونت مجموعة
من الأعراف والتقاليد أطّرت دور المرأة في البيولوجيا فقط
أي لإرضاء نوازع الذكر بالجنس والنسل, ولذلك يتعاظم دورها
الأنثوي على حساب دورها الإنساني المتكامل, فتبقى المرأة
مهمّشةً في البيت تابعةً للرجل, وأقصى ما وصل إليه هذا الدور من انحدار هو
الشكل الحريمي في عصور الانحطاط. ولقد كان هذا هو حال المرأة
الغربية قبل عصر النهضة, لكن بعد أن خرجت للعمل - تحديداً
بعد الحرب العالمية الثانية - اعتُبرت أنها مماثلة للرجل,
فبدأت بعض الحركات الاجتماعية بالمطالبة بإنصاف المرأة في
الأجور وانتهت بها وقد أصبحت مسؤولةً عن الإنفاق على نفسها منذ بلوغها الثامنة عشرة
من العمر ويحق لها أن تعدّد شركاءها الجنسيين مثلها مثل الرجل؛ لذا
انقسم الغرب إلى تيارين متباينين: التيار الأول يدرك أن
المرأة مختلفة عن الرجل بيولوجياً ونفسياً وهذا التيار نفسه
يتفرع إلى فريقين: فريق قليل العدد يستثمر هذا الاختلاف إيجابياً
بحيث يطالب بتوفير جو عمل مناسب للمرأة مع ساعات عمل أقل وإجازة
أمومة أوفى, وفريق أكثر عدداً يستغل هذا الاختلاف سلبياً
بحيث تصبح المرأة أداة لإغراء الرجل أي تتحول إلى وسيلة
لجلب المال عبر البغاء؛ أما التيار الآخر فهو الذي يرفض هذا الاختلاف
البيولوجي وينفي أي تفرعات نفسية تنجم عن هذا الاختلاف, كنكران
الأمومة لأنها حسب رأيه أسطورة يُضحك بها على عقل المرأة
لتخضع للرجل وسيطرته, والحل إما بمنع الحمل والجنس المشاع
بدون مسؤوليات أو بالأمر الأشد سوءاً وهو المُثلية الأنثوية التي
رفضت الأسرة النمطية القائمة على وجود أب وأم وأطفال وأصبح بإمكان
امرأتين أن تُقيما عقد زواج, وإذا أرادتا فالتبني يحل مشكلة
عدم إمكانية الإنجاب بينهما؛ وكما توضح الدكتورة عالية
الكردي الباحثة الإسلامية في قضايا الجندر فإن هذا التيار يتهم
كل الأبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية الموجودة داخل مختلف
المجتمعات بأنها تساهم في إيجاد واستمرار حالة اللامساواة
بين الرجال والنساء وتطالب بدل ذلك بإجبار كل النساء وكل
الرجال لشغل المواقع والأنشطة بالتساوي لأن وجود الاختلاف يؤدي إلى
اللامساواة، واللامساواة تؤدي إلى الاضطهاد, ووصل الحال بهذا
التيار النسوي إلى المطالبة بالقضاء على الاختلاف بين
الجنسين من خلال إجبار الرجال كي يتحملوا نصف عمل المنزل
ونصف مسؤولية رعاية الأطفال، والأكثر من ذلك إذا وضع الأطفال في
الحضانات يجب أن يكون نصف المربيات من الرجال!
وكما توجد التيارات المتنازعة على
المرأة في المجتمعات الغربية كذلك توجد في مجتمعاتنا العربية
والإسلامية, فقد نشأ بحكم تأثر المغلوب العربي بالغالب
الغربي تيار نسوي ليبرالي نادى بالمساواة الكاملة بين
الجنسين أسرياً واجتماعياً, وقد تحقق له كثير من المكاسب كإلغاء تعدد الزوجات
في تونس وجعله مقنّناً بموافقة الزوجة الأولى في مصر وإعطاء
الأمهات العازبات - وهن النساء اللواتي أنجبن بطريقة غير
شرعية سواء بالزنا أو الاغتصاب- في الجزائر حقوقاً تفوق
حقوق الأمهات المطلقات إلى غير ذلك من التغييرات المماثلة في المغرب؛ وقد نجم
عن مواقف هذا التيار ردود فعل لدى التيار الإسلامي فتصدّع إلى
فريقين: فريق إسلامي متشدد في قضايا المرأة اعتقد بالقوامة
الشاملة أي أنها وصاية كل الرجال على كل النساء اجتماعياً
وأسرياً وسياسياً واقتصادياً, ومهما بلغ شأن المرأة فإنها لا يمكن
أن تكون شيئاً بدون الرجل فهو ولي نعمتها وتاج رأسها؛ وفريق إسلامي
متحرر إلى الدرجة التي لا يمكن معها تفريقه عن التيار
النسوي الليبرالي إلا بمحاولاته المشوّهة لأسلمة الحلول
المتوالدة عن أزمات المجتمع الغربي والتي انتقلت إلى
مجتمعاتنا العربية بسبب الغزو الثقافي, وعلى سبيل المثال فإن الاختلاط غير المنضبط
بالشرع في الجامعات وأماكن العمل أدى إلى انتشار الزواج العرفي في
مصر بشكل كبير مما حدا ببعض المحسوبين على التيار الإسلامي
أن يخضع لهذا الواقع فينصح بهذا الشكل من الزواج اللامسؤول
كحلّ للإلحاح الغريزي لدى الشباب, فتجافى الحل عن روح الفطرة
السليمة ومعاني الزواج المقدسة.
