الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) عندما تتحول مسؤولية الرجل إلى سلطة فقط
 
 
 

يطلب بعض الإخوة مني كتابة مقالة عن مشاركة المرأة في الانتخابات على الرغم من كل ما خطته أقلام الكاتبات الأخريات حول هذا الأمر، وعلى الرغم من أني خصّصت أكثر من عشرين مقالة خلال سنة واحدة من كتابتي في صحيفة الوطن عن المرأة وقضاياها, وفي مقالتي "التمييز ضد المرأة منكر عظيم" بينت حق المرأة في الإسلام أن تكون عضوة مجلس شورى أو وزيرة, موثِّقة ما كتبته بآراء علماء شريعة منصفين, لذلك لا أرى فائدة كبيرة من شغل هذه المساحة فيما أقرت الشريعة أكبر منه, والأمر برأيي مجرد وقت لا أكثر, فالتغيير لا يحصل بين عشية وضحاها, والعادات التي استحكمت حتى أخذت طابع الدين بحاجة إلى مراجعة من قبل كل مخلص, وذلك لأن التغيير أمر حتمي فهو سنة الحياة, وإذا كان التغيير يبدأ من النفس, فدعونا نبدأ من المرأة ذاتها ومن الأسرة نفسها.

سبق أن بينت أن قوامة الرجل على المرأة محددة في الأسرة وليست في المجتمع, كما أوضحت أن هذه القوامة الأسرية لا تعني تفضيل الرجل على المرأة، بل هي بسبب اختلاف المهام الموكلة لكل منهما في الأسرة تبعاً لاختلاف فطرة الأنثى عن الذكر وتحديداً في موضوع الأمومة والحب والعطاء والحنان الذي هو ميزة للأنثى, فكما أن الرجل مفضل على المرأة في وجوب تحمل مسؤولية الإنفاق فهي مفضلة عليه في وجوب رعاية شؤون الأولاد, مع ضرورة التأكيد على ثلاثة أمور هنا:

 أولها: أن إنفاق الرجل لا يعفيه من مسؤولية متابعة أسرته والمشاركة في تربية أبنائه لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام:«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

 وثانيها: أن اهتمام المرأة بشؤون أسرتها له الأولوية، لكنه لا يضع عنها مهمة إقامة المجتمع الصالح كما في الآية الكريمة: }والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر{[التوبة9/71]، وكما كان دور المرأة في العهد النبوي حيث شاركت في نصرة الدعوة والجهاد ومبايعة الرسول عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد دل التحليل الموضوعي لما حدث فيهما أن البيعة كانت سياسية وليست دينية فقط.

 وثالثها: أن عبارة "قوامة الرجل على المرأة في الأسرة" هي في حال الزوج على زوجه فقط، وعندما يتحقق شرطا القوامة: }الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم{[النساء4/34], فالشرط الأول هو أن يَفضل الرجل زوجه عقلاً وخبرةً, والشرط الثاني أن يكون هو المنفق, ولذلك أعجبني رأي ذلك الفقيه الذي نقله الأستاذ صالح الشيحي والذي بيّن أن أحد أسباب زواج المسيار هو استغناء بعض النساء عن الرجل في الإنفاق، وكذلك سعة عقولهن ووفرة خبراتهن حيث لا يمكنهن الخضوع لأي رجل, على الرغم من معارضتي لأي زواج دون إشهار فلا يمنع هذا من القول بأن رأي هذا الفقيه هو رأي واقعي, والأهم من كل ذلك أن تتمة الآية المذكورة تظهر لنا أن القوامة متعلقة بالزوج، وليست لذكرٍ غيره، فتكفي عبارة }واهجروهن في المضاجع{[النساء4/34] للتأكيد على أن القوامة محددة في الزوج على زوجته, أما دور الأب أو الأخ أو العم أو الخال في حال وفاة الأب أو غيابه لسبب من الأسباب فهو يسمى (ولاية), وممارستها على القاصر ولداً كان أم بنتاً حق للأب أو لمن في مقامه, أما بعد بلوغ سن الرشد فهي مسؤولية تجاه ابنته في عقد النكاح فقط, حيث تصبح كاملة الأهلية مثلها مثل أخيها الرجل, وإن كان أبو حنيفة رحمه الله لم يشترط الولي لصحة عقد النكاح, بناء على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الثيب التي جاءت تشتكي أن أباها زوّجها وهي كارهة فأبطل نكاحها, وبناء على قوله عليه الصلاة والسلام لفتاة زوّجها أبوها من ابن أخيه دون رضاها: «لو شئتِ أبطلتُ نكاحك»؛ ومع ذلك فإن النظرة الواقعية للثقافة الذكورية التي تسود مجتمعاتنا تضع زواج الفتاة أو المرأة على كف عفريت إن تم دون ولي أمر، حيث يضعف موقفها تجاه من ستتزوجه، ولن تعرفه على حقيقته إلا بعد الزواج، لذلك لا بد من ولي أمر للمرأة يحميها من اعتساف حقها, ولكن السؤال الوارد هنا: ما العمل إذا كان ولي أمر المرأة أو زوجها هو من يستغل مسؤوليته عنها فيظلمها أو يمنعها من حقوقها؟

ها هنا بعض الصور البائسة التي لا توجد في المملكة فحسب, بل هي واضحة الحلكة في كل مجتمعاتنا العربية, وللأسف فإن بعض تلك المجتمعات قد استغنت عن شرع الله سبحانه، وعملت بالقوانين الغربية, ولكن عندما يستغل الرجل شرع الله في القوامة أو الولاية فهل تلام المرأة إذا بحثت عن أي طريقة للخروج من عسفه وظلمه؟!

