|
في الوقت الذي تُقرع الأجراس منذِرةً بخطر الدعوات لتحرير المرأة العربية على
الطريقة الغربية إن لم يتم تحريرها وفق الشريعة الإسلامية السمحاء, فإن
"النّعاميين" لا يصرون على دفن رؤوسهم في الرمال فقط، بل يوجّهون أصابع الاتهام
للنذير المخلص، وكأنه العدوّ المتربص؛ ومعلوم أن النعامة الساذجة لا ترى الصياد وهي
لذلك تظن أنه لا يراها, كما أنها تتحرك بردّ الفعل فما إن يقترب منها أحد ولو كان
مسالماً حتى تتخيله مهاجماً, فترفسه رفسةً تحسبها مميتةً له ولكنها في الحقيقة لن
تجني شيئاً إلا كسر ساقها النحيلة!
من هنا أدرك سبب الغثيان الروحي والاشمئزاز النفسي
الذي يصيبني كلما قرأت لأحد هؤلاء المتشبثين بعفونة
التقاليد البالية ناسبين إياها للإسلام, ولكن هذا
الشعور يصل لحده الأعظمي عندما تكون هذه المقولات
صادرةً عن نساء يُفترض فيهن العمل لدينهن لا الإساءة
له، ويُؤمل منهن القيام بدور إيجابي لتحسين أوضاع
المرأة لا الانتظار السلبي حتى يأتي التغيير من
الخارج. وبما أن إحدى الأزمات المستفحلة لمجتمعاتنا
العربية هي عدم التفريق بين الأشخاص والأفكار فلا أحبذ
ذكر أسماء بعينها بل أفضّل نقد الأفكار، إذ ليس لي
رغبة شخصية في التشنيع على أحد, إنما غايتي أن أردّ
الأمور إلى مواضعها فأبرّئ ديني من التخلف, وإن أنسَ
لا أنسى ما قاله بعض المستشرقين الحاقدين:«حيثما
وُجد الإسلام وُجد التخلف»
ولا ما ورد عن بعض الغربيين الذين أسلموا ثم لما رأوا
حال المسلمين حمدوا الله أنهم عرفوا الإسلام قبل أن
يعرفوا المسلمين!
اعترضت إحدى بطلات ساحات الإنترنت على مطالبة عدد من
النساء بالوزارة والسفارة وعضوية مجلس الشورى ثم قالت:«إن
تولي المرأة الولاية العامة مع الكفر منكر على منكر
ومع الإسلام أشد منكراً»؛
ولم أفهم كيف أدخلت الكاتبة هذه المهام ضمن ما يسمى
الولاية العامة, ولم أسمع ولم أقرأ ولم أشاهد أي امرأة
سعودية تطالب بالولاية العامة، رغم كل متابعاتي
الحثيثة لما يحدث, لأن الولاية العامة يُقصد بها رئاسة
الدولة أو إمامة الأمة وهي المخصوصة بالحديث:«لم
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»،
ولا يقصد بها وزارة أو سفارة أو عضوية مجلس الشورى
فهذه الوظائف مسكوت عنها، والأصل في الأشياء كلها
الإباحة. ولذا أكتب متسائلة: كيف يمكن أن أناقش من
تقول:«أنا
متأكدة بأني سأنتصر في
النهاية ليس ثقةً وغروراً بل ثقة في مصدر حججي» مع أنها لا تعرف المعنى المقصود بالولاية العامة وتخلط بينها وبين
أمور أقل منها شأناً؟!
تقول:
«إننا نرى أن القرآن حثّ النساء على القرار في البيت وعدم الاختلاط
بالرجال، ومهما حاولنا أن نخدع أنفسنا فإننا لا يمكننا
أن ننخدع بالواقع الذي سيفرض علينا عندما تنخرط المرأة
في العمل السياسي، فلابد من الاختلاط، وخصوصاً أنه
يلزم عمليات الترشيح اجتماعات وسفر وإعداد ودعاية
ومقابلات وكل هذا من شأنه أن يؤدي إلى سقوط الحشمة».
وهنا سأضطر إلى أن أعيد شيئاً مما كتبت سابقاً, فقد
بينت أن القرار في البيوت أمر خاص بنساء النبي رضوان
الله عليهنّ، لأنهنّ أمهات المؤمنين، وليس بينهن وبين
المؤمنين ما بين الأم وولدها من فطرة البنوّة والأمومة
فوجب عليهن الاحتجاب الكامل والقرار في البيوت كي لا
يرغب بهن الرجال, والآيتان واضحتان أنهما موجهتان
لنساء النبي، فأولاهما تبدأ بما يلي:}يا
نساء النبي لستن كأحد من النساء{,
والأخرى تنتهي بما يلي:}وما
كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من
بعده أبداً{,
وأما من ترغب في التشبه بنساء النبي فليس لها أن تفرض
ذلك على غيرها فتحرم مجتمعاً بأكمله من عقول المتفوقات
من النساء إن لم نقل أغلب النساء. ومن هنا يُردّ على
سؤالها عن نساء النبي:«لماذا
لم يتم تكريمهن من قبل الخلفاء الراشدين بعد وفاته صلى
الله عليه وسلم؟ ولماذا لم يتم توليهن أي ولاية عامة
ولو على الأقل كعضوة في مجلس الشورى على الرغم من
مكانتهن وفضلهن وعلمهن؟»؛
فالجواب ببساطة: لأن هذه الأمور تتعارض مع الاحتجاب
الكامل المفروض عليهن وغير المفروض على عامة المؤمنات.
ثم من قال لها: إنّ الاختلاط يؤدي إلى
سقوط الحشمة؟ ولماذا يحدث الاختلاط – ولو أني لا أحب
هذه التسمية وأفضل عليها كلمة "المشاركة"– في
المستشفيات والمستوصفات دون أن تسقط الحشمة عن النساء؟
ولماذا لا نعوّد المرأة أن لكل مقام مقالاً؟ المرأة في
أسرتها هي زوجة لزوجها وأم لأولادها, وفي العمل هي
إنسان يؤدي واجبه كالرجل, أما في الشارع والسوق فهي
المتسربلة بالحياء دون أن يعني ذلك التصاق ثوبها
بالجدار -كما أفادنا قارئنا المتابع في صفحة نقاشات-
ولقد قاربتُ بنفسي اشتراك النساء والرجال في مجتمعات
إسلامية مصغرة, فالنساء محتشمات والرجال يغضون من
البصر ومكان العمل يعد حرماً آمناً بحيث يمنع الرجل
نفسه من التفكير بزميلته إلا كمحرم لها, فلم أر شيئاً
من المحاذير لأن المشاركة بين الجنسين تمت بضوابطها
المشروعة؛ وأؤكد على دور التربية إذ ما زلت أذكر كلمات
والدي أن الفتاة إذا سارت في الشارع فيجب أن تنظر
أمامها ولا تلتفت دون داعٍ, وقد يمر أخي بجانبي في
الطريق فلا أعرفه من غيره بسبب تمسكي بهذه الوصية,
فلماذا لم تسقط الحشمة عني مع أني أخالط الرجال في
دراستي وعملي منذ ربع قرن تقريباً؟!
تستشهد الكاتبة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم
يولّ امرأة, والرد عليها بأن الرسول حرر المرأة من
جاهلية كانت تئد الفتاة حيةً في عصر كان الغرب فيه
يتساءل عن المرأة: هل هي مخلوق بروح أم من غير روح,
فهل تريدنا أن نُبقي على وأد الفتاة العربية, وإن كان
بطريقة مختلفة عن الجاهلية, في زمن وصلت المرأة
الغربية فيه إلى المريخ وزحل؟! أم ترى الكاتبة لم تسمع
بكارولين بوركو المشرفة على إدارة وتوجيه كاميرات
السفينة كاسيني حيث تقوم كارولين لوحدها بمعالجة
مجموعات من 500 ألف صورة لكوكب زحل وحلقاته وأقماره؟
ما دامت تعترف بنصاعة دور المرأة في تاريخنا فتقول:«ليعلم
الجميع إن تاريخنا الإسلامي يزخر بأسماء لامعة لنسوة
مثقفات وكاتبات وشاعرات وعالمات وفقيهات ومحدثات يفقن
الرجال» فلماذا تعود فتتراجع وتبين أن المرأة
ناقصة عقل، لذلك لا يجوز لها أن تتسلم أي منصب؟ ما
دامت بعض النساء يفقن الرجال على حد قولها ومنهن
الفقيهات والعالمات فما المانع إذن أن تستشار المرأة؟
يقول الدكتور البوطي في كتابه الخاص بالمرأة حول
اشتراكها في مجلس الشورى:
«اعتماداً
على الأدلة الثابتة من عمل رسول الله عليه الصلاة
والسلام وعمل صحابته فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن
الشورى تلتقي مع الفتوى في مناط واحد, فكل من جاز له
أن يفتي ممن توافرت له شرائط الفتوى جاز له أن يشير,
وجاز للإمام والقاضي أن يستشيره ويأخذ برأيه»
ويكمل:«غير
أن هذا الحكم الواضح اتسم بقدر من الاضطراب بسبب ما
كتبه بعض الفقهاء المعاصرين مثل أبي الأعلى المودودي
من أن الذكورة شرط من شروط الأهلية لمجلس الشورى
مخالفاً بذلك الهدي النبوي وعمل الصحابة واتفاق جمهور
الفقهاء واستدل على اجتهاده المخالف بأن المستشار
يمارس بشوراه نوعاً من القوامة. ولكننا نتساءل في عجب:
ما علاقة الشورى بالقوامة؟ وما هو وجه اللزوم بينهما؟
إن من آداب القاضي أن يستشير حتى من هو دونه في
المعرفة واتساع العلم وعمق النظر لأن المشورة لا تعدو
أن تكون مظهراً من أبرز مظاهر التعاون للوصول إلى
معرفة الحق والتواصي به, والمسلمون والمسلمات كلهم
شركاء في تحمل هذه المسؤولية التي هي سياسية في مظهرها
ولكنها كثيراً ما تكون دينيةً واجتماعيةً واقتصاديةً
في مضمونها».
ثم يبين الدكتور البوطي أن المرأة التي تكون أهلاً من
حيث الاختصاص للوزارة وهي على استعداد لأن تضبط نفسها
وسلوكها بالضوابط الدينية فلا يمنع الشرع من ممارستها
للوزارة, ونفس الفتوى أدلى بها الدكتور القرضاوي بل
شجع على ترشيح المرأة نفسها في مجلس الشعب المصري، وقد
رأينا كيف تم ترشيح جيهان الحلفاوي عن التيار
الإسلامي؛ وأما القضاء فقد أجاز أبو حنيفة للمرأة
القضاء المدني دون الجنايات بينما ذهب ابن حزم وابن
جرير الطبري إلى جواز إسناد القضاء إلى المرأة مطلقاً.
لتدعم حجتها أتت الكاتبة بمثال عن بلقيس ملكة سبأ
فقالت:«إن
الهدهد استنكر على سبأ وجود امرأة تحكم قومها ثم إن
الملك سليمان لم يقرها على ملكها حتى لو أسلمت لذلك
دعاها أن تأتي بنفسها ونقل عرشها إليه لينهي هذا
المنكر العظيم»؛
والسؤال: كيف استنطقت الكاتبة الآيات بما لم يَرِد
فيها؟ لم يستنكر الهدهد وجود امرأة تحكم قومها بل
استنكر عليهم سجودهم للشمس, ولم يدعُها سليمان أن تأتي
هي وقومها لأنه لم يقرّها على ملكها بل استدعاها لأنه
لم يقرّها على وثنيتها. يبين لنا القرآن رشد ملكة سبأ
وقوة عقلها ففي الوقت الذي شجعها قومها على الحرب آثرت
هي حقن الدماء, ويوضح لنا تواضعها فعندما سُئلت:}أهكذا
عرشك, قالت: كأنه هو{[النمل27/42]
ولم تقل: أنا متأكدة أنه عرشي، كما فعلت الكاتبة في
بداية رسالتها من ثقتها اللامحدودة بالنصر المبين على
المخالفين, وليتها قرأت ما كتبه الدكتور محمد عمارة عن
الفرق بين رئاسة بلقيس لقومها، وكيف كانت ديموقراطية
فاستشارتهم, وبين فرعون الديكتاتوري القائل:}ما
أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد{[غافر40/29],
وهكذا يظهر لنا أن الكاتبة حادت عن الحق مرتين هنا
فتنكبت طريق التواضع الذي سلكته بلقيس أولاً، وآثرت
طريق فرعون بأنها الراشدة الوحيدة في البلد ثانياً إذ
كتبت:(أنا واحدة ولكني
مستعدة أن أناظر كل نساء ورجال هذا البلد في هذا
الشأن), فهلا نظرت – قبل أن تناظر- في كتب
العلماء المعتدلين لعلها تعلم أين المنكر العظيم!
الوطن السعودية
10/7/2004 |