صحيح أن الإسلام عقيدة وشريعة, وصحيح أن بعض
الشريعة ثابت وبعضها متحوّل يمكن للفقه الزمني أن يقول رأيه فيه,
ولكن الإسلام اهتم بشكل بالغ بالتشريع الأسري أو ما يسمى
قوانين الأحوال الشخصية, فهذه يجب اعتبارها من الثوابت
الشرعية التي لا يمكن تجاوزها ما دام قد ورد فيها نص قرآني صريح,
فالإنفاق ليس مهمة المرأة وإذا أنفقت فهو أمر أخلاقي
وليس حقوقيا لأنه حقها على الرجل: (وعلى
المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وإنفاق الرجل هو أحد العاملَيْن
اللذين جعلا القوامة بيده: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله
بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم), وقد سبق وأوضحت في
أكثر من مقالة معنى هذا التفضيل فهو ليس تفضيلاً من اللّه
عزّ وجلّ للرّجل على المرأة ولو أراد اللّه هذا لقال: بما
فضّل اللّه الرّجال على النّساء، ولكنّه قال (بما فضّل اللّه بعضهم على بعض) فأتى
ببعض مبهمة هنا وهناك -كما يقول الشيخ متولي الشعراوي- وذلك معناه
أنّ القوامة تحتاج إلى فضل مجهود وحركة وكدح من جانب الرّجل
ليأتي بالأموال يقابلها أن المرأة مفضّلة على الرّجل بمهمة
الحمل والأمومة. رغم ذلك كثيراً ما يُطرح تساؤل هنا: هل إذا
أنفقت المرأة بسبب ضرورة مادية تبقى القوامة من حق الرجل؟ وهل الحكم يدور هنا
مع علّته أم إن الحكم بمقصده؟ برأيي الشخصي أن القوامة هي بشكل عام
للرجل في الأسرة, وإنْ كان لكل قاعدة استثناء, ووظيفة
المصلحين في المجتمع المسلم أن لا يتحول هذا الاستثناء إلى
قاعدة لأن المرأة إذا خرجت للعمل من مبدأ الضرورة
الاقتصادية فمعنى ذلك أنها ستنفق وبالتالي ستتغير أحكام القوامة والإرث وغيرها من
قوانين الأحوال الشخصية وهكذا نصل إلى إسلام غير حاكم في المجتمع
وهو ما يسمى علمنة الإسلام, وسندخل في كل جحور الضب التي
دخلتها الأمم الأخرى.
إذا كنا نرغب أن
تشارك المرأة أخاها الرجل في بناء المجتمع فليس ذلك على حساب بيتها
ولا يعني أن تحلّ النساء محلّ الرجال بحيث تزداد نسبة
الذكور العاطلين عن العمل, لكن أيضا لا يمكن أن تبقى المرأة
حبيسة البيت أو معدومة الإنتاج اللهم إلا إنتاج التكاثر
البشري؛ والأمر يحتاج إلى إعادة تربية وتأهيل وتخطيط وتنظيم ومراقبة للسلطتين
التنفيذية والقضائية كي لا تضيع حقوق النساء في الاستمتاع بالأمومة
وغيرها من الحقوق, ومن المهم أن نستفيد من أخطاء الدول
الأخرى فلا نكرّرها, بمعنى أن نوجد المرأة النموذج التي لا
تتنكر لأنوثتها بدليل أنها تخفي كل مفاتنها التي تميزها عن
الرجل دون أن تطمس شخصيتها, ومن ثم نبتعد عن تشويه فطرة الله التي خلق الرجال
والنساء عليها؛ ومن حضر سيركاً ذات يوم لا بد شعر بالحزن لحال
الأسد الذي انقلب بالترويض إلى قط, فلا نريد أن نرى رجالنا
وقد أصبحوا أسوداً في سيرك, كما لا نريد أن تتنكر نساؤنا
لفطرة الحياء فيتحوّلن إلى موارد استثمار بشري قائم على مفاتن
الجسد.
الوطن السعودية
12/3/2005 |