|
كلما قررت أن أدع الكتابة عن قضايا المرأة إلى قضايا أخرى أتتني رسالة تحثني على
المزيد، أو وصلني رأي معارض يستثيرني للرد، أو قرأت مقالةً لأحد الكتاب تستفزني
للتعليق، أو حصلت معي حادثة تحفّزني للكتابة؛ وقد حفل الأسبوع الماضي بكل هذه
الأمور دفعةً واحدةً وذلك على النحو التالي:
كنت قد قرأت لبعض الكاتبات عن منع المرأة من دخول
المصارف من دون محرم، لكني كنت أظن أنهن يركّزن على
بعض الحالات الاستثنائية, وكان سبب ظني وقتها اعتيادي
على مراجعة (بنك) معين إذ لم يصادف أني شعرت مرةً بأي
تمييز إلا لمصلحتي, فكثيراً ما يتم تفضيلي على الرجال
بحيث لا أنتظر بينهم مما جعلني أرتبط بذلك (البنك) في
معاملاتي المالية خاصة أن فرعه النسائي بعيد عن مكان
إقامتي؛ لكن ما حدث معي يوم السبت الماضي أكد لي أن ما
قرأته لم يكن استثناءً فقد اضطررت إلى مراجعة (بنك)
مختلف، ومعي شيك بخمسمائة ريال لأصرفه من ذلك البنك,
فلما دخلت أقرب فرع لمنزلي واقتربت من مكتب الموظف
المسؤول والذي كان يتحدث عبر هاتفه المحمول أشار إلي
بيده لأنتظر خارجاً, لكني لم أفهم الإشارة، بل جلست
على مقعد داخل (البنك) لأرى الموظف بمجرد انتهائه من
المكالمة كي لا يطول انتظاري, ولما انتهى قصدته ثانية
وأخرجت الشيك فطلب مني أن أراجع أقرب فرع نسائي, وبما
أنني لمحت في تعبيرات وجهه سحنة من رأى كائناً فضائياً
فقد حملت نفسي وحفظت كرامتي وأوقفت تكسي حيث أني لست
برجوازية – ولله الحمد - وليس لدي سائق خاص, وطلبت من
السائق العمومي أن يأخذني إلى فرع لنفس البنك خاص
بالنساء, فأجابني:"أنا ما في معلوم", وهو شيء متوقع من
إنسان لا يعرف العربية ولا الإنكليزية ويكفي أنه "في
معلوم" القيادة في بلد تتحول فيها الطرقات إلى حلبات
للسباق, وتزيد حوادث السير فيها على 63000 حادثة في
العام في مدينة جدة وحدها, لذلك لست من المنادين بفسح
المجال أمام المرأة لتقود سيارة, مع أن ما يُنفَق بسبب
منع المرأة من القيادة يصل إلى مبالغ خيالية حسب
الإحصائية التي نشرها موقع (إيلاف)؛ وبالنسبة إليّ فقد
اضطررت أن أدفع لهذا السائق مبلغ خمسين ريالاً، وأنا
أبحث عن فرع "للنساء فقط" أي إنني دفعت له عُشر المبلغ
الذي قبضته, أي أربعة أضعاف زكاته, والأهم من المال هو
وقتي الضائع من دون سبب اللهم إلا منعي من دخول فرع
قريب من منزلي ومنعي من القيادة التي لا أدري كيف
يطالب بها بعضهم أو بعضهن رغم عدم نضج المجتمع, ولن
ينضج ما دامت المرأة ممنوعةً من دخول أماكن كثيرة, إذ
كيف نأمن على المرأة في سيارتها في الطريق ونحن لا
نأمن منها ولا عليها في أماكن محترمة؟!
في يوم الأحد ذكر الدكتور علي سعد الموسى في عموده
اليومي تحت عنوان "مستشفيات رجالية" عزم وزارة الصحة
على إنشاء عدد من المستشفيات النسائية الصرفة لإرضاء
المزاج الشخصي لجماعات بعينها, وهو أمر أصابني في
الصميم لأني طبيبة وأعرف مدى حاجة المجتمع إلى الطبيبة
الأنثى, لكن كيف لهذه الطبيبة أن تتدرب على العمليات
والجراحات الدقيقة مع أن المختصين بها ليسوا إلا
رجالاً؟ عدد الجرّاحات السعوديات لا يتجاوز عدد أصابع
اليد الواحدة, فمن يدرب اللواتي يجدن في أنفسهن
الكفاءة لتحمل مشاق هذا الاختصاص بغية أن تكفي إحداهن
ابنة بلدها من مراجعة الطبيب في الأمور المحرجة؟ أم إن
المرأة لا تحتاج إلى جراحات الحوض وعملياتها العظمية
كالكسور والخلوع؟! ماذا عن عمليات الفتق البطني
والفخذي وأورام الثدي؟ ماذا عن عمليات الولادة
المتعسرة حيث تجري الطبيبة عملية قيصرية كي تنقذ حياة
الأم والجنين وقد تنتهي العملية باستئصال رحم وهو أمر
خطير يستدعي بسرعة رأي استشاري أكثر خبرة وأشد جرأة؟
ماذا عن البواسير التي تصاب بها المرأة أضعاف إصابة
الرجل نتيجة الحمل والولادة؟ أم أن المرأة "جوهرة!"
فلا يصيبها القدر بالعاهات الجسدية ولا السرطانات
الحوضية ولا البواسير النزفية؟! كتب إليّ أحد القراء
ينصحني أن أذهب إلى أحد المشافي الحكومية في الرياض
لأرى الطبيبة كيف تقوم بإغواء الرجال على حد تعبيره,
لكن المشكلة أني عملت في ذلك المستشفى بنفسي, ولم أر
من الطبيبات إلا الخلق الكريم والأدب القويم والعفة
الكاملة والحشمة الصارمة, فإذا كانت التصرفات الطبيعية
للطبيبة تفسَّر من قبل بعض المراجعين أو المرافقين
"المرضى" على أنها غواية, فما ذنب الطبيبة وما ذنب
المريضة؟ ثم ما معنى قرارات وزارة الداخلية بإلزام
النساء العاملات في المستشفيات بالحجاب الشرعي وعدم
التبرج؟ بل ما معنى الحجاب الشرعي الذي فرضه الله إذا
لم يكن من أجل أن يساعد الرجل على غض البصر المطلوب
منه؟ فكيف يغض بصره عما لا يراه في مستشفيات رجالية
ومجتمعات ذكورية؟!!
ومثله ما كتبه الأستاذ صالح الشيحي يوم الأربعاء والذي
كان بعنوان "هل هو مباح أم غير مباح" يواسي زميلة كتبت
عن فصل الرجال عن النساء في معرض الكتاب في الرياض مما
حرمها من مرافقة زوجها والسؤال الذي يُطرح بغرابة
بالغة: لماذا لا يتم الفصل في الأسواق؟! بل لماذا لا
يتم الفصل في معارض الكتب في جدة؟! أليس هذا دليلاً
على أن الأمر لا يتعدى المزاجية ولا يمكن أن يكتسب بأي
حال صفة شرعية؟ أم أن الكتب تتأثر مبيعاتها بوجود
الجنسين معاً بعكس الملابس والأطعمة والأحذية؟! أتراها
جدة مدينة في بلد آخر غير المملكة العربية السعودية؟!
في يومي الاثنين والثلاثاء وصلتني رسالتان, الأولى
تحوي فتوى طويلة عريضة لأحد الفقهاء في فصل الرجال عن
النساء, وقد سبق وذكرت أحاديث من البخاري ومسلم عن وضع
النساء والرجال في المجتمع النبوي مما يمكن الاستنباط
منه أن الفصل التام بين الجنسين لم يكن هو السائد
آنذاك, رغم وجود نسبة من المنافقين والمراهقين وغيرهم,
فلِمَ لَمْ يفصل الرسول بين النساء والرجال سوى في
الصلاة؟ لماذا لم يفصل بينهم في الحج؟ كلنا يعلم حديث
المرأة الخثعمية التي جاءت في حجة الوداع تسأل الرسول
عليه الصلاة والسلام فطفق الفضل بن عباس ينظر إلى
وجهها فحوّل عليه الصلاة والسلام وجه الفضل عنها,
والسؤال المطروح هنا: ألم يكن من الممكن أن يطوف
الرجال نهاراً والنساء ليلاً كي تُتقى الفتنة؟ السبب
واضح وهو أن من مقاصد شرع الله التيسير على عباده, فهل
يمكن تخيّل الصعوبات التي تنجم عن هذا الفصل في عبادة
من العبادات كالحج والعمرة, فكيف يمكن فصل النساء عن
الرجال في أماكن العمل الجاد كالمستشفيات حيث الضرورة
واضحة والمصلحة أكيدة؟ ذكرت أكثر من مرة أن الشرع وضع
ضوابط لمشاركة المرأة للرجل في الأمور الجادة, مثل عدم
الخلوة والالتزام بستر المفاتن وعدم التبرج وعدم
الخضوع بالقول والبعد عن التزاحم, وذكرت أيضاً أن
الفصل أفضل في الأمور الترفيهية فمجالس النساء
وأحاديثهن غير مجالس الرجال وأحاديثهم, ومع ذلك ففي
صحيح البخاري باب بعنوان (قيام المرأة على الرجال
بالعرس وخدمتهم بالنفس) عن أبي أسيد الساعدي وكيف خدمت
زوجته ليلة عرسها الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كان
معه من الصحابة, فلا مانع إذن من خدمة المرأة لضيوف
زوجها ما دامت محتشمة, وأحاديث صحيحة أخرى لا حصر لها,
ثم يرسل لي أحدهم برأي فقيه مما يذكرني بما جرى مع
صحابي عندما روى لآخر حديثاً عن رسول الله فاستشهد
الآخر بصحيفة كان يقرأ بها قبل إسلامه, فاستنكر الأول
أن يأتي هو بحديث للرسول عليه الصلاة والسلام فيأتيه
الآخر بصحيفته, وأنا أستنكر أن أحاجج بأحاديث صحيحة من
البخاري ومسلم ثم يكتب لي أحدهم رأي فقيه أو فتوى
لآخر!!
وأما الرسالة الأخرى فهي من فتاة تشكو والدها الذي
يمنعها من العمل مع أنها حاصلة على شهادة عليا، وهي
بحاجة إلى العمل، لأنه متقاعد، وراتبه لا يكاد يقيم
أود العائلة, ولكنه يخشى كلام الناس من أن ابنته تعمل
وتنفق عليه, بينما نتلو آيات الله الكريمة عن ابنة
النبي شعيب عليه السلام التي كانت تخرج لرعي الغنم هي
وأختها, ورغم أنهما فضلتا عدم مزاحمة الرعاة على الماء
لكن حياءها لم يمنعها من الخروج منفردةً للقاء رجل
غريب هو النبي موسى عليه السلام لأداء واجب في حقه:
}فجاءته
إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك
أجر ما سقيت لنا{[القصص28/25],
فهل بناتنا أفضل من بنات الأنبياء أو أن ما بيننا
وبينهم مثل ما بين الأرض والسماء؟!
سألني شخص غير مسلم بلهجة شممت منها رائحة سخرية: ما
معنى
}اهدنا
الصراط المستقيم{؟
ألم تهتدوا أيها المسلمون إلى الآن؟ تجاهلت سخريته
لأنها ظنية وأجبته: نحن نعتقد أن ديننا صالح لكل زمان
ومكان، وكي يكون كذلك لا بد أن نستجيب لهدي الوحي
الممثل بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة, ولا بد أن
نستجيب أيضاً لمتغيرات عصرنا, ففي الوقت الذي ننطلق
فيه من الفهم الموضوعي لمبادئ الوحي المطلق الثابت
فإننا نبحث عن الحقيقة النسبية المتغيرة الملائمة
للزمان والمكان, وهذا التلازم بين الحقيقتين المطلقة
والنسبية هو الصراط المستقيم الذي تاه عنه من سبقنا
فتركوا الدين وراء ظهورهم ومازالوا تائهين! كان جوابي
مفحماً له, لكن هل نتعظ أو ندخل جحر الضب من بابه
الخلفي كما دخله جيران لنا من بابه الأمامي؟ الباب
الأمامي هو بنبذ الدين وراء ظهورنا, وهو واضح جليّ,
أما الباب الخلفي فهو مخفيّ بنباتات فضولية من
التقاليد المجافية للدين ومثالها تحويل المرأة إلى شيء
لا وزن له ولا قيمة ثم الادعاء بأنها جوهرة!
الوطن السعودية
9/10/2004 |