|
يكتب لي كثير من الأخوات رسائل تعبر عن ملامسة مقالاتي
– خاصة عن المرأة - لأوتار قلوبهن ويشكرنني لوصفي
معاناتهن وشعوري بهمومهن, وهو أمر يسعدني ولا شك, لكن
الرسالة التي بعثتها لي القارئة شروق الهديان كانت
مختلفة, فبقدر ما سرّني وعي كاتبتها بقدر ما أحزنني
مضمونها, فقد أرسلت لي ما أسمته بحثاً بعنوان (مهزلة
الساعة 12) والغريب أنه ممهور بختم جامعة سعودية هي
نفسها الجامعة التي كانت سبب عناء شروق وزميلاتها,
وهنا أهم ما جاء في البحث:
المقدمة: قرار سندريلا الظهيرة: لا خروج للطالبات قبل
الساعة 12 ظهراً إلا بعذر مقبول.
الموضوع: وسنة مضت, فصلين دراسيين ونحن نشعر بالحنق
على ذلك القرار -ولا نزال- ولا أحد يهتم بذلك الحنق.
نثور – كما اعتدنا – بهدوءٍ عنيف بيننا, وبالطبع لا
صدى لثورتنا ولا رد على استفسارات بعضنا الخجولة ولا
على شكوى بقيتنا الشجاعة, فلا مجلس طلابيّ نشكو له ولا
مسئول يرى ما هو أبعد من مقعده لنلجأ إليه. بعد أن تطأ
رجلا الطالبة أرض الجامعة لن تستطيع الخروج منها قبل
الثانية عشرة ظهراً حتى وإن انتهت محاضراتها قبل ذلك
الوقت، فتبقى بالجامعة حتى صلاة الظهر، وعندها يأتي
الحارس ليقفل باب الجامعة على جميع من فيها. في فترة
صلاة الظهر نتكدس أمام الباب انتظاراً لساعة الفرج
ووقت الانطلاق. بعد صلاة الظهر تُدار المفاتيح في
الأقفال، لنسمع الصرير الذي يصبح في تلك اللحظة من
أجمل الأصوات في مسامعنا. يسمح لنا بالخروج لنتزاحم
ونتدافع من ذلك الباب الضيّق والذي يزعمون بأنه
بوابة! أيُّ صرح ٍتربوي ٍهذا الذي نُسجَن فيه وكأننا
بنات في مصحةٍ اجتماعية تنقص الأخلاق جميـع أفرادها؟!
وأيُّ صرح ٍتربويٍ هذا الذي نُحتَجز فيـه لتُنتزع صفة
الإنسانية منّا فنخرج من باب ضيق متدافعات هائجات
حينما تدق الساعة اثنتا عشرة دقة؟! وأيُّ صرح تربوي
هذا الذي نُحبَس فيـه لندرك بأن كل ما درسناه في هذه
الجامعة من مناهج في التربية وطرق في التعامل ما هي
إلا مواد مجردة, علينا أن ندرسها لنجتازها فقط؟! أيها
المهتمون: أين اهتمامكم بالجانب التربوي؟! ألستم
تقولون أن التربية أهم من التعليم؟! أما كان من الأجدر
والأرقى أن تقرَّر مادة تناقش أوجه الخطأ, فيما قد
تقوم به بعض الفتيات, تحت إشراف مختصين اجتماعيين وفتح
باب الحوار معنا لنناقش همومنا التي نشعر بها بسبب
تراكمات اجتماعية معينة فتُنار بصائرنا وتُغرس القناعة
والرضا في نفوسنا بدلاً من قمعنا بشــكلٍ مُخزي
مُشكِّك؟! أما كان من الأجدر والأرقى أن تقام محاضرات
دينية دورية تناقش بعضاً مما تدّعون أنكم تخشون أن نقع
فيه؟! إلى متى ستظل دائرة الشك تحوم حول كل ما هو
مؤنث؟! إلى متى سيفترض فينا الوقوع بالمحاذير لا
تجنبها؟!
استبيان آراء الطالبات حول القرار: طالبت إحداهن
بإلغاء هذا القرار واعتماد نظام البطاقة الجامعية,
بينما أوضحت أخرى أن بطاقات الخروج لا فائدة منها إذ
لا ينظر إليها غالباً، ولا تتم المطابقة بين معلوماتها
ومعلومات بطاقة السائق. ثالثة رأت أن الطالبة الجامعية
يجب أن لا تُلزم بحضور محاضرة معينة أو الخروج في وقت
محدد فقد وصلت إلى مستوى من النضج بحيث تتحمل قدراً من
مسؤولية اتخاذ قراراتها, وينبغي أن لا يتدخل مطلقاً
بوقت خروجها أو جدولها أو مواعيد محاضراتها. ذكرت
طالبة رابعة أن تجمعات الطالبات في الجامعة والشللية
تسبب مضرة للطالبة أكثر مما قد يحدث عند خروجها. خامسة
بينت أنه إهدار لوقت الطالبة بدل استغلاله في المذاكرة
أو مساعدة الوالدة أو رعاية الأطفال. سجلت شروق رأيها:
أشعر بأنه قرارٌ ينتقصنا.. يقمعنا..يشكك في أخلاقياتنا
لينتزع حرياتنا بعد ذلك.. ويوماً بعد يوم يزداد
إدراكنا إدراكاً بأن الحرية تختص بالرجال فقط!!
الخاتمة: رجاء حار إلى المسؤولين: نرجوكم.. ناقشونا
كما لا تفعلون دوماً! نرجوكم .. مارسوا معنا سياسة
الإقناع كما تمارسون معنا سياسة القمع واللامناقشة!
نرجوكم .. لا توصدوا الأقفال بالمفاتيح.. عليكم
بالعقول الموصدة.... فافتحوها!
انتهى ملخص بحث شروق التي تخرجت منذ عامين فهل ما زال
ذلك القرار ماضٍ في تلك الجامعة؟ وهل مشكلتها
وزميلاتها مقتصرة على جامعتها أي هل هو قرار فردي من
مسؤول الجامعة؟ هل تُحكم الجامعات بمزاج شخصي أم أنها
تتبع قرارات عامة صادرة عن وزارة التعليم العالي؟!
لا أدري حقيقة ماذا أقول.. رسالة شروق كانت صادمة لي
وليعذرني القارئ الكريم فأنا عشت حياتي باستقلال تام
منذ انتسابي للجامعة, وقد ضمن الإسلام للمرأة حق
الكرامة والحرية وأنها كاملة الأهلية كالرجل, فلماذا
تعامل الفتاة أحياناً كما كانت تعامل الظعينة في
الجاهلية؟ هذا إذا أحسنا الظن بذلك القرار وأنه وُضع
لحماية الفتاة ولم يوضع بسبب سوء الظن بالفتاة!
انطلاقا من حسن الظن تداعت إلى ذاكرتي قصة تراثية كانت
في معرض الاعتداد بالشجاعة العربية في الجاهلية, فهي
قصة فتى كان يقود ظعائن في صحراء إلى مضارب قبيلته,
وكلما صادفه قاطعُ طريقٍ قاتلَ دون النساء وكلما جندل
أحدَهم بسيفه أنشد شعراً مميزاً, وهكذا حتى أوصل
الظعائن إلى مأواهن وفارق الحياة نتيجة جروحه التي
أنهكته والتي أصيب بها نتيجة دفاعه عن العرض بينما كل
"ظعينة" آمنة في هودجها ولم تفكر أي واحدة منهن أن
تستل سيفاً لتشارك الفتى الدفاع عن نفسها أو عن
صويحباتها. هذه القصة مقبولة في سياقها التاريخي حيث
أن اشتراك المرأة في القتال كان أمراً مستنكراً في
الجاهلية, أما عندما جاء الإسلام فإنه أسس نظرة جديدة
إلى مسؤولية المرأة عن نفسها وعرضها ودينها ومجتمعها,
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبناء المجتمع
السليم مسؤوليتها كالرجل بدليل قوله تعالى:(والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض, يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر) والجهاد فرضٌ عليها إذا ما هوجم بلدها ففي
جهاد الدفع يجب عليها الخروج دون إذن ولي أمرها أو
زوجها, وللدكتور يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي
فتوى نشرها موقع إسلام أون لاين أنّ من تموت وهي تدفع
الاعتداء الجسدي عن نفسها أو عن عرضها فهي شهيدة؛ فهل
تربيتنا لبناتنا متفقة مع تعاليم الإسلام أم أن هناك
خللاً ما؟
وصلني على بريدي الالكتروني خبر ورد في صحيفة محلية عن
قيام شابين بمحاولة الاعتداء على امرأة كانت تنتظر
زوجها داخل السيارة أمام مطعم, ونجم عن الاعتداء سرقة
هاتفها الجوال ذي الكاميرا ودخولها في نوبة بكاء حادة,
وتضمن تعليق المرسل تحذيراً من تكرر المحاولة مع امرأة
أخرى, لكنه أغفل السؤال الأهم: هل يمكن أن تكون المرأة
سلبية إلى هذه الدرجة لو لم تكن التربية قد برمجتها
على هذا النحو؟! الخبر يدل على أن المرأة لم تكن تسير
في الشارع لنقول أنه حادث نشل, بل يشير إلى اعتداء كان
يمكن صدّه لو امتلكت تلك المرأة شيئاً من الشجاعة,
فلماذا لم تدرَّب هذه المرأة على الدفاع عن نفسها
لتكون كصفية بنت عبد المطلب التي رأت يهوديا يطوف بحصن
النساء في غزوة الأحزاب فطلبت من حسان بن ثابت أن
يقتله لكن حسان جَبُنَ عن ذلك, فما كان من صفية إلا أن
نزلت وضربت اليهودي بعمود في يدها فأردته قتيلا؟
هذا مثال على التغيير النفسي والاجتماعي والتربوي
والثقافي الذي أحدثه الإسلام على مستوى القاعدة, لكنه
لم يكن ليتمّ لولا ترافقه بأوامر من جهة القيادة,
وكثيرة هي الأمثلة الدالة على منح الرسول عليه الصلاة
والسلام كقائد ديني وسياسي الفتاةَ ثقتها بنفسها وعلى
الأمر بإشراكها أسرياً واجتماعياً, فقد جاءت فتاة إلى
رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إن
أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته - أي دَينا كان
لعمها على والدها- فقال عليه الصلاة والسلام: لو شئت
أبطلت نكاحك, فقالت: قد رضيت ما فعل أبي ولكن لتعلم
النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. فهذا مثال على
تدخل القضاء لصالح المرأة وحقها في اختيار شريك
حياتها, أما المثال الآخر فهو إصرار الرسول عليه
الصلاة والسلام على اشتراك النساء في صلاة العيد بما
فيهن ذوات الخدور, وهن الفتيات اللواتي كان العرف
الجاهلي يمنعهن من مغادرة البيوت, فقد روى البخاري عن
أم عطية أنها قالت: قال رسول الله: تخرج العواتق وذوات
الخدور... قلت: يا رسول الله أعلى إحدانا بأس إذا لم
يكن لها جلباب ألا تخرج؟ قال: لتلبسها صاحبتها من
جلبابها.
هنا أسأل: هل يتحقق حلم الدكتورة حياة سندي؟ هذه
المرأة التي أبدعت ورفعت رأس المملكة عالياً حين نجحت
في مجال علم التقنية الحيوية بمساهمتها في جامعة
كامبردج البريطانية في اختراع مجس للموجات الصوتية
والمغناطيسية عام 1999 وهي تعمل حاليا على تطوير مجس
يستخدم لكشف سرطان الثدي في مراحله المبكرة, ويستعمل
في مجال البيئة للتخلص من المواد السامة. في لقاء
أجرته معها صحيفة الشرق الأوسط قالت إنها تطمح لأن
تكون أول وزيرة للعلوم في السعودية, وذكرت أنها كانت
السعودية الأولى التي دخلت الجامعة البريطانية, وهي لا
تزال محجبة بعد مرور 12 سنة على وجودها في بريطانيا
رغم أن الدكتور ستيف هوكينز عالم الرياضيات المشهور
تنبأ بفشلها في دراستها للعلوم قائلا:(سأنتظر ثلاثة
أشهر حتى يصبح مظهرك مثل مظهرنا وتنصهري بيننا أو
تفشلي لأن العلم لا يقبل الدين). بعد رؤيتي لصورتها
وخمارها يزيّن رأسها وابتسامتها تجمّل وجهها أرشح حياة
سندي لتتوَّج أول ملكة جمال للسعودية, وذلك لأننا نريد
فتياتنا أن يكنّ بهذا الوعي ونريد أن يحمل جمال الفتاة
العربية مواصفات من هذه النوعية!
الوطن السعودية 3/7/2004 |