الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) ما لم أقله في "الإخبارية"
 
 
 

اختلفت الانعكاسات وردود الأفعال على الحوار الذي أجرته معي قناة "الإخبارية" في برنامج "البعد الجاد", كما هو الحال بالنسبة إلى مقالاتي في صحيفة "الوطن" فقد اعتدت على أن أسمع أو أقرأ آراءَ مختلفةً كثيراً ما تصل إلى حد التضارب؛ واختلاف وجهات النظر إلى أي أمر هو شيء طبيعي برأيي, فكلّ منا يرى الأمور من منظوره الخاص, فرؤية الكئيب صاحب النظارة السوداء تختلف عن رؤية الأنيق الذي يستعمل عدسات ملونة أو ينظر من خلال (قوس قزح), ومن لا يشاهد إلا القسم الفارغ من الكأس ستكون انطباعاته تشاؤميةً عكس ذلك الذي يتمتع بنظرة تفاؤلية فيرى الكأس ممتلئاً حتى النهاية, وأنا بطبيعتي لا أحب اليأس, فمهما غابت الشمس فإني أعلم أنها لا بد أن تشرق من جديد, وهذه سنة الحياة, والأيام دُوَل كما قال الله تعالى:}وتلك الأيام نداولها بين الناس{[آل عمران3/140].

دارت الحلقة حول المملكة وإنجازاتها والمرأة السعودية ونجاحاتها, فالمحاور محدّدة على الرغم من أن الأسئلة متشعبة, والنجاح الإعلامي لا يتعلق بفرد وحده، بل إن فريق العمل كما هو حال كل الأعمال الجماعية يتحمل مسؤولية الإخفاق أو النجاح, وبرأيي الخاص فإن الأسئلة المطروحة كانت جيدةً وهامةً, وليس لي أن أقوّم إجاباتي، فهذا كما قلت أمر يعود للمشاهدين على اختلاف رؤاهم, ولكني وددت تجاوز بعض المعوقات التكنولوجية والتي لم أعرف سببها كسماع صوتي في أذني مما شتّت تركيزي في البداية, كما تمنيتُ لو أن الحلقة كانت أطول لأتمكن من الإجابة على كامل الأسئلة التي بلغت تقريباً خمسة عشر سؤالاً؛ فمع مداخلة ضيفتين كريمتين, لم يتبقّ من الوقت إلا ثلاثين دقيقة أي بمعدل دقيقتين لكل سؤال, لذلك أعذر أولئك الذين ظنوا أني ركزت على الإيجابيات، ولم أتناول السلبيات, علماً بأن من طبيعتي التشجيع وعدم التقليل من جهد الآخرين, ولذا أؤكد هنا على ما قلته – وما أقوله دائماً- أن الأمور تسير للأفضل خاصة في ما يتعلق بالشأن النسوي, وأن التغيير يجب أن يأخذ وقته ومداه, ومن يستعجل قطف الثمار فلن يأكل إلا الفجّ منها, لكن لا مانع أن أكتب هنا ما لم يتسع الوقت للاستفاضة فيه هناك, عن العادات التي يجب استئصالها من المجتمع، لأنها تتنافى مع حكمة الشريعة، وتتعارض مع مقاصدها في المصلحة, وهذه مهمة المثقف سياسياً كان أم أديباً, كاتباً كان أم خطيباً, وكلما تآزرت الجهود وأخلصت النوايا كان الإنجاز أفضل، والتغيير أسرع؛ ولا يصحّ إنكار الجهود على المستوى الحكومي مع المطالبة بتحديد آليات لوضع القرارات الحكومية موضع التنفيذ, كما لا يجوز تعميم الوضع الاجتماعي للمرأة في بعض البيئات حيث تبدو دائماً المرأة مسحوقة والرجل مسيطراً عليها, فلولا دعم الرجال المحسنين لجمعية الملك عبد العزيز الخيرية في القصيم – والتي ذكرتها في الحوار نموذجاً للعمل الخيري النسوي – ما كان لطاقات النساء وفعاليتهن أن تظهر في المجتمع.

