|
ككاتبةٍ يسعدني تواصل القراء معي, فقد امتلأ بريدي
الالكتروني برسائل تحمل تعقيبات على مقالتي الأخيرة
(دموع المرأة بين الواقع والإنترنت) وغالبية الرسائل
مؤيدة بفضل الله. لم أعتد أن أذكر أسماء القراء في
مقالاتي, ليس إنكاراً لهم بل حرصاً مني عليهم أن لا
يُنسبوا لي فينالهم مكروه بسببي, فمن الطبيعي أن يكون
هناك من يخالفني في الرأي أو من يشتدّ علي في الهجوم,
فلا أودّ أن يكون جزاء القارئ المؤيد لأفكاري أيّ لوم
أو عتب من أحد. لكن اليوم سأخالف عادتي بعد أن اتصلت
بالسيد حسام أندجاني المدير المالي للشركة الوطنية
للخدمات الجوية "ناس" لأستأذنه في ذكر اسمه في مقالتي
حيث استأثرت رسالته باهتمامي لأنها طرحت إشكالاً لا
يمسّه وحده فقط, بل إن نبرة الصدق في الرسالة تبدي أنه
همّ عام ومؤرق, وهنا أهم ما جاء فيها:(حضرت
خطبة الجمعة للأسبوع اللاحق لمقالتك الشهيرة "إلى متى
التشدد في قضايا المرأة"، وقد فوجئت بالخطيب المفوه
يربط تلك المقالة بالتشبه بالكفار الذين يطالبون بحقوق
المرأة ويساوون بين الرجل والمرأة. الغريب أنه بعد هذا
الربط العجيب، وجدته يتطرق إلى موضوع قريب من موضوعك
الأخير، ألا وهو تربية الأجيال الجديدة من البنات..
شيء أشبه بالعجب ما يملكه هذا الفكر المتطرف! يقول
الخطيب ما معناه أننا يجب أن نحافظ على بناتنا من
الخروج إلى بيوت صديقاتهن إلا بمحرم، والتأكد من أنهن
يذهبن إلى البيوت التي استأذنّ إليها، ويجب إبعاد
الهواتف عنهن، الثابت منه والمحمول، حتى أنه حذر هؤلاء
الذين يحملون الهواتف المحمولة ويضعونها أينما شاؤوا
في بيوتهم من مغبة تركها، وأن البنات قد يستعملنها وهو
لا يدري. وقد حملتني هذه الخطبة على التفكير، أليس هذا
هو نفسه أسلوب الجاهلية في التربية؟ أنربي بناتنا على
الشك فيهن وأنهن أرضية خصبة لكل بلاء ؟ أليس من هذا
الفكر ينتج الفكر المتطرف؟ أليس هذا نتاج ذلك المنهج
الذي يدرس في الصف الثاني الثانوي من أن المرأة كائن
ضعيف فإذا تركت دون توجيه وأخذ على يدها فسدت وأفسدت؟
هل فعلا يدرّس مثل هذا الفكر للبنات في مدارسنا؟ ما هو
أثره في نفسية بناتنا وكيف تقبلّهن له؟ كيف سوف أتقبل
مثل هذا المنهج ليدرس لابنتي علماً بأن عمرها ثلاث
سنوات حاليا؟ تذكرت هذه الخطبة وجميع تلك الأسئلة وأنا
أطلع على مقالتك في جريدة الوطن، ولست أدري فعلا, هل
سوف يأتي وقت أرى مستقبلا أفضل لابنتي أم أنها ستعامل
كبنات الطالبان؟)
يجب أن أذكر أني لا أضع هذه الرسالة هنا لأقول أن كل خطباء المساجد من
هذه العيّنة بل ينبغي أن أغتنم فرصة ذكري للقراء
والمتابعين لكتاباتي لأشكر الشيخ عاصم الحكيم خطيب
جامع حي الطيارين بجدة الذي كتب لي منذ مدة يخالفني في
بعض الآراء, ولكن الروح المهذبة التي سرت في أوصال
رسالته جعلتني أتصل به هاتفياً لأشكره, وأسعدني أن
يختم حديثه معي بدعائه: غفر الله لك, فدعوت الله له أن
يكثر من أمثاله ولو خالفوني في الرأي. كان مما تعرضنا
له في حديثنا تربية الفتاة فحدثني الشيخ عن معاملته
الجيدة لبناته وثقته بهن دون أن يكون ذلك مخلاً
بحيائهن وأدبهن؛ لذلك لا أخفي القراء الفكرة التي تلحّ
علي ألا وهي إجراء ندوة للحوار بين ذاك الخطيب وأمثاله
من جهة والشيخ عاصم ومؤيديه من جهة أخرى, لأني أجد من
ضمن الأولويات في الحوارات الوطنية أمران: توفير وقت
المشاركين وحفظ مال الدولة, ولا يكون ذلك إلا عبر
تحاور كل ألوان الطيف للتيار المحافظ وكذلك كل أطوال
الموجات للتيار الإصلاحي على حدة قبل البدء بأي حوار
وطني, وعندما يحدّد الإصلاحيون مطالبهم ويتفق
المحافظون على توصياتهم, يمكن أن يلتقوا ضمن مؤتمر
حوار وطني يسع الجميع, أما أن يلتقي أقصى اليمين مع
أقصى اليسار, فأخشى ما أخشاه أنه سيوصل لمقولة:
"الحوار للحوار" وذلك على منوال الفن للفن أي دون غاية
أو هدف!
لألملمْ أطراف المقالة الآن ولأحبكها في جسد واحد ألا وهو كيفية تربية
البنات على الإيمان بالله أولاً والثقة بأنفسهن
ثانياً, وبهذا الأسلوب فقط نضمن تحريراً للمرأة وفق
مفاهيم الإسلام الخالدة, وهو ما يتفق عليه – في
اعتقادي - المحافظون والإصلاحيون, فالنموذج الغربي في
تحرير المرأة مرفوض ليس لأنه لا يناسب ثقافتنا
وعاداتنا وتقاليدنا فحسب, بل لأنه لا يناسب فطرة
المرأة عموماً إذ ليس ثمة ثوب تتزين به الأنثى أجمل من
الحياء, وليس من مهمة مقدسة للمرأة أروع من الأمومة؛
لكن هذا الكلام ليس مبرراً لنقرن خروجها من بيتها
بتخليها عن حيائها وواجبها تجاه أطفالها, ولنطالب
بالتالي بحبسها في بيتها وبعدم تعليمها ورفض مشاركتها
ببناء مجتمعها, وهذا ما كتبت عنه أكثر من مقال؛ وبما
أني لا أحبّ التكرار وأريد أن أُطمئن السيد أندجاني أن
مخاوفه من دولة طالبان تتبعثر هباءً إذا عرف كيف يربي
ابنته, فلأحدثه والقراء عن لقائي بفتيات بعمر الورد في
معسكر صيفي برعاية السيدة الفاضلة الدكتورة فاطمة نصيف
من خلال محاضرتين في الأسبوع الماضي عهدت إلي بهما
مجموعة إثراء للتنمية البشرية, وكانت المحاضرة الأولى
بعنوان "أجمل فتاة" بينما كانت الثانية بعنوان "عن
الحب أتحدث" وإذا كان من أمر يشغل الفتاة في سن
المراهقة فهو الجمال والحب, لكن كيف نوصل أرقى المعاني
في الجمال وأسمى المفاهيم في الحب للفتيات؟
لأتحدثْ هنا عن المحاضرة الأولى ولأدع الحديث عن الأخرى لمقالة تالية,
فقد كان دافعي لإلقاء محاضرتي عن الجمال هو الرقم
المخيف الذي تنفقه المرأة السعودية سنوياً على العطور
وأدوات الزينة والذي يبلغ سبعة مليارات ريال بينما
يبلغ ما تنفقه المرأة الخليجية على جمالها سبعة
مليارات دولار, وهي أرقام خيالية فالرقم سبعة -ريالا
كان أم دولارا- سيكون مضافا إليه تسعة أصفار!
لا شك أنها ميزانية دولة بحالها, فواعجبي للذين يأنفون أن تخرج المرأة
لتشارك في بناء مجتمعها بحجة أنهم يخافون تغريب المرأة
في الوقت الذي لا يهمهم كثيراً وقف هذا الطوفان الناجم
عن تغريب المرأة! والسؤال المطروح هنا: متى كانت
المرأة العربية بحاجة إلى مليارات الريالات أو
الدولارات لتتزين لزوجها وهي التي قال عنها منذ ثلاثين
سنة الممثل العالمي المعروف أنتوني كوين: سحرني جمال
الشرق وعيون بناته؟ أليس لأن هذا الزوج لم تعد ترضيه
أي امرأة بعد رؤيته لجواري الإعلانات وإماء الفيديو
كليب ونانسي وأليسا وروبي؟ إذن لماذا يضعون كل المشكلة
في المرأة وينسون دور الرجل؟ لا شك أننا جميعا متفقون
أن المرأة إذا صلحت صلح المجتمع كله وإذا فسدت فسد
المجتمع كله, لكن هل نتفق على السبب؟ السبب برأيي أن
المرأة هي التي تربي المجتمع كله بنسائه ورجاله, فهل
نقبل بعد هذا أن تكون من ستقوم بهذه المهمة العظيمة
امرأة مهمّشة معدومة الخبرة مختلة النفس؟ من هنا أدرك
لماذا كان السيد أندجاني يطرح أسئلته بصدق وحزن
فالخطيب يدعو علناً إلى عدم الثقة بالفتيات مما جعل
صورة الجاهلية تتداعى إلى مخيلة السامع, ولذلك لست
مخطئةً عندما أقول أن الإسلام منع وأد الفتاة, ولكن ما
زالت بيئات وعائلات تئد بناتها بطريقة أو بأخرى!
شرحت للفتيات في المحاضرة أن الجمال ليس بالشكل بقدر
ما هو بالمضمون, وحلّقت معهن إلى آفاق جمال العلاقة مع
النفس وإشراقات جمال العلاقة مع الآخرين, فجمال
العلاقة مع النفس ينبع من ثلاثة أمور: الوعي الذاتي
والقدرة على التطور أولاً, والمبدأ والهدف ثانياً,
وبناء الشخصية الكاملة ثالثاً. وعندما تكلمت عن الوعي
الذاتي أضفت له الوعي بالمجتمع وطلبت من الفتيات كي
يكن جميلات حقاً أن يستعملن نعم الله في حواسهن وخاصة
أبصارهن وأسماعهن لتكون كرادارات تلتقط كل الإشارات
الحادثة في المجتمع فتحللها كأسباب وتبحث عن نتائجها
وما يمكن أن ينتج عن النتائج, ووجهت لهن السؤال: ما هو
أهم ما يجب أن ننتبه له الآن في مجتمعنا؟ وجاء الجواب
على لسان فتاة ذكية: الإرهاب. انتقلت إلى المبدأ
وسألتني فتاة لا تتجاوز الرابعة عشر ربيعاً: ماذا تعني
كلمة المبدأ؟ قرّبت لها الكلمة بلفظة "المنطلقات",
وسألتها ممّ تنطلق في تعاملها مع نفسها وغيرها؟
استغرقت الفتاة في التفكير فأجابت من هي أكبر منها
سناً أنه دين الإسلام, ومن اقتناعنا بديننا وأنه الدين
الصالح لكل زمان ومكان ذكرت لهن كيف نتعامل مع أهل
الأديان الأخرى واطمأننت أن باب الولاء والبراء حذف من
منهاجهن, وعندما انتهينا من المبدأ والهدف تابعت
محاضرتي ببناء الشخصية وأول بند هنا كان الثقة بالنفس
مستشهدة بالآية الكريمة:(من كان يريد العزة فلله العزة
جميعاً)؛ ثم انتقلت إلى جمال العلاقة مع الآخرين, وكان
من ضمن الأفكار التي أوردتها فكرة التسامح وعدم التخلي
عن الصديقة لمجرد خطئها وذكرت الآية الكريمة:(ادفع
بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
حميم) ولم تمض دقائق إلا والمشرفة تقترب مني لتخبرني
أن إحدى الفتيات تأثرت بكلامي عن التسامح وشعرت بأنها
أخطأت مع صديقة لها وتريد أن تعتذر لها أمام الجميع,
فرحبت بالفكرة وراقبنا جميعاً الموقف المؤثر للفتاتين
وهما تتعانقان, فإذا الفتاة المعتذرة هي ذات الفتاة
التي سألت عن معنى كلمة المبدأ. في اليوم التالي حملت
معي قصصاً وبعض كتبي هديةً للفتيات اللواتي شاركن بكل
ثقة في الإجابة على أسئلتي التي كنت أوجهها لهن, وكان
نصيب تلك الفتاة قصةً عن الشجاعة ليس لأنها أظهرت ثقةً
بالنفس وشجاعةً في الاعتذار علناً فقط بل لأنها آمنت
بالمبدأ وانطلقت منه بعد أن استوعبت أنه ما يرفعك
لتحيا من أجله بفخر كما أنه ما يدفعك لتموت في سبيله
ببسالة!
الوطن السعودية 26/6/2004 |