الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) قضية المرأة هي قضية المجتمع
 
 
 

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن قضية المرأة هي أكثر القضايا الاجتماعية التي شغلت بال المفكرين وأخذت حيزا كبيرا من مساحات كتابات المثقفين، ويعود سبب ذلك برأيي إلى أن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي النصف الأساسي الذي يصنع النصف الأساسي الآخر، وبكلمة أخرى فإن المرأة هي أكبر مساهم في بناء الشخصية لدى أفراد المجتمع كلهم ذكورا وإناثا، ولا يستطيع عاقل أن ينكر دور الأم في تربية الطفل في سني حياته الأولى حيث تتشكل بذور شخصيته التي سترافقه طيلة حياته، دون أن يقودنا هذا الاعتراف إلى نكران دور الأب الذي يجب أن يقوم به في التربية، لكن الواقعية تفرض علينا تناول الموضوع بوجهه القائم حاليا دون أن نخفي الحقائق أو نزورها أو نشوهها، فمهمة التربية في أغلب الأسر تقع على عاتق الأم، وأنا هنا لا أنادي بأن نقلد الغرب ليأخذ الرجل إجازة أبوة ويتحول إلى جليس للأطفال مثلا، إذ إنني أقدر فطرة الرجل في حب الحرية وعدم الرغبة في القيود، هذه الفطرة التي تفرض عليه ألا يكون كالأم بحنانها ومقاربتها لأطفالها واجتماعها بهم، لكن أنادي بأن يهذب الرجل في نفسه تلك الفطرة فيشارك هو أيضا في بناء شخصية الأولاد منذ نعومة أظفارهم بشكل صحيح ومؤثر وفعال.

ما يستدعي تأكيد هذا الأمر الهام هو ما أراه من أخطاء التربية التي تجعل معظم الجيل دون شخصية متوازنة، فهل السبب أن الأم وحدها لا تحسن التربية؟ أم إن السبب هو في الأب الذي لا يعطي الأم حقها من الرعاية والاهتمام لتستطيع بدورها أن تمضي في مهمتها المقدسة على أحسن وجه؟ أم إن استكانة المرأة للظلم الواقع عليها ورضاها به هو السبب الأساسي أم إن القضية أعمق من هذا وأشد خطرا؟!

إن الطفل يقتبس احترامه لوالديه من المعاملة الحسنة بينهما بحكم أن الطفل يتعلم بالتقليد ما لا يتعلمه عن أي طريق آخر، كما يستمد عدم احترامه لهما من المعاملة السيئة بينهما، وعندما يكون احترام الأبوين أحدهما أو كليهما، معدوما في نفس الطفل فهل نتوقع أنه سيحمل تقييما صحيحا لذاته ولغيره في حاضره أو مستقبله؟! وعندما ينشأ الطفل الذكر وهو يرى أمامه مثله الأعلى الذي هو الأب يسيء لأمه ويهينها بل ويضربها أحيانا فهل نظن أن هذا الطفل سيتعامل مع والدته كما يفعل طفل آخر لأسرة يعامل فيها الرجل زوجته باحترام كبير وتقدير بالغ؟! وعندما يتعلم نصف المجتمع الخشن أن بإمكانه السيطرة على نصف المجتمع اللطيف فهل لنا أن نتخيل السوء الذي يضرب أطنابه في مجتمع يكون نصفه مستعبدا للنصف الآخر؟!

لأضرب بعض الأمثلة مما يعرض لي في عيادتي:

مريضة دخلت عيادتي مع ابنها البالغ عشر سنوات تقريبا، وبدأت تحكي لي شكواها بصوت يكاد لا يكون مسموعا من الخجل، فلما طلبت منها أن تدخل إلى غرفة الكشف دخل ابنها معها فسمعته كيف يأمرها بصوت عال أن تستلقي على طاولة الفحص، ولم أستسغ معاملة هذا الولد لأمه وعزوت السبب إلى أنه مقلد لوالده في البيت الذي جعل شخصية هذه السيدة أقرب إلى العدم بسبب سيطرته التي تعلمها هذا الولد منه، فما كان مني إلا أن طلبت من الولد أن يخرج قائلة له: هذه عيادة للنساء وأنت رجل فعليك أن تبقى خارجها ولا تدخل مع والدتك مرة أخرى... وعندما خرج سألت السيدة المريضة كيف تسمح لابنها أن يكلمها بهذا الأسلوب الجاف الآمر، فلم أسمع جوابا سوى همهمة لم أفهم منها شيئا!

مريضة أخرى شكاواها كثيرة ومتعددة، وتقفز من موضوع لآخر دون رابط ومما ليس له صلة بشكواها الأساسية، وكان مما ذكرته لي أن ابنها في الصف الأول الابتدائي ذكي جدا، فسألتها عن درجة ذكائه ومداها فأخبرتني أنها تساعده في حل الواجب، لكن عندما يسأله الأستاذ من الذي ساعده في الحل فإنه يقول والدي، مبررا ذلك لوالدته بأنه لا يسمح لنفسه أن يخطئ أمام أصدقائه ويخبرهم أن من ساعدته "حرمة" كي لا يسخروا منه!

هذا مثال يبين لنا كيف يُسمَح للطفل بالكذب بل ويُشجَّع عليه من قبل الأم نفسها التي تصفه بالذكاء بدل أن تقص عليه كيف كانت خديجة وعائشة وفاطمة وأم سليم وأم عمارة وخولة والخنساء - رضي الله عنهن- وغيرهن من "الحريم". أما المثال الثالث فهو عن مريضة لا يمكن أن تمسح قصتها من الذاكرة لشدة وقعها وألمها ومخالفتها لكل أعراف الشرع والإنسانية، ولا يمكنني أن أنسى منظرها أول مرة رأيتها فيها وهي جالسة إلى جانب زوجها في ممر الانتظار، وكان وجهه يقطر غضبا، فاستعذت بالله وتوسلت إليه في سري ألا تكون هذه المريضة ولا زوجها من نصيبي معللة نفسي بأن يكون الزوج هو المريض فيدخلا عيادة زميل لي - ومما علمتني إياه الأيام أن القسمات الجميلة التي ترتسم على وجوهنا ما هي إلا نتيجة لعذوبة الروح في داخلنا، والعكس بالعكس - لكن توقعاتي خابت عندما رأيته يسبق زوجته في الدخول إلى عيادتي ويجلس أمامي يرمقني بنظرات غير مريحة، ولما دخلت زوجته وجلست وسألتها عن شكواها تكلم هو عنها، وهذا أكثر ما يزعجني في عملي أنني أسأل المرأة فيجيب زوجها وكأن الله لم يخلق للمرأة لسانا لذلك فهي بحاجة إلى الناطق الرسمي باسمها حتى لو كانت تكلم امرأة مثلها، وكان مما أخبرني به أنها تشكو من معدتها، وأن السبب يرجع إلى أنها تتناول كثيرا من الأدوية النفسية بسبب مرضها النفسي، وطلب مني أو بالأحرى أمرني أن أرى ذلك كله في ملفها، فسكتّ على مضض، ونظرت إلى وجه المرأة الهادئة متسائلة في نفسي هل هدوؤها كهدوئي أي "مكره أخوك لا بطل" كي لا يحصل الصِّدام مع شخص من أمثال صَدّام؟ أم إن هدوءها مرجعه إلى تناولها للأدوية النفسية التي تجعل التوازن بين الفعل ورد الفعل معدوما في شخصية متعاطيها؟ طلبت من السيدة أن تدخل غرفة الكشف وأغلقت الباب بيننا وبين الزوج لأنني شعرت أن وراء الأكمة ما وراءها، ثم قمت بالكشف عليها ولما لم أجد عرضا يشير إلى مرض معين، نظرت مباشرة في عينيها المترقرقتين بحزن جليّ، وطلبت منها أن تخبرني بأمرها، فكان ما توقعته من أنها ليست مريضة نفسيا ولكن معاملة زوجها السيئة لها بالبخل والضرب والإهانة أمام الأولاد جعلتها تلجأ إلى أهلها لتطلب بإشرافهم الطلاق منه، ولما لم تجد أحدا تستند إليه في أسرتها اضطرت إلى الرجوع إليه ذليلة خانعة، فما كان منه إلا أن أخذها إلى طبيب نفسي، لأن المرأة التي تطلب الطلاق هي مريضة نفسيا في رأيه، وبما أن بعض الأطباء النفسيين لا يستطيعون ممارسة عملهم على الوجه الذي يمليه الضمير بالخلوة مع المريض / المريضة لفهم مشكلته حتى مع وجود ممرضة، أو لا يفكرون في هذا أساسا حيث إن أسهل الطرق لمعالجة المريض النفسي هي الأدوية التي تؤدي إلى الهدوء لكن مع انعدام ردود الفعل كلية، فيتحول المريض إلى آلة صماء بكماء، بدأ ذلك الطبيب بوصف الأدوية النفسية لها ليُكرهها زوجها على ابتلاعها أو لتكره نفسها على ذلك كي تتحمل مرارة الحياة معه.

وعودا إلى موضوعنا أسأل: أي شخصية يتصف بها الأولاد الذين ينشؤون في أسرة كهذه مفككة العرى معدومة الأمن خالية من المودة والرحمة؟ وكيف السبيل إلى الكف عن طرح قضايا المرأة إذا كانت سعادتها وراحتها واستقرارها النفسي تنعكس على أولادها وبالتالي على المجتمع كله والأمة بأسرها؟!

الوطن السعودية 11/9/2003

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |