|
بعث لي بعض الإخوة القراء يطلبون إرسال تفاصيل عن محاضراتي في الحب والتي ذكرت
شيئاً عنها في مقالات سابقة, وبما أني وضعتها بشكل ملف "بور بوينت" فهي كبيرة الحجم
على أن تُنقل عبر البريد الإلكتروني, لكن المثل يقول: (أظهرْ عذرك ولا تظهر بُخلك)
فلن أبخل على الأعزاء القراء بشيء مما تستوعبه مساحة المقالة هنا خاصة مع إطلاعي
على ما خطته إحدى القارئات الكريمات في صفحة نقاشات بتاريخ 8/ 8/ 2004 حول السؤال
الذي أثاره الأستاذ خالد السيف والذي وجدتْ جوابه في مقالتي (أوهام الحب والخصوصية
في زمن الإنترنت والعولمة الثقافية), من أن نظريات فرويد في كبت الغريزة الجنسية هي
السبب في إعلاء قيمة هذه الغريزة على حساب عاطفة إنسانية راقية كالحب، مما أدى إلى
الخلط بين الحب والجنس, ومن ثم إلى ارتباط الكلمتين بعضهما مع بعض فأصبحت كل علاقات
الحب آثمةً حتى لو كانت صداقةً؛ وهذا ما يقرره العالم النفسي أنتوني ستور في كتابه
"الاعتكاف عودة إلى الذات" عندما يحلّل الفاجعة التي مُني بها الشاعر "الفرد تنيسون"
عند موت صديقه "آرثر كالاهام" فيقول:«كانت
صداقتهما حميميةً وعاطفيةً جداً, ولكنها لم تكن مشوبةً بالجنسية المثلية لا ظاهراً
ولا باطناً. ولقد كانت الأجيال فيما قبل فرويد أفضل حظاً من أجيالنا, ذلك أنهم
كانوا قادرين بحرية أن يعبروا عن "الحب" نحو شخص من نفس الجنس أو من الجنس الآخر
دون أن يكون ذلك معناه ضمناً أن كل حب يكون حباً جنسياً بالضرورة من حيث أصله».
مع ذلك وكي نكون منصفين أكثر مع فرويد أو غيره, فإن
سبب تحريم الحب في ثقافتنا – على ما أعتقد - يعود
أيضاً إلى بعض الشعراء الذين عانوا من الحب لدرجة
الجنون كقيس بن الملوح من قبيلة عذرة، وإليها نُسِب
الحب العذري، وكالشاعر ديك الجن الحمصي, فمن المعروف
أن سبب رفض تزويج قيس بمحبوبته ليلى هو تشبيبه بها,
ولا يمكن للمطّلع أن يَعبُر سيرة المجنون دون أن يشير
إلى أجمل بيت قاله والذي يدلّ فعلاً على جنون متفرّد
فقد خاطب زوجَ ليلى في اليوم التالي لزواجها ببيت شعر
يعجز عاشق غير مجنون أن يأتي به في مثل تلك الظروف
الحالكة إذ قال:
بربّك هل ضَمَمْتَ إليك ليلى قُبيل
الصبح أو قبّلتَ فاها؟
لذلك أصبح الحب مرادفاً للجنون والعيب, خاصة إذا ذُكر
اسم المحبوبة؛ وعلى أية حال فإن كتمان اسم الحبيبة
يرفع القيمة الأدبية لأي نص رمزي, ومن هنا فالعتب على
الأستاذ خالد السيف في مقالته التي تلت المقالة المشار
إليها من قِبل القارئة إذ حوى عنوانها كلمتين
"محبوبتك" و "خالد الفيصل" مما جعل القارئ يدرك اسم
المحبوبة وأنها "أبْها" بمجرد قراءة العنوان, فهذه
المباشَرة أفقدت نص المقالة عنصر الإدهاش المفترض
تَرافُقه مع الأسلوب الحداثي الذي يكتب به الأستاذ
السيف غالباً والذي قوامه الغُلالة الرمزية والستر
الشفيف, وليسامحني الأستاذ خالد فلي تعليق آخر سيظهر
في تتابُع المقالة.
برغم ذلك فإننا إذا رجعنا إلى التاريخ قبل عذرة وقبل
الإسلام نجد أن الحب موجود ومسطور في المعلقات وغيرها
من الشعر الجاهلي, فقد كان من المتعارف عليه أن تبدأ
المعلقة بالغزل على نمط:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى
بين الدخولِ فَحَوْمل
لامرئِ القيس إذا لم تخنّي الذاكرة, وقد استمرت هذه
العادة إلى فترة ما بعد الإسلام فكلّنا يعلم أن كعباً
بن زهير بدأ قصيدته في مديح الرسول عليه الصلاة
والسلام بالغزل ولم ينكر عليه الرسول عليه الصلاة
والسلام, وكيف ينكر وهو الذي رآى"مغيثاً" يتبع مطلقته
"بريرة" ودموعه تجري على وجنتيه, فلم ينهه, بل عجب من
حبه لها وكرهها له, ورقّ لحاله فتدخل شافعاً له عند
بريرة، ولكنها رفضت, فلم يستطع الرسول عليه الصلاة
والسلام أن يبدِّل الوضع بينهما, لكن ما غيّره كان
أكبر من ذلك بكثير على الصعيد العاطفي والإنساني إذ
علّم العرب كيف يكون الحب للطفل, فقد
رأى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن
والحسين, فقال: أتقبّلون صبيانكم؟ فما نُقبّلهم , فقال
النبي صلى الله عليه وسلم :
«أوَ
أملِك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟»
.
إن القبلة والعناق ضروريان لنمو الطفل النفسي وتطوره
العاطفي, وقد خصصت في كتابي "ألف باء الحب والجنس"
فصولاً عن النمو الانفعالي والعاطفي لدى الطفل
والمراهق وعن تقييم الذات الإيجابي وضرورته في بناء
الشخصية السوية, ولا يكون ذلك إلا عبر الاهتمام
بالناشئ وغمره بالحب والحنان, وفي كتابي الآخر "أسئلة
محرجة وأجوبة صريحة – مشاكل الأولاد" يوجد كثير من
الأمثلة عن التشوهات النفسية التي تنجم عن غياب الأم
غير المتوازن وانعدام الاهتمام من قبل الأب إضافة إلى
آثار العنف التربوي وما يبثّ من إحباطات في نفس الطفل
كثيرا ما تكون منشأً للسلوك العدواني سواء تجاه مصدر
الإحباط أو تجاه أي شخص آخر.
ومن الناحية الطبية فإن ضمّ الأم لطفلها الوليد
وإلقامَه ثديها هو ما يؤدي إلى جريان اللبن في فم
الطفل, وقد درسنا في الطب ما يسمى متلازمة الحنان وهي
تحدث عند بعض الفتيات العذراوات أو النساء غير
المنجبات عندما يشعرن بالحنان تجاه طفل, فتسري
الهرمونات في دم الفتاة من الغدة النخامية لتحثّ الثدي
على إفراز اللبن, فإذا كان العلماء الغربيون أطلقوا
هذه التسمية - إن لم يسبقهم في ذلك أطباؤنا القدامى من
أمثال الرازي وابن سينا- فماذا نقول عن دعاة النسوية
والتمركز حول الأنثى، والذي يدّعون أن الأنثى مثل
الذكر في كل شيء, وأن الأمومة ليست إلا دجلاً يُضحَك
به على عقول الأمهات كي ترتبط المرأة بالولد فلا
تستطيع أن تتمرد على الرجل؟! إن الأنثى أمّ بفطرتها
قبل أن تكون أي شيء آخر, والحقيقة أن العلاقة بين الأم
السوية وطفلها علاقة لا يمكن أن تحاكَم بالمنطق
دائماً, فهي سر من الأسرار إذ من ذا الذي يستطيع أن
يفسر شعور الأم بأحاسيس طفلها حتى لو حاول إخفاءها؟
لكنْ ثمة سرّ أغرب في هذه العلاقة الفريدة وقد كشفته
الدراسات النفسية الحديثة، وهو شعور الطفل بحالة
والدته النفسية رغم أنه قد لا يتجاوز ثلاثة شهور من
العمر, ومن هنا فإن الرابطة بين الأم وابنها لا يمكن
أن تتكرر بينه وبين أي امرأة أخرى في المستقبل, لذلك
يخطئ برأيي كل رجل يقارن المرأة التي يحبها بوالدته -
وهذه المقارنة وقع فيها الأستاذ خالد السيف - لأنه إذا
كان يبحث عن امرأة تحبه كوالدته فلن يجد ذلك الحب عند
نساء الأرض كلهن مجتمعات, لكن أيضاً لا ننسى أن
العلاقة بين الزوجين هي العلاقة الوحيدة التي جعلها
القرآن آية من الآيات:}ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا
إليها, وجعل بينكم مودة ورحمة{[الروم30/21],
وهذا ما سأخصص له مقالة تالية
إن شاء الله.
