|
يقول الفيلسوف الوجودي كير كيجارد:(خداع النفس في الحب
أسوأ أنواع الخداع وخسارة فادحة لا يصلحها الزمن ولا
تغفرها الأبدية) وأنا كواحدة من بني البشر قد أضطر
للخداع أحياناً خاصة ضمن حدود الكذب المباح أو
التورية, لكنني لا أذكر أني كذبت في عواطفي مرة واحدة,
فالصدق مطلوب في العواطف والانفعالات كما هو مطلوب في
الإيمان والمعتقدات. ولذلك فأنا صادقة عندما أقول أني
أحب ديني الإسلام وكذلك عندما أقول أن المملكة العربية
السعودية هي أحبّ البلاد إلي, ولا أخجل أن أعلن
تطلعاتي بأن تكون المملكة في طليعة البلاد العربية
التي ستخرج من النفق التي دخلت فيه الأمة العربية
والإسلامية منذ عهد بعيد, ولا أخفي تفاؤلي بأن تصبح
المملكة رائدة في التنوير والتغيير رغم كل ما يُشاع
حولها وما يُكاد لها؛ والسبب هو ارتباط المملكة
بالإسلام فلا نهضة للأمة العربية بدون الدين, هذا ما
قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(نحن قوم أعزنا الله
بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله), وهو
ما قرره المؤسس الأول لعلم الاجتماع ابن خلدون في
مقدمته إذ خصص فصلاً بعنوان (العرب لا يصلحهم أمر سوى
الدين). لذلك عندما اتصلت بي الدكتورة إلهام المانع من
الموقع العربي التابع لإذاعة وتلفزيون سويسرا كي تجري
معي حواراً حول وضع المرأة السعودية لم أتردد بالقبول,
لأني مستعدة أن أضع كل إمكانياتي وسائر وقتي لخدمة
هذين المقدسَين لدي: دين الإسلام وتراب المملكة.
كانت الأسئلة الموجهة تدل على خبرة إعلامية مميزة
وإحاطة واضحة بما يجري في المملكة, وسأكتفي هنا
بالإشارة إلى ما له علاقة بموضوع المقالة, فقد دارت
الأسئلة الأولى حول مشاكل المرأة في التعليم والعمل
وأثر الأعراف والتقاليد ثم حول تأثير النخبة المثقفة
المستنيرة في تغيير الممارسات التقليدية التي تمنع
المرأة من المشاركة في تنمية المجتمع, وكذلك حول دور
المؤسسة الدينية في إعاقة هذا التغيير. حاولت في
إجاباتي أن أكون منصفةً فبينت أن المجتمع السعودي
مجتمع متدين بالفطرة لذلك هو يرفض الدعوات التغريبية,
وذكرت أن غالبية النخبة المثقفة لديها وعي كاف
باحتياجات المجتمع وبضرورة التغيير وبالتالي لا بد أن
تلغى العادات والتقاليد التي لا تتناغم مع الدين ولا
تتماشى مع المصلحة العامة, وإن كان هذا الإلغاء سيتم
بشكل بطيء فهذا شيء معهود عن طرائق التغيير بل ومطلوب
أيضاً ليصل هذا التغيير إلى غايته وأهدافه. ثم أوضحت
أن رفض المؤسسة الدينية لهذا التغيير مبني على تخوفها
من تغريب المرأة حيث أن تجارب الدول العربية الأخرى
ليست ناجحة, وهذا ليس من منظور ديني فحسب, بل من منظور
اجتماعي أيضاً, فالمرأة العربية كانت كالمستجير من
الرمضاء بالنار, إذ استقلت عن الرجل مادياً لكنها لم
تستقل عنه اجتماعياً, فاستقلالها المادي أدى إلى
ارتفاع نسب الطلاق في المجتمعات العربية, وعدم
استقلالها الاجتماعي نتج عنه تقصيرها في واجباتها سواء
في المنزل أو في العمل, خاصةً وأن التحديث في بلادنا
العربية لم يأخذ بعين الاعتبار أن المرأة هي أم
بالدرجة الأولى, فلا يوجد مثلا دور حضانة ملحقة
بالعمل, ولا تستطيع بدخلها المحدود أن يكون لديها
خادمة طوال الوقت, وانعكس هذا على البيت والأطفال
سلباً وهكذا.. عدا عما جره الاختلاط غير المنضبط
بالشرع من مساوئ وخراب بيوت؛ وكل هذه النتائج
الاجتماعية تبرّر تخوف المؤسسة الدينية من دعم مطالب
المرأة في الانطلاق والتحرر. أما أهم الأسئلة فقد كان
حول آليات التغيير وشروطه, فأجبت أن التغيير كي يؤتي
ثماره لا بد أن يكون كالقطار الذي يسير على خطين
متوازيين: خط الثقافة وخط السياسة. ولا يمكن أن يُرسم
خط الثقافة بإتقان في المملكة إلا بالتآزر بين المؤسسة
الدينية والنخبة المثقفة, فعلى الأولى أي المؤسسة
الدينية تقع مهمة التجديد الديني المتفق مع الشرع
الميسر مما يفسح المجال للأصوات الدينية المعتدلة أن
تنبثق من ثوابت الدين وتراعي متغيرات الزمان والمكان,
وعلى الثانية أي النخبة المثقفة أن تحثّ على هذا
التجديد الديني مؤكدة أن منطلقاتها لا تخرج بحال عن
الثوابت الدينية الحقيقية كي يطمئن لها الجمهور المفعم
حماسةً دينيةً فطريةً, وبذلك تتعاون المؤسسة الدينية
والنخبة المثقفة لتمهيد العقول وتهيئة النفوس لأي
قرارات تراها الإرادة السياسية ضرورية.
أدرك تماما أن يداً لوحدها لن تقوم بالتصفيق, ولا بد
لنهضة هذا البلد الكريم من أن يتعانق القلم والمنبر
معاً, فالمثقف المتزن يجب أن يستمد شرعيته من عالم
الدين المعتدل كما أن عالم الدين المتصف بالحكمة لن
يخفى عليه دور المثقف في التنوير والإصلاح, ولذلك كان
موضع فخر واعتزاز لي أن أجد في بريدي الالكتروني
رسالةً من الشيخ عبد المنعم بن سليمان المشوح مدير
حملة السَكينة يدعوني للمساهمة فيها كونها معنية
بالوقوف
أمام مد العنف والغلوّ لمواجهة تيار التطرف الذي
انتشر بين الشباب ووجد في عالم الإنترنت أرضاً خصبةً
لتداول أفكاره وطرح شبهه. أهم أهداف الحملة هي: كشف
الشُّبهات التي يعرضها أصحاب الاتجاهات المُنحرفة بين
الشباب, ومناقشة الشباب والتحاور معهم في القضايا
المُشكِلة, والتصدّي لمن يبثّ أفكاره المنحرفة, وتعميق
صلة الشباب بالوطن, وتفعيل بيانات وخطابات ولاة الأمر
والعلماء والمُخلصين وتقديمها للشباب ومعالجة الأسباب
التي تؤدي إلى الغلو والانحراف سواء كانت فكرية أو
اجتماعية أو نفسيّة, وتقديم استشارات وحلول منطقيّة
للأسر التي تلاحظ انحرافاً في سلوك أحد أبنائها.
أعقبَ ذكرُ الأهداف وسائلَ تحقيقها وكيفية التنسيق
بين أفرادها وما إلى ذلك من تخطيط جدير بإنجاحها بإذن
الله خاصة مع الإخلاص والصدق اللذين لمستهما في صوت
الشيخ المشوح أثناء حديثي الهاتفي معه والذي أكدّ فيه
على مدى اهتمام معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية
بالحملة وسعيه لتعاضد جهود المؤسسة الدينية والنخبة
المثقفة, وهو الأمر الكفيل بالقضاء على جذور الإرهاب
الفكرية والثقافية.
سألت نفسي: هل أنا مؤهلة للتشرف بالقيام بأعباء هذه
الثقة الغالية؟ سبق لي أن ناقشت كثيراً من فتاوى
الجهاد غير المناسبة للزمان والمكان عبر صحيفة الوطن
ومواقع أخرى, وتصديت لكثير من الأفكار المنحرفة بما
فيها تلك التي تخلط بين الجهاد والإرهاب, وعالجت من
خلال موقع إسلام أون لاين كثيراً من مشاكل التربية
والتي تعتبر المحضن الأول للإرهاب نتيجة العنف
والاستبداد الأسري الذي يقع على الطفل والمرأة كما
ساهمت في إلقاء الضوء على مشاكل الشباب المختلفة وإن
كان الواجب يقتضي البحث في أسباب تغييب الشاب عن واقعه
فيلجأ إما إلى العنف أو إلى الإدمان. وهنا لا يفوتني
شكر سمو ولي العهد – حفظه الله- على تكرّمه بفتح باب
التوبة أمام المخطئين لاسيما وأنهم القادرون على
التأثير في الشباب بعرض تجاربهم الخاطئة, وللتو قرأت
الخبر الذي نشرته صحيفة الوطن عن جزاع بن مزعل الرويلي
الذي كان أحد أكبر مروجي المخدرات في المملكة والذي
يناشد فيه ولاة الأمر بأن تشمله المكرمة الملكية
بالعفو عن التائبين, فقد نقلت "الوطن" أنه قال وعيناه
تدمع من الأسى والحزن على ما فرط في حق الله بأنه
فوجئ بحكم من المحكمة الشرعية بالسجن سنة وجلده 300
جلدة تعزيراً, وأنه لا يجد الآن وظيفة تعود عليه
بالنفع خاصة وهو يعول عائلة كبيرة وقد رفض عرض الأشرار
من أقران المخدرات كي لا يعود
إلى ما كان عليه ويأمل من ولاة الأمر
الصفح والعفو معاهداً نفسه أن يستمر في دعوته للمروجين
ومستخدمي المخدرات بأن هذا طريق الهاوية؛ فهذا مخطئ
تائب يجب أن نكون جميعاً عوناً له لا عوناً للشيطان
عليه, وفي الغرب يستفيدون من أي مجرم تائب لتوعية
الشباب في المدارس, فلعل الدولة تستفيد من الرويلي
وأمثاله من التائبين سواء من الإدمان أو من الإرهاب
بعد إعادة تأهيلهم نفسياً واجتماعياً وبذلك تضرب
عصفورين بحجر واحد: أولهما مساعدة التائب على الاندماج
بالمجتمع وحفظ كرامته من خلال وظيفة تمنعه من التفكير
بسلوك السبل المحرمة مرة أخرى وثانيهما تأثيره على
الشباب كي لا يعيدوا تجربة كارثية كتجربته.
أما أهم الأسباب المؤدية للعنف والتطرف برأيي فهو
التشدد الديني ومنه التشدد في قضايا المرأة التي أصرّ
في كل مرة على دورها في المجتمع وما ذاك إلا للتخفيف
من السادّية المتخفية تحت أجنحة الذكر, وليس - كما يظن
بي بعض الإخوة الأعزاء - لإخراج النساء من بيوتهن
لتحويلهن إلى دمى فاتنة أو عرائس ماجنة. إن للمرأة
دورا كبيرا في ثني الرجل عن أي مغامرة غير محسوبة
العواقب, وهذه نصيحة فولتير تؤكد ذلك:(الزواج يجعل
الإنسان أكثر حكمة وتقى؛ ورجل العائلة الذي يوشك أن
يرتكب جريمة غالباً ما توقفه زوجته لأن دمها أقل حرارة
من دمه مما يجعلها ألطف وأرق وأكثر خوفا من السرقة أو
الجريمة، وأكثر جبناً وتديناً). المرأة هي ينبوع حب لا
ينضب وشلال حنان لا يتوقف, وفي كل مرة نفتح النوافذ
لطاقات النساء لا بد أن نكتشف أنثى متدفقة بالعطاء لا
تكتفي بسكب ماء الحب الزلال في كؤوس الزوج والأبناء,
لأن إنسانيتها التواقة للمَنح لا تُروى إلا بنحر القلب
على مذبح الفداء للدين والوطن. أشكر الشيخ عبد المنعم
المشوح على دعوته الكريمة, وأرجو أن أكون عند حسن
الظن.
الوطن السعودية 17/7/2004 |