|
المرأة عضو فعال في المجتمع سواء خرجت للعمل أو لزمت المنزل. جملة تبدو وكأنها تتخذ
موقعاً وسطاً بين آراء المطالبين بتمكين المرأة من الأعمال وآراء معارضيهم, ولكن
إذا تأملنا فيها لوجدنا أنها ليست وسطية بقدر ما هي عائمة أو طوباوية, والأسباب
كثيرة ومنها عاملان هامان هما:
العامل الأول:
أن كثيراً من النساء اللواتي يلزمن بيوتهن - إلا من
رحم ربك - يتحولن إلى أدوات لإشباع الرجال، أو آلات
لإنجاب الأطفال، أو يتعرضن للبدانة والترهل، أو يقضين
أوقاتهن في مجالس النميمة والغيبة، أو يصبح كلّ همهن
مسايرة آخر صيحات الموضة وأحدث خطوط التجميل أو
يتنافسن في حب المظاهر والتسوق وحمّى الاستهلاك, وغير
ذلك من عواقب الفراغ الروحي والعاطفي والفكري والخلقي،
مثل المعاكسات الهاتفية، والصداقات الإلكترونية, وآخر
عجب عجاب حصل معي في هذا الخصوص كان قبل كتابتي هذه
المقالة بدقائق إذ هاتفتني امرأة وأخذت تبدي إعجابها
بصوتي، وأخبرتني أنها وقعت في حبي, فاعتذرت أني مشغولة
ولا وقت لدي للحب، ودعوت لها الله أن تلقى حبيبة قلبها
فتشبع بها حباً وتقرّ بها عيناً!!
العامل الثاني:
أن إنتاج المرأة في العمل كثيراً ما يتأثر بحياتها
العائلية, كما أن مشاكلها في العمل قد تنعكس على بيتها
وأسرتها, والأمثلة كثيرة منها ما يقرره علم النفس من
أن غياب الأم الدائم عن الطفل في سنواته الأولى يؤدي
إلى فقدانه الشعور بالأمان والثقة، خاصةً إذا لم يوجد
من يعوّضه عن الحب والحنان اللازمين لنموه الروحي
وسوائه النفسي, ومنها ما ذكرته في مقالتي السابقة عن
وضع المعلمات المتزوجات اللواتي يقضين اليوم في
الانتقال من المدينة للريف لتعليم فتيات القرى, فلا
يتمكنّ من إرضاء أزواجهن ورعاية أطفالهن, ومنها ما
قرأته في بعض كتب علم النفس وما لمسته من تجربتي
الحياتية أن المرأة أكثر حساسية للنقد من الرجل - بشكل
عام - فأي تقصير في عملها أو توبيخ من إدارتها أو خصام
مع زميلتها يجعلها تستجيب للمشكلة بشكل مختلف عن
الرجل, فبينما يستطيع الرجل أن يشغل نفسه عن مشكلته
برؤية فيلم أو متابعة مباراة أو الانطلاق مع أصدقائه
في نزهة, فإن المرأة تميل إلى اجترار مشكلتها وتحليل
أبعادها والاستغراق في همومها, لذلك فليس غريباً أن
يسجل الطبيب النفسي (مارتين سليجمان) ملاحظته بأن
المرأة أكثر ميلاً للإصابة بالاكتئاب من الرجل, ويعيد
السبب إلى اختلاف التربية في أمريكا بين الذكر
والأنثى, فماذا يقول عن بيئتنا العربية التي تزيد من
الفوارق الفطرية بينهما، فينشأ الذكر ولديه عقدة
التفوق والاستعلاء على الأنثى؟ إذا بكى الطفل وهو صغير
ننهره قائلين: تبكي كالبنات! فينظر إلى البنت على أنها
الكائن الأضعف في المجتمع, ويمتنع عليه دمعه في أكثر
المواقف إنسانية, ولذا فإن النساء أطول عمراً من
الرجال رغم إصابتهن بالاكتئاب!
