|
ذكرت في مقالة سابقة عنوان إحدى المحاضرات التي ألقيتها على فتيات في معسكر صيفي,
وهي "عن الحب أتحدث", ولأهمية الحب في الحياة ولأثره السحري في التربية فقد ألقيت
أيضاً محاضرة "أبجديات الحب في التربية" على أمهات ومربيات, وقد حوى كتابي "ألف باء
الحب والجنس" الذي أصدره مركز الراية للتنمية الفكرية ضمن سلسلة "ما لا نعلمه
لأولادنا" مواضيع كثيرة كالتربية الأخلاقية ودور الحب في الحياة الأسرية وانعكاس
وجوده بين الأبوين على الأطفال, وكذلك ضرورة فهم نفسية الطفل والمراهق لتنمية عواطف
كل منهما من جهة وتعديل غرائزهما من جهة أخرى, إضافة إلى توضيح المنظورين النفسي
الإنساني والديني الشرعي للحب, عدا ما يخص التربية الجنسية والإجابة على أسئلة
الأطفال المحرجة وحمايتهم من التحرش الجنسي.
من الأشياء الهامة التي أشرت إليها في الكتاب هو الفرق
الذي يظهر بين شخصية الطفل المحروم من الحب والطفل
الذي ارتوى من هذا النبع الفياض, وضرورة تعويد الناشئ
على التقييم الإيجابي لذاته، وإشعاره بحب من حوله,
وهذا الأمر إذا كان ضرورياً لبنية نفسية سليمة عند
الطفل الذكر فإنه أكثر وجوباً في حالة الطفلة الأنثى,
فعندما تنشأ الفتاة على تقييم سلبي لنفسها وتفتقد الحب
فيمن حولها فهذا غالباً ما يقودها إلى البحث عنه خارج
المنزل, مما قد يكون له عواقب كارثية عليها وعلى
أسرتها, والمشكلة الأكثر بروزاً هنا هو الخلط بين الحب
والجنس, فإذا كان الإسلام ليس له اعتراض على الحب ما
لم يؤدِّ إلى معصية, فإن تحكم مشاعر الحب بالإنسان قد
يلغي دور العقل ويسبب عدم القدرة على السيطرة على
المشاعر أو يؤدي إلى عدم التفريق بين العواطف
والغرائز. وسبب هذا الخلط بين الحب والجنس هو انتشار
نظريات فرويد الذي أعاد كل تصرفات الإنسان إلى كبت
الغريزة الجنسية, وكان لهذه النظريات أثر في منح الجنس
قيمة تفوق قيمته الحقيقية في حياة البشر، مما أدى إلى
الإباحية الجنسية التي سادت الغرب، وانتقلت العدوى إلى
مجتمعاتنا العربية والمسلمة. كان هذا قبل الثورة
التكنولوجية ووجود الفضائيات والإنترنت والبيجرات
والجوالات، وقبل انتشار الأغاني الرديئة من أمثال (تباجرني
وتدخل رقمك السري) والحمد لله أن الهاتف المحمول قد حل
مشكلة الرقم السري, ولكن الهاتف ذا الكاميرا خلق مشكلة
جديدة سببها وهْم الخصوصية, فكل المجتمعات الأخرى
تنتشر فيها الكاميرات والهواتف النقالة, وإن كان لتلك
المجتمعات مشاكلها الخاصة فإن للمجتمع السعودي أيضاً
مشاكله الخاصة, فهم لهم خصوصية، ونحن لنا خصوصية, وهذا
يعني أن لكل شعب أزماته التي يعاني منها, وليس أنه شعب
الله المختار!