يعدّ شعور الطفل بمحبة الآخرين من أهم الاحتياجات
لنموه السليم, ويذكر أخصائيو التربية وعلماء النفس أن
فوائد إظهار المحبة كثيرة فهي السبب في السعادة
والحيوية وفي خلق الثقة بالنفس وإشاعة جوّ من
الاطمئنان وفي تطوير المدارك العقلية للطفل وفي الوصول
لحالة الاستقلال وكذلك في التقارب والانسجام كما أن
لها أثراً في سرعة تعلم الطفل وسرعة إنجازه لواجباته
وبشكل عام فإن شعور الطفل بمحبة من حوله له تشكّل
سبباً هاماً لامتلاك نظرة إيجابية بناءة للنفس وللآخر.
وكمثال هنا أذكر معلمتي في الصف الأول الابتدائي والتي
كانت ذات قدرة كبيرة على منحنا الحب لدرجة كنا نشعر
أنها أم حقيقية لنا، وأن المدرسة هي بيتنا الثاني, ولا
يزال صوتها وصورتها ماثلين في ذاكرتي، وهي تعلّمنا
حركات التشكيل كالفتحة والضمة والكسرة برواية قصة لنا
بأن "الألف" حملت وأنجبت طفلةً جميلةً سَمَّتها "فتحة"
وكانت معلمتنا تلفظ الفتحة كألف صغيرة سريعة, وكأن
طفلاً يخرج من فمها, فمن الجيد أن يحتذي المعلمون
والمعلمات بهذه الطريقة الأمومية للتعامل مع الأعمار
الغضة عدا أن المضمون التربوي جميل جداً في إدخال
المفاهيم المجردة للطفل عبر القصص.
يُذكر أيضاً أن للحرمان من المحبة مخاطر عديدةً منها
الاضطراب النفسي والخلل في العلاقات بين الطفل ومحيطه,
ومن صفات العُصاب الطفولي والذي أهم أسبابه فقد
الاهتمام والرعاية حدوث فقدان الشهية ونقصان النمو,
كذلك فإن الأطفال الذين حُرموا من المحبة لن يكونوا
قادرين على منحها في المستقبل لأحد, بل سيتصفون
بالخشونة والعنف والانحراف والتمرد والثورة والكره
للآخرين والهروب من البيت وعدم القدرة على التمتع
بمباهج الحياة. لكن كما أن للتفريط في المحبة آثاراً
سيئةً كذلك فإن للإفراط في المحبة ضرره البالغ, من حيث
يتخيل الطفل أن الآخرين مدينون له فيتوقع دائماً
إرضاءه، ولو على حساب غيره من الأطفال, وقد يستحوذ
عليه الخيال بأنه مركز العالم وأن الناس قد خُلقوا
لخدمته, فيتحول إلى مستبد عندما يكبر, وبالطبع فإن
الداعي لهذه الإشارة هو أننا في غنى عن مزيد من العقد
النفسية سواء كانت شعوراً بالصَّغار والدونية أو
إحساساً بالاستعلاء والفوقية, لذلك لا بد للمربي أن
يقبض العصا من الوسط بحيث تُوازَن المعادلة دائماً بين
الحب والحزم.
أينما ذكرت الحاجة إلى الحب أذكر القول الرائع للعالم
النفسي تيودور رايك في كتابه "الحب بين الشهوة
والأنا":«ليس لدي شك أنه بعد إرضاء حوافزنا
الأشد أولية فإن الانفعالين اللذين يتحكمان بحيواتنا
هما الخوف من الموت والرغبة في أن نكون موضع حب».
عبارة د. رايك وقصة معلمتي بين الألف والفتحة إضافة
إلى المعاني التي وردت عن أسرار العلاقة بين الأم
والولد, كلّ هذا يشكل في ذهني قصة هي أن الحياة أنجبت
طفلاً جميلاً سَمَّته "حب" فنشأت بينهما أسرار وجودية
غير مفهومة منطقياً, فما السبب مثلاً في أن الحياة ليس
لها معنى دون حب؟!
الوطن السعودية
14/8/2004 |