كيف يمكن أن نكسر هذه الحلقات المعيبة التي ستظهر
نتيجة لتمكين المرأة من الأعمال؟ بداية أوضّح للأخ
القارئ الذي أرسل لي ناصحاً بعدم مناقشة القضايا
الاجتماعية في الصحف أن طلبه غير منطقي, فهل يعبر
الكاتب عن مشاكله الشخصية بدل أن يعبر عن هموم الناس
ومشاكلهم الاجتماعية؟! وكيف يمكن للكاتب أن يوصل وجهة
نظره في قرارات المسؤولين سواء أصابوا أم أخطؤوا؟ وكيف
يساهم في تطوير المجتمع ومساعدة المسؤول على اجتياز
بعض العوائق التي فرضتها عادات جافية وتقاليد بالية؟
وكيف يعمل بما فرضه الله عليه من استخدام فكره وقلمه
لصالح المجتمع؟ يقول المثل العربي:«من
شاور الناس شاركهم في عقولهم»
وهذه خطة واضحة الحكمة من المسؤولين عند مناقشة أي أمر
بشكل علني, ومثالنا هنا مناقشة مجلس الشورى لعمل
المرأة وإجازة الأمومة ودور الحضانة الملحقة بالعمل,
فقد اعترض أحد أعضاء المجلس الموقّر على طول مدة إجازة
الأمومة المقترحة وطالب أن تكون 40 يوماً حداً أعلى كي
لا يدفع صاحب العمل من جيبه مالاً لامرأة غير منتجة,
كما أبدى عدم موافقته على إلزام صاحب العمل بفتح دور
حضانة ملحقة بمكان العمل، لأنها مكلفة مما يجعل صاحب
العمل لا يفكر بتشغيل النساء أساساً, وفي رأيي أن
اعتراضات العضو الكريم واقعية ومنطقية, فلا ضرر ولا
ضرار, كما أنها تدل على حراك سياسي واجتماعي إيجابي
وفعال؛ لكن لا مانع من طرح التساؤلات التالية: هل من
الممكن أن توضع نصوص تخص المرأة العاملة في القطاع
الحكومي، وأخرى تخص القطاع الخاص مثلاً؟ وهل المنشآت
الكبيرة مثل أماكن العمل الصغيرة؟ هل من الممكن أن
تدعم الحكومة المرأة العاملة بالقطاع الخاص في إجازات
الأمومة؟ هل بإمكان الدولة أن تساند فتح دور حضانة
نموذجية في أماكن متعددة على أن تساهم الأمهات فيما
بعد في رواتب الموظفات المؤهلات للعمل مربياتٍ
وحاضنات؟
لا بد أن تأخذ المرأة دورها ومكانتها في المجتمع, كي
لا تبقى طاقات نصف المجتمع مغيبةً عن التأثير, فهناك
حاجة فعلية لعمل المرأة في قطاعات مختلفة منها ما
أثبتت فيه جدارتها كالتعليم والطب والتمريض والمصارف,
ومنها ما تدخله على وجل أو خجل كالمستشارات القانونيات
اللواتي يعملن في مكاتب تحمل أسماء رجال, مع أن لكل
مجتهد نصيب، ولا يجوز أن
تُحرَم المرأة من خوض أي مجال ما دامت الشريعة أباحته
وما دامت حاجات المجتمع الحديث تقتضيه, لكن شرط ألا
نكرر أخطاء الآخرين, فقد سبقت المرأة العربية أختها
السعودية في العمل, فماذا نجم عن هذا؟ حملت المرأة
أعباء العمل داخل المنزل وخارجه, وانقسمت بين أمومتها
الفطرية وحاجتها المادية, وشعرت أنها مستقلة عن الرجل
مادياً، ولكنها لم تستقل عنه اجتماعياً - كما هو الحال
في البلاد الغربية فنظرة المجتمعات العربية ما تزال
غير لائقة للمرأة الوحيدة عازبة كانت أم مطلقة, وما
يزال الرجل العربي يعامل المرأة (بالريموت كنترول) فهو
غربي في السماح لها بالخروج للعمل وهو شرقي في
امتلاكها ومالها- ونجم عن هذا الشعور المتناقض بين
الاستقلالين المادي والاجتماعي مشاكل نفسية وأسرية
واجتماعية لها أول وليس لها آخر.
المملكة تخطو في سبيل المعاصرة مع الإصرار على التمسك بالأصالة, فمن
ناحية المعاصرة نرى أن المرأة السعودية لا تقل عن
أختها التي أثبتت دورها الإنساني والاجتماعي في كثير
من البلدان, ومن القيم الأصيلة قول الرسول عليه الصلاة
والسلام:
«رفقاً
بالقوارير»,
وهو قول لا يخصّ الزوجة أو الأخت أو الأم, بل كلما رفق
الرجل بالمرأة دلّ ذلك على أخلاقه الحضارية وسماته
الإنسانية, وإذا كنا ننادي بالمساواة بين الجنسين في
المجتمع, فالمقصود منها التخلي عن النظرة الدونية
للمرأة واستبدالها بنظرة تكرمها وتدعمها معنوياً لتشعر
أن العمل ليس عبئاً عليها, فالحالة المعنوية الجيدة
تؤدي إلى زيادة إنتاجية العامل ذكراً كان أم أنثى؛
لذلك لا بد أن تُفتح أمام المرأة كل المجالات التي
تحترم إنسانيتها، وفي الوقت نفسه تقدر ظروفها زوجةً
وأماً، فلا تنهك بالأعمال إلى الدرجة التي تشغل فيها
عن بيتها وأولادها، أو تغيب أكثر من عدة ساعات محدودة؛
والطفل في السنة الأولى يحتاج والدته أربعاً وعشرين
ساعة خاصة في الشهور الستة الأولى, فهل يمكن للعاملة
في القطاع الحكومي أن تحصل على إجازة أمومة بهذا
الشكل: ثلاثة شهور براتب كامل وثلاثة شهور بنصف راتب
وثلاثة شهور بربع راتب وثلاثة شهور من دون مرتب؟ وما
المانع أن تنال سنة إضافية دون مرتب لرعاية طفلها إذا
كان العمل يسمح بذلك تأكيداً لقوله تعالى:}وفصاله في عامين{[لقمان31/14]؟ قد تستغل بعض النساء هذا النظام فتحمل وتلد كل تسعة
شهور – كالأرنبة- فللحكومة أن تقرر فيما إذا كانت هذه
الإجازات المتكررة تؤثر على ترقية المرأة أم لا, فهل
المملكة مثلا بحاجة إلى زيادة معدلات النمو السكاني
ولاسيما إذا صدقت الإحصائيات التي تبين أن مولوداً
يولد كل دقيقة فيها؟ هل من الأفضل عدم احتساب إجازات
المرأة ضمن الخدمة التي تتم ترقيتها على أساسها, أو
الاكتفاء بإدخال إجازة المولود الأول والثاني فقط؟
بالنسبة إلى القطاع الخاص فإن رأي عضو مجلس الشورى في
محله فيما يخص الإجازة بمرتب لكن ماذا عن الإجازة بغير
مرتب أو الإجازة الاستثنائية؟ ألا يمكن لكل صاحب عمل
أن يوفر موظفة بديلة خلال تسعة شهور حمل الموظفة
الثابتة؟ ثم هل من الممكن الاستفادة مما يحصل في الدول
المتقدمة؟ في بلد غربي طرحت مبادرة برلمانية تقترح
تمويل التأمين على الأمومة من خزانة "التأمين على
فقدان الدخل" ويعوض هذا التأمين عادة جزءاً من راتب
الأشخاص الذين يؤدون الخدمة العسكرية الإلزامية وما
شابهها, فإذا كانت فكرة الخزانة التأمينية هذه صعبة
التطبيق حالياً, لكن كوننا نعيش في مجتمع مسلم متكافل,
فهل من الممكن اعتماد برامج إعانات مالية تعوّض الأم
العاملة في القطاع الخاص جزءاً من راتبها الذي ستفقده
نتيجة إجازتها الاستثنائية؟ هل من الصعب أن تمارس
المرأة عملها كلاً أو جزءاً في البيت عن طريق الإنترنت
مع التحول إلى الحكومة الإلكترونية؟ الأسئلة مفتوحة
وكلها مشروعة, ولا شك أن المقال - أو الجواب - يختلف
باختلاف الحال.
الوطن السعودية
2/10/2004 |