أكتب هذا وأنا أتذكر الحادثة التي تفاجأ بها المجتمع
السعودي من نشر صور اغتصاب فتاة من قِبل وحش بشري
بتشجيع مجرم آخر, ولست أذكر هذا لإلقاء اللوم على
الفتاة وحدها أو على الذي فعل هذه الفعلة الشنيعة, بل
لأؤكد أننا جميعاً نشترك في الإثم إذا آثرنا الصمت
والسلامة, ولأنبه أنه قد آن الأوان لنستيقظ من النوم
والغفلة, فما حدث يجب أن لا يمر دون تحليل. صحيح أن
المشكلة ليست ظاهرة للعيان, لذلك لا يحق لنا أن نسميها
ظاهرة, لكن ألا يحق لنا أن نطلق على المعاكسات غير
المأمونة والتفحيطات المجنونة اسم ظاهرة؟ ماذا يفعل
هؤلاء الشباب وتلكم الفتيات في الأسواق؟ منذ سنوات
عديدة, وأنا ألاحظ أن هناك بعض الشباب يدور في مجمّعات
الأسواق وعلى وجهه ملامح الصياد يبحث عن طريدة, وكذلك
ألاحظ بالمقابل وجود بعض الفتيات اللواتي يخرجن من
بيوتهن للاستعراض فقط إن لم يكن للصيد أيضاً, والبرقع
الذي يُظهر العينين المرسومتين بكل رعاية والعباءة
التي تبدي المفاتن الجسدية بكل عناية ليسا للتفريق بين
المحتشمة وغيرها؛ ونفس الملاحظة أبداها شاب بريطاني
مسلم، وأعلن استغرابه عن وجود الملابس النسائية
الفاضحة والصارخة بالإثارة في محلات الثياب العادية,
فهل هذه التقليعات هي خصوصية؟
يظن بعض الإخوة المتشددين أن الحل يكمن في حبس الفتاة
بالبيت، لكنهم ربما جهلوا قانون الفيزياء الذي يحكم
بأن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويخالفه في
الوجهة, فعندما ترى الفتاة أن أخاها يُسمح له بلبس
أحدث الأزياء وبتصفيف شعره على آخر موضة – وكأنه هو
الفتاة - وبالاستماع إلى الأغاني الماجنة وبالخروج على
هواه, وهي محرومة من كل هذا, فلن تعدم أن تبحث عن
طريقة لتفعل مثل ما يفعل, وأرجو ألا يفهم من كلامي
تشجيع الفتيات على الثورة, وإنما أشير إلى ضرورة
المساواة بين الذكر والأنثى, ومن ذلك تربية كل من
الفتى والفتاة على المفاهيم الأخلاقية وخاصة الفضيلة
والحياء, فليست الفضيلة حكراً على النساء, وليس الحياء
مقتصراً على الإناث, وإن كان ثوب الحياء بالفتاة أجمل
ودثار الفضيلة للمرأة أكمل.
منذ عدة أيام حاولت إحداهن تكرار معاكسة ابني الذي
يخطو في عامه الخامس عشر عن طريق الاتصال بهاتفه
المحمول, وبحكم الصداقة التي حرصتُ على نشوئها بيني
وبينه منذ الطفولة حكى لي عما حصل, فأخذت رقم هاتفها
واتصلت بها من هاتف المنزل وسألتها عما تريد من ابني,
فتلعثمت وأنكرت أن تكون قد اتصلت, فانهلت عليها
تقريعاً وتهديداً إذا أعادت الكرة, وفي اليوم التالي
رن هاتفي المحمول في جيب معطفي الأبيض وأنا في عيادتي
فإذا بصوت ذكر يسأل فيما إذا كان أحد اتصل بهاتفه
المحمول, ولما أجبته بالنفي, سأل عن إمكانية التعارف
فأجبته بعدم الإمكان وأغلقت الخط, وأنا أعجب لهذه
اللعبة السخيفة المكشوفة فكيف يسأل عن أحد اتصل به ثم
يطلب التعارف؟! لكنه عاد واتصل وسأل:
«لماذا
أنت غاضبة مني؟»
هكذا, وكأنه يعرفني منذ سنين, فقدمت له نفسي على أني
كاتبة ومستشارة اجتماعية وإذا أحب أن يحكي لي قصته كي
أساعده, فبدأ بالاعتذار, وكانت قد حصلت معي معاكسات من
هذا النوع على الهاتف الثابت, لكن أن تصل المعاكسات
إلى الهاتف المحمول بما فيها من كلفة مادية ومخاطرة
بمعرفة رقم المتصل فلا بد أن لهذا الفعل أحد سببين:
إما عدم المبالاة أو الفراغ أو الاثنين معاً، أي
الضياع, وكان مما حكاه لي أنه يعاكس الفتيات، لأنه غير
قادر على الزواج بسبب مرّتبه القليل، رغم أن عمره 29
سنة, عدا أنه أحب فتاة ولم يتزوجها لتعنت أهلها لأنه
ليس من نفس القبيلة, وتزوجت غيره وهي ما زالت تتصل به
لأنها لا تحب زوجها, والقصة طويلة ومكررة, في مجتمع
يصر بعض من فيه على أنه ملائكي وذو خصوصية وكأنه بِدع
من المجتمعات, ولذلك لم أستغرب دفاع قارئ عن النعامة
في صفحة (نقاشات), فهو لا يرى أي مشكلة بالنسبة للمرأة
السعودية, وأنا أهوّل الأمر برأيه, ولن أعلق بشيء إلا
بقولي أني انتهيت من دراسة 100 مشكلة للمرأة السعودية
وهذه هي النتيجة:
مشاكل نفسية 25% , مشاكل زواجية 20%, مشاكل أسرية 15%,
مشاكل عاطفية 14%, مشاكل جنسية 14%, مشاكل اجتماعية
12% , والتفصيل ليس مكانه هنا, لكن بما أن المقالة عن
أوهام الحب والخصوصية فسأضرب مثلاً بمشكلة واحدة من
المشاكل العاطفية, والمرسلة طبيبة تتلخص مشكلتها
بتعارفها على شخص من بلد عربي آخر عن طريق الإنترنت
حاز على إعجابها لأنه – على حد قولها- ملتزم, داعية
إلى الله, مؤدب, وخلوق, على علم وثقافة عالية, ثم تحول
الإعجاب المشترك فأصبح حبًّا. تقول:
«كنا
صريحين بعضنا مع بعض منذ البداية، أخبرني بتواضع
أحواله المادية والاجتماعية، لكن هذا لم يزدني إلا
تمسكاً به.. حتى أتى اليوم الذي صارحني فيه بحبه
الشديد لي وبرغبته في الارتباط بي، وطلب مني أن أعطيه
رقم هاتفي.. وبعد أن أقنعني برغبته الجادة.. ولإيماني
به وبصدقه أعطيته رقم المحمول.. وكانت هذه المكالمات
بداية جديدة لعلاقة أقوى.. حب لم أصدق بوجوده حتى عشته
معه.. قصة حب أسطورية.. أجمل مما قرأته في كتب العشق
وروايات الغرام. تعلقنا الشديد بعضنا ببعض جعلنا
نتبادل المكالمات الهاتفية لمدة ساعات يومياً. أشار
علي بالزواج العرفي دون علم أهلي، لأنهم لا يوافقون
على زواجي من أجنبي, عدا أنه يعيش في بلد آخر، وهو أقل
مني بالمركز الاجتماعي والمادي, وبهذا يكون هناك سبب
شرعي يسمح لنا بالمكالمات، وما يتخللها من عبارات الحب».
تذكر أنها حولت له نقود وتختم رسالتها بسؤالها:«
هل أعيش مع والديّ في انتظار نصيبي على الرغم من
الوحدة التي تسكنني.. أو أتحدى ظروفي وأفوز بحب
العمر؟ وكيف أستطيع ذلك؟».
حلّلت لها أسباب مشكلتها واقترحت عليها قطع هذه
العلاقة وبترها لأنها ستؤدي بها إلى ما هو أكثر من
الكلمات ولا سبيل للالتقاء بينهما خاصة أن الرجل قد
يكون نصّاباً وقد يبتزها عاطفياً ومادياًَ دون أن تشعر
أو أن يشعر بها أحد, مع الزواج العرفي في الفضاء
الالكتروني!
السؤال المطروح: أليس درهم وقاية خير من قنطار علاج؟
الوقاية لا تكون بمنع الفتاة من الإنترنت وسجنها في
البيت ومراقبتها والتجسس عليها، بل بمنحها الحب والثقة
بالنفس وبإعلاء ثقافة المناعة لا المنع وذلك بتمثل قول
غاندي:
«لا
أريد لبيتي أن تحيط به الأسوار من كل جانب إلى أن تسد
نوافذه، وإنما أريد بيتاً تهب عليه بحرية تامة رياح
ثقافات الدنيا بأسرها، لكن دون أن تقتلعني إحداها من
الأرض».
هذه المشكلة كما تبدي وهم الحب الذي تعيشه هذه الطبيبة
في زمن طغيان المتعة والغريزة, تظهر وهم الخصوصية الذي
نعيشه في عصر الإنترنت والعولمة... فسامحوني إذا أيقظت
النائمين وأزعجت النعاميّين!
الوطن السعودية
24/7/2004 |