الصورة الأولى: هي عضل الفتاة أو المرأة من الزواج بحجة عدم وجود الكفء، أو حتى من دون أي حجة, فقط ليتمتّع وليها بما أفاء الله عليها من مال, وهذه عادة جاهلية ذمّها القرآن الحكيم:}وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف{[البقرة2/232], والنهي عن العضل موجّه أيضاً للزوج، وليس فقط لولي الأمر:}يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة{[النساء4/19], وفي إحدى المشاكل الموجهة إليّ من فتاة يتيمة الأب، وهي التي تعمل وتنفق على عائلتها يشترط إخوتها على من يتقدم لها مهراً كبيراً فوق طاقته, ولأنها تحبه فقد جعلته يخضع لمطالبهم على شكل سندات يوفيها من مالها دون أن يعلموا بذلك, وقد شبهتها آنذاك بالعبد الذي يكاتب سيده كي ينال حريته, فهذه الفتاة تدفع لإخوتها مهرها بشكل غير مباشر، كي ترفع عنها ظلمهم؛ وهذا التحكم من الإخوة يذكر بالخبر الذي ورد في صحيفة الوطن عن فتاة زوّجها إخوتها على ريال واحد, وهو شيء جيد إذا كان بموافقتها فأبرك النساء نكاحاً أخفهن مؤونة، كما قال سيد الخلق عليه الصلاة والسلام, أما إذا كان بضغط عليها فيجب أن نذّكر أن حقها مهر مثيلاتها وقريباتها إلا إن شاءت أن تتنازل لزوجها أو لولي أمرها عن طيب خاطر: }وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً{, ومثله ذلك الخبر عن الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعاً والتي فضلت الزواج من رجل بعمر 85 سنة بما أن الرجل موفور العقل والصحة, كما ذكر الخبر, لكن أين نذهب بقول رسول الله لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما عندما تزوج ثيباً تكبره سناً:«هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك», وإن كان جابر بيّن لرسول الله عذره بأن له أخوات يتيمات بحاجة إلى من تراعيهن, فهو على كل حال استثناء والاستثناء لا يقاس عليه.

الصورة الثانية: هو ما ينتج عن الطلاق من إهمال لحقوق المطلّقة والنفقة عليها وعلى الأولاد, وللأسف فإن العرف قد طغى على الشرع في موضوع العدة التي يجب أن تقضيها المرأة في بيت زوجها في الطلاق البائن بينونة صغرى, فنجد أن المطلّقة تقضي عدتها في بيت أهلها الذين كثيراً ما يجبرونها على ترك فلذات أكبادها لأب مشغول أو سفيه أو ظالم, وآخر الحالات التي رأيتها حالة امرأة طلقت من 15 سنة، وعاشت بناتها عند والدهن الذي أساء معاملتهن، مما جعلها تستعيدهنّ مع تعذر استعادة حالة السواء النفسي بعد أن فعل بهنّ الأب ما فعل مما لا يمكن ذكره هنا, وقد اجتمع على هذه السيدة الفقر والظلم والمرض والعار. والحالة الأخرى الناجمة عن الطلاق هي لأخوات ثلاث بأعمار 17, 18, 19 سنة والثلاث مطلقات مع مولود أو أكثر, وأولادهن جميعاً من دون شهادات ميلاد، لأن الآباء رموا بالأمهات في بيت أهلهن دون اهتمام بأمر الله بأن المرأة الحامل تعتد في بيت زوجها حتى تلد, ولا أحد من هؤلاء الآباء يعلم أي شيء عن ابنه أو ابنته, فنحن هنا أمام أطفال مهيئين للجريمة أي ضد المجتمع، لأنهم غير معترف بهم من آبائهم.

نعيب على الغرب العلاقات غير الشرعية وأولاد الشوارع اللقطاء, ولكن الغرب يتميز عنا أنه يعترف بأخطائه ويحاول أن يجد حلولاً لمشاكله, خاصة مع تزايد عدد الأمهات العازبات, ونحن بيننا أشباه رجال لا يأبهون لشرع الله ولا يفهمون معنى المسؤولية, فيتزايد عدد الأمهات المطلقات اللواتي لا يجدن من يساعدهن في حل مشكلاتهن, ومن أصلاب هؤلاء وأرحام هؤلاء يولد أطفال ليس لهم ذنب إلا أن آباءهم يأكلون الحصرم وهم الذين يضرسون!

الوطن السعودية 18/9/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |