|
علّقت صحيفة (الوطن) في الخبر الذي أوردته عن فوز الروائية النمساوية "إلفريدي
يلينيك" بجائزة نوبل للأدب بأن كون الفائزة يهودية ليس أمراً غريباً، إذ يأتي
استكمالاً لهيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل على جوائز هذا العام, فقد سبق خلال
الأيام الماضية أن فاز إسرائيليان وأمريكي بجائزة نوبل للكيمياء،
وفاز 3 أمريكيين بجائزة الفيزياء، كما منحت جائزة الطب لعالمين أمريكيين. وأوضحت
(الوطن) أن إلفريدي يلينيك عُرفت بإثارة موضوعات مثل العلاقات الجنسية والعنف في
المجتمع، ويقول منتقدوها إنها تستخدم "لغة فاحشة وسوقية ومسيئة للأديان".
نعم ليس غريباً أن يسيطر اليهود على جائزة نوبل، فرئيس
الوزراء الماليزي السابق "محاضر محمد" لم يكن مخطئاً
عندما ذكر أن اليهود يحكمون العالم بالوكالة, ورغم
الاستنكار الذي جوبه به فقد أيّده الكاتب اليهودي
المقدسي "إلياس دافيدسون" في مقدمة مقالة له:«باعتبار أني يهودي, لكنني معارض للصهيونية, فإنني لا أحتاج إلى تشجيع
من رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد, كي أعلم ما هو
واضح للعيان من أن اليهود يتحكمون بالسياسة الخارجية
للولايات المتحدة الأمريكية, وبالتالي يستطيعون تحديد
تصرفات أكثر الدول».
أما الغريب حقاً فهو أن تذهب جوائز نوبل في الأدب إلى المسيئين
للأديان والثوابت الأخلاقية والقيم الاجتماعية, وهم
الكتّاب الذين لا يعرفون من الأدب إلا قلة الأدب,
فهذه الفائزة ترى الزواج أنه "دعارة قانونية" - وهذه
الفكرة ليست وليدة اليوم بل أوردتها الدكتورة نوال
السعداوي في أكثر من كتاب لها، إذ هي ترى المهر الذي
يدفعه الرجل لمن سيتزوجها لا يختلف عن المال الذي
يدفعه الرجل للعاهرة- وكأن مقدمي الجائزة يؤكدون
علناً سيطرة اليهود الصهاينة عليها، وسعيهم لهدم
الأديان والأخلاق وفقاً لما جاء في "بروتوكولات حكماء
صهيون"؛ ومن قرأ كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج" فلن
تخفى عليه هذه السيطرة بدءاً من سياسة بنك روتشيلد
اليهودي في بريطانية ومديونية العائلة المالكة له مما
جعل رئيس وزرائها بلفور يتصدق على بني إسرائيل
بفلسطين، وكأنها إرث أبيه! والأكثر غرابة أن بعض
مثقفينا ينكرون البروتوكولات, ولا يجد المرء للمخلصين
منهم أي عذر سوى غايتهم في تخليصنا من عقلية المؤامرة
التي سيطرت علينا إلى حد شلّ قدراتنا على التفكير,
والاقتصار على التشبث بالهوية والخصوصية إلى درجة
الانغلاق والتقوقع دون أدنى قدرة على المواجهة.
لكن هل من ضرر في التشبث بالهوية؟ الحقيقة أن العكس هو
الصحيح، فكي تكون مبدعاً يجب أن تكون أنت ذاتك, ويقرر
بعض المفكرين، ومنهم الدكتور حسن حنفي أن
«العودة
إلى الهوية شرط للإبداع.. وأنه لا توجد ثقافة عالمية,
بل كل ثقافة مرتبطة بتاريخها, نشأةً وتطوراً, ظروفاً
ومعطيات»
علماً بأن التمسك بالهوية لا يمنع من الاندماج، بل
يحمي من الذوبان, والله عز وجل جعل اختلاف ألواننا
وألسنتنا إحدى آياته المعجزة, وهذا الاختلاف أحد عوامل
الاختلاف الثقافي بين البشر, وعندما كانت الحضارة
العربية الإسلامية تنير الكون وُضعت هذه الفكرة
السماوية موضع التطبيق الأرضي لأول مرة, فقد فُتحت
أكثر بلدان العالم القديم، وتم التفاعل الحضاري بين
بني البشر دون إكراه أحد على اتباع الدين الإسلامي،
ودون إجبار الناس أيضاً على تغيير عاداتهم وتقاليدهم
وثقافاتهم, فقد ضمّهم كلّهم مسمّى الإسلام الحضاري كما
يضمّ قلب الأب الحاني جميع أبنائه على الرغم من
اختلافهم وتنوعهم تحقيقاً للآية الكريمة:}وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين{[الأنبياء21/107].
وربطاً بين جائزة نوبل والتمسك بالهوية أذكر الفائزة
بجائزة السلام وهي الكينية
"ونغاري
ماثاي" الناشطة في مجال حماية البيئة، بعد أن أصلحت ما
أفسده غيرها، فقد
زرعت نحو 30 مليون شجرة في مختلف أنحاء إفريقية
لمكافحة التصحر الذي يؤدي إلى زيادة الفقر, وقد قدّر
بعض الخبراء أن نحو 2% فقط من أراضي كينية توجد به
غابات حالياً, لذلك فإن ما قامت به هذه السيدة لا يقف
عند محاربة التصحر ومكافحة الجوع، بل يكفي أن نتذكر
الوصف القرآني للأشجار بعبارة
}حدائق
ذات بهجة{[النمل27/60] لنعلم مدى أهمية هذا العمل؛ وأنا أنصح مرضاي المكتئبين
أن يتوحّدوا عدة ساعات مع الطبيعة الجميلة، ليلمسوا
الفارق النفسي بعد أن تحتضنهم الأم الرؤوم؛ وفيما يخص
ونغاري ماثاي فقد ظهرت على شاشة التلفاز بثيابها
الإفريقية التقليدية, والأغلب أنها ستذهب لاستلام
الجائزة بملابسها هذه التي تعبر عن مدى اعتزازها
بتقاليد قومها وثقافة بلدها, عكس شيرين عبادي
الإيرانية التي تخلت عن حجابها حين استلامها لجائزة
نوبل في العام الماضي, الأمر الذي يجعل المسلم يكتوي
بنار سؤال ملحّ: متى يمكن للمسلمة أن تفتخر بالحصول
على حقوقها دون أن تدعَ الاعتزاز بحجابها؟
من هنا أدلف إلى ذكر الفائزة الحقيقية في هذه الفترة من وجهة نظري؛
إنها
المبحرة ضد التيار سنيت دوجاني ذات الخمسة عشر ربيعاً
والتي تشبثت بدينها وبهويتها كمسلمة عندما
حلقت شعر رأسها احتجاجاً على منع إدارة مدرستها
من دخولها بغطاء رأس, فقد
أحدثت وقعاً كبيراً في الشارع الفرنسي بعد
استضافتها يوم 10-10-2004 في أشهر البرامج الحوارية
"لا يمكن أن نرضي الجميع" الذي يبث على القناة الثالثة
الفرنسية، حيث أظهرت سنيت في أثناء البرنامج – على
الرغم من حداثة سنها- قدرةً فائقةً على الرد على
الأسئلة الموجهة إليها من قبل المشاركين ومديري
البرنامج, وقد كان من جملة ما قالته:
«لم
تترك إدارة المدرسة لي أيّ خيار آخر؛ فقد عزلوني منذ
اليوم الأول لقدومي بالبندانا - غطاء صغير للرأس - في
قاعة خاصة، ولم يسمحوا لي بالدخول إلى الفصل مع بقية
زملائي. عندما حاججت الناظر بأن هناك فتيات أخريات
يلبسن البندانا، قال لي: إنه يفرِّق بين البندانا
للموضة والبندانا للدوافع الدينية. إن الانتقادات التي
توجه للنساء المسلمات في الدول الإسلامية من قبل
البلدان المتقدمة تتحدث عن إجبارهن على البقاء في
البيوت، وفرنسا بمنعها الفتيات المسلمات من ارتداء
الحجاب ستدفع المسلمات إلى البقاء في البيوت».
مع ذلك لم تبق سنيت في البيت، بل استمرت في الذهاب إلى
المدرسة، فكانت أفضل مدافعة بوسيلة لاعنفية عن حق
الإنسان في اختيار ما يريد من ثياب في دولة تدّعي
العلمانية والديموقراطية, فإذا كانت فرنسة قد حظرت
الحجاب بعذر مواجهة التطرف, فإن ذلك مخالف لمبادئ
الحرية الإنسانية والإخاء التي قامت عليها الثورة
الفرنسية, وقد عزا ستانلي كوهين اليهودي الأمريكي
المدافع عن حقوق الإنسان هذا القرار إلى تأثير إسرائيل
فيها مما يؤكد ما ورد في بداية المقالة. هنا تجدر
الإشارة إلى عدة أمور:
أولها: ترافق موقف سنيت في فرنسة مع مؤتمر "الإسلام
والديموقراطية" الذي دعا إليه مركز ابن خلدون في مصر,
وكان من ضمن الحاضرين بعض من ينسبون إلى الفكر
الإسلامي زوراً وبهتاناً لأنهم أول من يطالب بالتخلي
عن السنة حتى الصحيح منها سنداً ومتناً، وأول من ينكر
فريضة هامة كالحجاب الذي يستر المفاتن الأنثوية،
ويتماشى مع الفطرة الإنسانية.
وثانيها:
من هؤلاء من ساهم في قرار فرنسة بمنع الحجاب مثل
الدكتور محمد أركون المختص بالفكر الإسلامي, ولكن أول
عربي أعلن عن سخطه من منظر المحجبات في فرنسة هو
أدونيس, وقد أجاد أحد الكتاب عندما ذكرّه بغطاء الرأس
الذي تضعه أمه في سورية، وأكدّ له أن الدين للإنسان
هام مهما تطورت البشرية، فالحداثة يجب ألا تعني نبذ
الدين، كما أن استعمال السيارة لا يعني أن يبتر المرء
رجليه, وأدونيس الذي كان اسمه أحمد لن يصعب عليه
التنكر لثقافته وحجاب والدته, لكن يصعب على أمثالي أن
يقبلوا الاحتفاء به كأحد رموز الثقافة العربية حيث
تنهال عليه الجوائز الصادرة عن دول خليجية تحكمها
القيم الإسلامية والعربية بدلاً من أن تكون من نصيب
مثقف أصيل معتز بإسلامه وعروبته.
وثالثها: الفارق الكبير بين موقف سينيت وموقف تركيا التي تراجعت
عن قرارها بتجريم الزنى كي يرضى عنها التحالف الأوربي,
ولن يرضى, فشتان بين ثبات سينيت وانحدار تركية - كما
انحدرت أوربة- لأن الموقف من الزنى ينبغي أن يكون
اتجاهاً أخلاقياً ثابتاً ولاسيما أنه محرّم في كل
الديانات السماوية.
ورابعها: أن الدفاع عن حق المسلمة في ممارسة شعائر دينها لا يكون
باختطاف الفرنسيين- أو غيرهم – واتخاذهم رهائن ولا
بتفجير سفارة أي دولة في باريس أو غيرها، لأن هذا يسيء
للمبدأ الإسلامي السامي
}ولا
تزر وازرة وزر أخرى{[الأنعام6/164].
هكذا يعمل أدعياء الثقافة والتفكير وكذلك دعاة العنف
والتفجير على الإساءة لدعوة الإسلام العالمية
الإنسانية الفطرية, ولكن الله متم نوره, كما يتنبأ
بذلك الشيخ راشد الغنوشي الذي تستحق كلماته أن تكون
ختام مسك لهذه المقالة، من أجل تقوية عزم بناتنا
وأبنائنا في فرنسة وغيرها في شهر رمضان المبارك:«
الإسلام وحده لا يزال يقاوم بنجاح، ويستعيد يوماً بعد
يوم ما سلبته العلمانية من مساحة, بل وينتزع من
مساحاتها الخاصة. الإسلام وحده في تقدم وكل الآخرين في
تراجع, وما ذلك إلا بسبب أصالة بنائه الفطري, محتفظاً
بخصوصيته الربانية التي لم تقدر الحداثة أن تزلزلها,
إذ ظل الإسلام شاهداً تتعزز مكانته بما يستوعب من علوم
ومعارف حديثة, ليس من شأنها إلا أن ترفع من جاهزيته
للتقدم في أرض الحداثة وبأدواتها, لإعادة الوئام
والتماسك إلى ما خلّفت الحداثة وراءها من عالم مفكك
ونفوس قلقة محطمة ومجتمعات ممزقة, كل ذلك يرشح الإسلام
أن يكون بحق دين المستقبل».
الوطن السعودية
16/10/2004 |