كمثال على تلك القرارت الحكومية موضوع بطاقة الهوية الشخصية فبرأيي أنها يجب ألاّ تترك للمزاج الشخصي لولي أمر المرأة خاصة بعد الأحداث المفجعة التي شهدتها المملكة وتخفّي الرجال بزي النساء من عباءة وغطاء وجه وما إلى ذلك, فيجب أن يكون للمرأة كيان مستقل عن الرجل لأن هذا حق شرعي لها, كما أنه واجب للمجتمع عليها أيضاً, فما وضع المرأة إذا قامت بارتكاب جريمة؟ وكيف يمكن تعقّبها إذا كانت قاتلةً أو سارقةً أو حتى إرهابية؟ أم أن كلّ النساء يتمتعن بأخلاق الملائكة؟! كذلك يدخل تحت المفهوم نفسه موضوع سفر المرأة من دون محرم أو من دون موافقة ولي أمرها, وهو قرار ذكرت الأستاذة سهيلة زين العابدين أنها طالبت بتفعيله على استحياء, وعبارة "على استحياء" هي من عندي، لأن القرار يخص المرأة بعد سن الأربعين أو الخامسة والأربعين, فأؤكد هنا على ما ذكرته في مقالتي السابقة، وهو أن القوامة حق للزوج, بينما الولاية للأب أو من يقوم مقامه في حال غيابه, ولكن هذه الولاية محدودة بالقاصر ذكراً كان أم أنثى, أما بعد بلوغ سن الرشد, فالفتاة كاملة الأهلية تتحمل المسؤولية مثلها مثل أخيها الشاب, خاصة إذا كانت تعول نفسها, وإذا كان برّ الوالد يقتضي من الفتاة أن ترجع لأبيها قبل سفرها, فهذا أمر أخلاقي بحت، وليس قانونياً أو حقوقياً على حدّ علمي, وللدولة المسلمة بالطبع أن تضع من القرارات ما يتماشى مع المصلحة, ولكن إذا كان القرار الموضوع مثلاً يطال وجوب موافقة الأب على سفر ابنته فلا أقل من أن تطال موافقته سفر ابنه أيضاً, لأن بر الوالد مفروض على الذكر والأنثى, أما الوحيد شرعاً والذي يحق له أن يمنع المرأة من السفر فهو زوجها الذي يتمتع بحق القوامة كونه هو من ينفق عليها لقول الله تعالى:}وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف{[البقرة2/233], لكن ما الحال إذا انقلبت الآية وأصبحت المرأة هي من تنفق كلاً أو جزءاً على الأسرة؟!

لا شك أن كلامي سيثير من ظنوا أني أهادنهم في حواري, لكنها آرائي ولست أهادن أحداً، ولا أداهن شخصاً, فهؤلاء الذين يعتقدون بوجوب سفر المرأة مع محرم, وليس فقط بموافقته, أسألهم أن ينظروا نظرة مفصلة ومجملة إلى هذه الإشكالية التي أعرضها هنا: الكثير من المعلمات في القرى والهجر هن متزوجات, يخرجن من بيوتهن بمجرد أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر, ولا يرجعن لبيوتهن إلا مع غروب الشمس, وليست وعورة الطريق وطول المسافة وحوادث الطرق بخافيةٍ على أحد, فتعود هذه الزوجة الأم المعلمة إلى بيتها – هذا إذا عادت- مهدودةً متعبةً واهنة القوى, فمن أين لها أن تحتضن صغارها؟ وكيف لها أن تتزين لزوجها؟ وماذا يبقى لها من الوقت سوى أن تأوي إلى فراشها لتستعيد عافيتها وقوتها؟ ساعات عمل هذه المعلمة لا تتجاوز ست ساعات في القانون بينما تغيب عن بيتها النهار بأكمله في الواقع, فما الحل؟ الحل برأيي هو ما يلي: أن تعمل المرأة المتزوجة في نفس المدينة حيث تقيم أسرتها, فلا تركب مواصلات كل يوم ساعة أو ساعتين لتدرّس في القرى, فهذا سبب للإجهاضات والولادات المبكرة وموت الأجنة كما أنه عامل في إثارة الشقاق بين الزوجين والمشاكل الأسرية؛ وبما أن فتيات القرية ليس لدى أغلبهن مؤهلات للتعليم, فريثما يمكن تأهيلهن, فإن المعلمة العازبة هي التي يمكن أن تنتقل من المدينة إلى القرية بحيث تقطن في القرية مع زميلات لها سواء تكفلت هي بمصاريف الإقامة أو تحملتها الدولة التي يجب عليها حماية هاته المعلمات العازبات, بوجود حارس لهن في البيت كما يوجد حارس للمدرسة؛ ولكن ربما ما أقوله لا يتعدى التنظير, وذلك لسببين:

 أولهما: أن النظرة الدونية للمرأة في بعض البيئات -وخاصة القرى- سائدة بشكل كبير, وأقصد تحديداً النظرة الجنسية للمرأة, وهذا ما يجب أن نبدأ بتغييره من الآن عبر تنشئة جديدة للفتيات والفتيان بأن ينظر كل جنس للآخر على أنه إنسان مثله يؤدي دوراً اجتماعياً ضرورياً, وأما كيف يمكن أن نجعل مناهج التعليم وأساليب التربية تصب في هذه الخانة فهذا مجال بحث مطوّل لا يتسع له المقام هنا.

 وثانيهما: موضوع المحرم, فأشير إلى تعنت التقاليد الاجتماعية، ومنها ما حصل معي شخصياً حينما أردت القيام بفعل خير فاحتجتُ  - من ناحية العادات والتقاليد وليس من ناحية الشرع - محرماً, فتذكرت أن الصحابيات رضوان الله عليهن كن يخرجن للجهاد من دون محرم, وفعل الخير لا يحتاج محرماً, وعندما أرادت خالة جابر بن عبد الله أن تجدّ نخلها وهي في العدة منعها بعضهم, فسألت الرسول عليه الصلاة والسلام فأمرها أن تجدّ نخلها ولعلها تتصدّق, فلم تمنعها العدة الشرعية من فعل الخير لنفسها ولمجتمعها, أما العدة التقليدية فقد منعتها.

 أمّا عن سفر المرأة فهناك آراء بعض العلماء التي تتفق مع البداهة وتنطلق من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما بشّر عدي بن حاتم بفتوح المسلمين وأن المرأة تأتي من الحيرة فتطوف بالبيت وحدها لا تخاف إلا الله, فهي بشارة ويمكن أن نأخذ منها حكماً بعدم امتناع سفر المرأة وحدها إذا أمن الطريق في عصر الجمل والراحلة فكيف في عصر الفضاء والطائرة؟!

صحيح أني ضربت في حواري أمثلة على رغبة المستوى الحكومي بمنح المرأة دورها الكبير في المجتمع, لكن ما لم يسمح الوقت لي بالتوسع به هو أنه على الصعيد الاجتماعي ما تزال الرؤية الاجتماعية لحقوق المرأة تعكرها بعض الغباشات, والسبب يعود برأيي إلى الفقه القديم الذي يسيطر على كثير من العقول, والفقه محتوى في الشريعة وليس العكس, فلا بد من استبدال الخطاب الفقهي السائد بخطاب تجديدي يعتمد على الأصول الثابتة في القرآن والسنة، حيث تتم تنقية الدين من الشوائب التي لم تكن موجودة في العهد النبوي، إذ إن المجتمع الإسلامي لم يحلّق إلا بجناحي الرجل والمرأة, والمرأة ناصرت الدعوة من البداية وتحمّلت الأذى وشاركت في النشاطات الثقافية والاجتماعية التي كانت معهودة آنذاك, وللحديث بقية تأتي في حينها.

الوطن السعودية 25/9/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |