|
عندما كتبت في مقالتي (عالم بلا نساء) بعض العبارات التي دلّت على مدى تأثري بالظلم
الواقع على المرأة ظن بعض القراء أني كنت مستثارة, فقد كتبت وقتها:( أنا ثائرة وأنا
أكتب..أبكي وأنا أكتب), وعذرت هؤلاء الإخوة الذين اعتقدوا أن بكائي يشير إلى ضعفي,
والحقيقة أن البكاء في مواقف كهذه يدلّ على مدى الصدق في التأثر، وليس على الضعف
وأنه هو سبب التأثر؛ ومن هنا أستطيع أن أتفهم لماذا بكت الدكتورة وفاء الرشيد في
مؤتمر الحوار الوطني الأخير, فلم يكن بكاؤها ضعفاً، بل كان ذروة القوة, لأنه كان
تحريكاً لصمّ المشاعر وبُكْمها, فهل تعرفون ماذا يعني أن تبكي امرأة مثل وفاء
الرشيد؟
أنا لا أعرفها شخصياً لكني أعتقد أنها امرأة صلبة,
ودليل ذلك هذا المركز الذي تتبوأه كمديرة لمكتب الأمم
المتحدة الإنمائي في الرياض, هذا من جهة, ومن جهة أخرى
فإن الأسلوب يدل على الشخصية ولم أقرأ لأي سيدة عربية
مقالات متماسكة وبأسلوب موضوعي مثل مقالات وفاء
الرشيد, وهنا أغتنمها فرصة لأعلن عن اشتياقي لقلمها في
صحيفة الوطن, وحاجة المرأة السعودية لكاتبة رشيدة
مثلها, فمن ذا الذي يشعر بالمرأة أكثر من المرأة؟ ومن
ذا الذي يعبر عن معاناة المرأة سوى امرأة مثلها؟
ذكرت وفاء سبب بكائها فقالت:
«حين
تذكرت ما يحدث في وطني من إجرام وإرهاب... لا يدفعه
إلا هذا الفكر الذي يظن
أنه، وحده، من يمتلك الحقيقة الكاملة، وأن على من
لا يأخذ بتلك الحقيقة المطلقة، أن
يُقصى، أو يهان، أو يموت»
وهو قول غير اعتذاري, فموقفها ليس بحاجة إلى تبرير بل
هو يستحق التقدير؛ ومع ذلك يمكن للمرء أن يعذر الشيخ
محمد العريفي ما دام أعقل الناس أعذرهم للناس, فالشيخ
العريفي رجل صبوح الوجه رشيق العبارة نقي الثوب طاهر
الأردان, لكن يبدو أن هذا الجمال الذي يغمره من كل
النواحي يحجبه عن الإحساس بأي قبح في الواقع, وكأنه
يعيش في عصر الفتوحات الإسلامية الزاهية, وقد سمعت
أكثر من شريط تسجيل له حوى من القصص والأشعار ما يأخذ
بالألباب, مثل قصة شيخ المجاهدين، والمرأة التي قصّت
جديلتها, وأعطتها لابنها الفتى الذي ذهب للجهاد- ولا
أذكر السبب هل هو كي يتذكرها أم لأنها لم تجد شيئاً
تربط به الزاد بالفرس سوى الجديلة!- ولعلها أعطتها شيخ
المجاهدين كي يريها لابنها إذا خطر له الفرار من
المعركة, وفي اليوم التالي رأى شيخ المجاهدين الفتى
يبتسم وهو نائم كالطفل, فلما سأله عن سبب تبسمه أخبره
أنه رأى في حلمه "المحظية" من الحور العين, وفي اليوم
التالي يستشهد الفتى ويعود شيخ المجاهدين يسأل عن
المرأة ويخبرها بمقتل ابنها؛ والقصة من أولها إلى
آخرها حكاية سردية ممتعة فكيف إذا سمعناها بالصوت
المميز للشيخ العريفي الذي لا شك كان يرويها ليحبّب
الشباب في الجهاد والاستشهاد؟ ومَن منّا لا يحب رائحة
الجنة وقصص البطولات فكيف إذا كان المستمع غضّ الإهاب
طريّ العود عديم الخبرات؟ وكيف إذا كان ضمن القصة
جديلة وحور عين؟! لكن المشكلة أننا لم نعد في عصر
الفتوحات الإسلامية المكينة, والمشكلة الأكبر أن
حالتنا لم تعد تحتمل سلباً للألباب أكثر مما سُلب منا
فقد ماهت – أي تحولت إلى ماء- عقولنا على أكفّنا لكثرة
ما قلبناها ودعكناها من شدة الحيرة كي نجد مخرجاً من
الأزمات التي تحيط بنا ولا مخرج لنا, فهل من سبيل أن
تعود عقولنا إلى رؤوسنا أيها الشيخ الفاضل؟
رحم الله الفضيل بن عياض الذي ذكر أن
العمل كي يكون مقبولاً عند الله يجب أن يكون صواباً من
ناحية وخالصاً لله من ناحية أخرى وقرأ آخر سورة الكهف:} فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل
عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا{[الكهف18/110]؛
وإذا كنا لا نشك بإخلاص الشيخ العريفي قدر أنملة لكن
هذا لا يمنعنا من القول: إنّ الحكمة لم تعد تقضي
بتشنيف آذان الشباب بأحاديث الجهاد حتى لو كانت
حقيقيةً وليست من وحي الخيال, لأن السؤال الذي يتبادر
إلى الذهن: أي جهاد تُضخّ معانيه في عروق الشاب وأركان
الجهاد غائبة؟ كما يَرد سؤال آخر بالمناسبة: أي
دكتوراة عن الطهارة أو الرد على المبتدعة نُزَيِّنُ
بها أسماءنا بدل أن تكون الدكتوراة في الرد على رسالة
الجهاد للعلياني وفتاوى التترس للشعيبي؟ هل من دكتوراة
تحوي دراسة مقارنة لحقوق الإنسان بين القانون الدولي
والإسلام ممهورة بختم جامعة سعودية كي لا يهرف أعداء
الإسلام بما لا يعرفون؟ هل من أطروحة شرعية عن حقوق
المرأة كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية؟ لا
يسعني هنا إلا أن أوجه شكري للقائمين على جائزة سمو
الأمير نايف بن عبد العزيز وله شخصياً لتخصيص الجائزة
المقبلة لأفضل بحث عن حقوق المرأة في السنة النبوية,
ولكن لماذا لا تعتني كليات الدراسات الشرعية بهذه
المواضيع أيضاً؟ ينبغي أن تستفيد أبحاث الدكتوراة مما
يجري في كل مؤتمر حوار وطني, وإلا فإن هذا الحوار
فعلاً لن يكون إلا كما قال الدكتور غازي القصيبي: إنّه
حوار لتعليم الحوار!
وهنا أيضا أحيي الأخ الشجاع عبد الله
آل سدران الذي تساءل عن سبب فصل النساء عن الرجال وهو
ما لم يكن موجوداً في العهد النبوي, فقد دار بخلدي نفس
السؤال عندما دعيت لحضور دورة تدريبية في التطوير
الذاتي عبر مجموعة إثراء للتنمية البشرية, إذ شاركت في
تلك الدورة من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة، وكلما
احتجت أن أستفسر عن أمر من المحاضر أضطر لرفع سماعة
الهاتف مما جعلني أشعر بالحرج، لأن رنين الهاتف مزعج
للمحاضر والمتلقي, لذلك ينبغي أن أذكّر بالحكمة من
احتشام المرأة، وأنه كي يَنظر إليها المجتمع على أنها
إنسان، وليس على أنها أنثى ففي الحجاب تختفي المثيرات
عن أعين الرجال, وقد بينت في مقالتي:( أيهما أحق أن
يُتّبع: التقليد أم الشرع) أن الاحتجاب الكامل فرض على
نساء النبي لأنهن أمهات المؤمنين وممنوعات من الزواج
بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام؛ وأنا شخصياً حضرت
مؤتمرات طبية وندوات علمية من شرق المملكة إلى غربها
فلم أعهد إلا النساء يشاركن الرجال نفس القاعة سواء
كان الرجال في الأمام والنساء في الخلف أو الرجال في
جهة اليمين والنساء في جهة اليسار مثلاً, وحينما تكون
القاعة ضيقة فقد كنا نجلس كيفما اتفق - دون إخلال
بالحياء أو الفطرة السليمة - إذ ليس من المعقول أن
أحداً يتجشم عناء الحضور ليستمع إلى محاضرة علمية أو
يشارك في حوار وطني، ثم يكون همه النظر إلى النساء،
وخاصة إذا كن ملتزمات بستر المفاتن كالشعر والنحر,
وأما الوجه فهو مجمع المحاسن للرجل والمرأة على
السواء, والأمر بغضّ البصر ورد للرجال كما ورد للنساء,
وللمصداقية أقول: إنّي كنت أظن الفصل هو الأصل وأن
غطاء الوجه هو الأصح لولا قراءتي لموسوعة تحرير المرأة
في عصر الرسالة التي استغرق مؤلفها الأستاذ عبد الحليم
أبو شقة في إعدادها خمسة عشر عاماً على الرغم من أنها
ليست أكثر من ستة كتب, لأنه حرص أن يستقي أفكار
الموسوعة من الشرع الصحيح، وأن يقتبس شواهدها كلها من
القرآن والسنة الصحيحة, ولذلك أضم صوتي لصوت الدكتور
وليد أحمد فتيحي في تقديره لجهود الأستاذ أبو شقة كما
ذكر في محاضرته في المؤتمر (النساء شقائق الرجال), كما
أشكره على اختياره هذه العبارة لتدلّل على أهمية
المحاضرة، مما يجعلنا نأمل أن تُعمَّم أفكار الدكتور
فتيحي وأمثاله في كل المجتمع السعودي وبجميع الوسائل
الممكنة، وخاصة في مناهج التعليم التي يجب تنقيحها
فعلاً من الأفكار الشاذة والضارة فقد كان من ضمن
الأمور التي لفتت صحيفة الوطن الانتباه إليها في
تغطيتها الممتازة لفعاليات المؤتمر مداخلة الإعلامي
يحيى الأمير
«الذي
ذكر عبارة موجودة في منهج "الحديث والثقافة الإسلامية"
للصف الثاني الثانوي، وتتحدث عن طرائق التعامل مع
المرأة وتطالب بـ"الغيرة عليها والأخذ على يدها
وصيانتها". وذكر الأمير ما جاء في شرح العبارة، ضمن
المنهج نفسه: "المرأة كائن ضعيف فإذا تركت دون توجيه
وأخذ على يدها فسدت وأفسدت". وتساءل الأمير: كيف يسمح
المنهج بأن ينظر الابن إلى نسائنا على أنهن
مشروعات لفاسدات ومفسدات
وقال: هو حكم مطلق خطير جداً، فكم من شابة أثبتت
استقامة أكثر من الشاب. وفي نظري فإن هذا الشرح يغيّب
تلك الحقيقة، ويحول الجنس إلى اعتباره مقياساً
للأهلية، وهذا غير ما يراد للمناهج، وليس أصلاً في
نيّات علمائنا».
بقي أن أقول: إنّ ما يشغلني حالياً هو دراسة أعدّها
كقراءة تحليلية في مشاكل حوّاء السعودية, وأمامي
لإنجازها مائة مشكلة مختارة كعينة عشوائية من مشاكل
وصلت موقع إسلام أون لاين على الإنترنت من فتيات ونساء
سعوديات, ولا يعني صدور المشاكل عن المجتمع السعودي أن
المجتمعات العربية الأخرى خالية من المشاكل، بل كلنا
في الهم شرق, ولولا زيادة مشكلة التحرش الجنسي في مصر
إلى حد ملفت لما قام موقع إسلام أون لاين بتخصيص خدمة
خاصة لهذه المشكلة, ولذا فإن قبولي بالمهمة نابع من
اقتناعي بأن هذه الدراسة ضرورية ومفيدة, وأرجو أن
أتمكن من نشرها كاملة بشكل ورقي, وليس فقط على
الإنترنت, لما فيها من الفائدة. والمشاكل التي أقرؤها
كلها دموع وآهات وأنين, لكن شتان بين دموع ودموع,
وشتان بين دموع المرأة «على» أو «من» زوج أو ابن أو
حبيب, وبين دموع وفاء الرشيد التي كتبت في رسالتها
القصيرة التي أرسلتها إلى الهاتف المحمول للشيخ
العريفي أن أكثر ما يشغل تفكيرها هو ابنها, وأجزم أنها
كانت تعني بابنها وطنها, وهل الوطن إلا الأب والابن
وكل العشيرة؟!
الوطن السعودية
19/6/2004 |