الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) من المسئول عن تربية الأنثى؟
 
 
 

في مقال سابق لي هو (قضية المرأة هي قضية المجتمع) بينت آثار التربية الخاطئة على الطفل الذكر وأوضحت كيف يؤثر التعامل الفظ للرجل مع زوجته على تكوين تقييم سلبي لدى الطفل عن ذاته, لأن الطفل يكوّن انطباعاته عن نفسه من انطباعاته عن والديه؛ وأي اهتزاز في صورة أحدهما سيلقي بظلاله الثقيلة على شخصيته مستقبلا. وفي مقال اليوم أود أن أعرض بعض آثار التربية الخاطئة على الطفلة الأنثى وكيف تساهم أخطاء التربية في المجتمعات التقليدية في رسم ملامح شخصية مشوهة لمن يفترض أن تكون في المستقبل زوجة وأما ومعلمة وطبيبة وخطيبة وباحثة وأستاذة جامعة و.. و...

في بعض البيئات تمنع الفتاة من التعبير عن أبسط رغباتها, بحجة أن الحياء في الأنثى يعني أن تلتزم الصمت تجاه كل ما يعرض في حياتها من مواقف, رغم أن الحياء المحمود شيء والخجل المذموم شيء آخر, فالحياء لا يمنع من التواصل مع الآخرين ضمن آداب الشرع الحنيف, وديننا دين التعارف ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )؛ كما أن الفتاة التي ربيت على الصمت في صغرها تكون عاجزة عن المطالبة بحقوقها في كبرها, ونراها عند البلوغ تتابع انسحابيتها وانعزاليتها في شكل مراهقة مكبوتة ليس فيها من المراهقة إلا أحلام اليقظة, هذا إذا سمحت لنفسها  بهذه الأحلام ضمن منظومة المحرمات والمعيبات الكبيرة التي تُلقَّن لها؛ عدا أن الطفلة التي لم تتشبع بالحنان والحب في طفولتها ولم تُعطَ ثقتها بنفسها هي عرضة للإغواء والانحرافات بشكل يفوق بكثير مثيلتها التي نشأت وهي تشعر بمكانتها في أسرتها وأنها ليست أقل من إخوتها الذكور؛ والعدل بين الذكر والأنثى مطلوب في العائلة حتى بالقبلة, فمما رواه أنس رضي الله عنه أن رجلا في مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام جاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه, وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه, فقال عليه الصلاة والسلام للرجل:( ألا سويت بينهما؟).

قد يبدو للوهلة الأولى أن في الكلام مبالغة, لكني في الحقيقة  لا أكتب إلا من وحي خبرتي وتجربتي, ومما رأيته من مآسٍ في حياتي, ومن المشاكل التي كانت توجه إلي عن طريق الانترنت أو التي يلجأ إلي أصحابها في الواقع, فمن المشاكل كثيرة الحدوث هو الفشل في الحياة الزوجية نتيجة افتقاد الرجل والمرأة لغة الحوار, فالمرأة لم تألف فن الحديث بحكم تربيتها, والرجل لم يعتد أن يتعامل مع أنثى خارج أسوار الجسد ومفاهيمه المعتمة لا المستنيرة, وبذلك تغيب الرؤيا الحقيقية عن أذهان الاثنين. صحيح  أن المرأة تمتاز عن الرجل بما قد أودع فيها من مظاهر الأنوثة وعوامل الإغراء التي جعل الله منها سبيل متعة متبادلة بينهما, لكنها تشترك معه في سائر المعاني الإنسانية؛ وتغليب الجانب الأنثوي على البعد الإنساني في المرأة يجعلها تخضع لمعايير الأنوثة في ذهن رَجُلِها دون النظر لما تتمتع به من صفات إنسانية هامة مثل قوة الشخصية والقدرة على الاستيعاب وملكات التطور وهلم جرا- علما بأن هذه الأمور موجودة لدى كلٍّ منا ولكنها كنوز مدفونة غالبا وتحتاج جهدا وخبرة ووقتا لاستخراجها- مما يجعل الرجل دائم التطلع إلى أنثى ترضي أحلامه وأمانيه وتشبع رغباته وغرائزه, فينتقل بين زوجة وأخرى ومن طلاق لآخر وتزيد مآسينا يوم بعد يوم وتزداد أسرنا المهدمة عائلة بعد أخرى. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن العلاقة الجنسية يجب أن لا تبدأ بين الرجل والمرأة في غرفة النوم, فقبل حوار الأجساد هناك حوار الثقافة والشعور بالآخر والاشتراك بالمعاناة ومقاسمة الهم, وكل هذا يدخل ضمن معاني المودة والرحمة والسكن التي جعلها الله في كتابه آية من آياته يجدر التفكر بها:( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)؛ وفقدان هذه العناصر الثلاثة: المودة والرحمة والسكن هو في الحقيقة من أكثر أسباب التنافر بين الزوجين, فبينما تمثل المرأة غالبا المخلوق الحساس فإن الرجل لا يرى فيها إلا وسيلة لإرواء نزواته الجسدية, وهي بحكم تنشئتها في أجواء الصمت المستحكمة تستحي أن تطالب بحقها الجنسي المشروع, فتنفر من زوجها أو تسلم نفسها له على كره؛ فأين  هؤلاء الأزواج من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام التي أوضحت كل جانب من جوانب التعامل مع المرأة من بدئه عليه الصلاة والسلام بالسواك بمجرد دخوله بيته – وليس وضعه أمام الناس بشكل منفر كما يفعل بعضهم- ومداعباته لزوجاته رضوان الله عليهن وأمره عليه الصلاة والسلام بالرفق بالقوارير والنهي عن ضرب الرجل زوجته كما يضرب العبد نهارا ثم مجامعتها ليلا, وغير ذلك من الأوامر الواضحة الصريحة حتى في أخص خصوصيات العلاقة الجنسية بين الزوجين؟!

وبما أن المسؤولية لا تقتصر على الزوجين وإنما تنبع أساسا من أخطاء التربية التي هي موضوع المقال, وكما قال السيد المسيح عليه السلام:( من ثمارهم تعرفونهم), فلأعرض بعض ثمار هذه التربية والتي أقابلها بين الحين والآخر:

النموذج الأول لفتاة دخلت مع أختها الأكبر سنا إلى عيادتي, فبدأتُ بالكبرى ثم حولتها للممرضة لتأخذ وزنها وفي ذلك الوقت سألت الصغرى عن عمرها فأجابت: خمسة عشر سنة, فسألتها عن عمر أختها فقالت بلا مبالاة: لا أعرف! وأوحى لي جواب الفتاة بأن كل ما ليس له علاقة بعالمها الذاتي فهو لا يهمها حتى لو كان أختها, فسألتها: ألا تعرفين كم عمر أختك؟! في أي سنة هي؟ قالت: سنة أولى جامعة, سألتها: كم يكون عمر الفتاة في سنة أولى جامعة؟ قالت: تسعة عشر سنة. قلت: إذن فعمر أختك تسعة عشر سنة تقريبا فلماذا تقولين أنك لا تعرفين؟!

هذا النوع الانسحابي من الفتيات متكرر في بيئاتنا المحافظة التي تحث الفتاة على التقوقع ضمن القالب السلبي فكرا وسلوكا اللهم إلا تنفيذ الأوامر على مبدأ "نفذ ثم اعترض", وربما يعود السبب إلى أن التنمية الفكرية قد تخلق حالة من رفض الأوامر يرى المربي أنه بغنى من الوقوع في مطبها؛ وأما النموذج الآخر فهو لفتاة بعمر اثني عشر ربيعا, دخلت والدتها عيادتي لوحدها كمريضة فلما انتهيت منها أسرّت لي أن ابنتها تعاني من خوف شديد سببه رؤيتها لبعض علامات البلوغ مثل شعر العانة وكبر حجم الثديين, وحاولت الأم الخائفة هي الأخرى- بحكم سيطرة الزوج عليها كما صارحتني - أن تشجع ابنتها وتشرح لها أن هذا طبيعي لكن دون فائدة تذكر, ففاقد الشيء لا يعطيه, وطلبت مني الأم أن أساعدها في هذا الأمر فرحبت رغم  أني لست أخصائية نفسية؛ ودخلت الفتاة الصغيرة المتفتحة كبرعم نضر وجلست وفي عينيها نظرات خوف مني, فحاولت كسر جدار الرعب بسؤالها عن أسرتها ومدرستها وما إلى ذلك, وتبرعت والدتها بالإجابة فطلبت منها أن تلزم الصمت, وحاولت أن أشد من أزر الفتاة وأخلِّصها من خوفها, ودخلت معها في موضوع الصفات الجنسية الثانوية, وشرحت واستفضت في علامات البلوغ وأهمية ودور الشعر في الإبط والعانة وحصول الدورة الطمثية لدى الفتاة مما يؤهلها لتكون زوجة وأما في المستقبل وإلا فإنها تعتبر مريضة وتحتاج دراسة وفحوصات, ولما ظننتُ أني قد أنهيت مهمتي سألت الفتاة: هل ما زال هناك أمر يخيفك؟ قالت: نعم, سألتها: ما هو؟ قالت: شعر الإبط!

على كل حال كانت الفتاة صغيرة, ويُحمد للأم قربها من ابنتها رغم ثقافتها المحدودة وأميتها الواضحة, ولكنني لا زلت أذكر إحدى السائلات  وهي في عمر تلك الفتاة ومن نفس بيئتها تقريبا, أرسلت تستفسر عن غشاء البكارة, وضرورته وأهميته, وعن تأثير العادة السرية عليه, مما أثار في نفسي شجونا وأسفا؛ فمن أين لطفلة بعمرها أن تفسد براءتها بأسئلة من هذا النوع؟ وعلى من تقع المسؤولية في حالة الخوف والكبت والرهبة أو في حالة الجرأة والإباحية واشتداد الرغبة؟ هل على الأسرة بجهلها؟ أم على المدرسة بتجاهلها؟ أم على المجتمع لتقاليده المغالى بتقديسها؟ أم على سياسة الانفتاح اللامتدرج على الثقافات الأخرى من خلال وسائل الإعلام وفي مقدمتها الفضائيات التي يحسن إطلاق كلمة الفضائحيات على بعضها؟!

الوطن السعودية 2/10/2003

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |