الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) تحرير المرأة .. مصطلح غامض أم مفهوم غائب؟
 
 
 

مؤسف وضع المرأة في بلادنا العربية, فهي واقعة بين مطرقة التغريب وسندان التقليد، ويبدو أن الأمل في قدرتها على الفكاك من هذه الثنائية المهلكة ليس أكبر من الأمل بالتغيير في مجتمعاتنا, ونحن إذ ننادي بالتغيير فهذا لأنه سنة الحياة, فالحياة ليست جامدةً ولا متوقفةً عند لحظات تاريخية بعينها، أو عند أشخاص مهما كان وزنهم, ومن الأفضل لنا أن نرتقي عربة التغيير بوعي وإدراك من أن نُجبر على الركوب فيها بآليات غريبة عنا أو أن نتغافل عنها لتسحقنا عجلاتها دون رحمة!

لا نستغرب إذن أن يلاقي مصطلح "تحرير المرأة" كل هذا الهجوم, لأن النموذج الذي يسبق إلى الأذهان هو النموذج الغربي, لكن ماذا عن النموذج الإسلامي؟ وإذا كان الإسلام هو الثوب السابغ للفطرة الإنسانية إذ يلبي أشواق الإنسان الروحية دون أن ينكر عليه حاجاته المادية وإذ يتسم بالأبعاد الواقعية والمقاصدية للحلول التي يطرحها فحيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله, فلماذا تقاوم جماعة منا الاجتهاد في استنباط هذه الحلول وكأنه لا مشاكل لدينا؟!

أجرت إحدى القنوات الفضائية حواراً مع أحد المنتسبين للعلم الشرعي حول تحرير المرأة, وكان برنامجاً من أثقل البرامج على النفس, فآليات الحوار غائبة وكأن الضيف أعدّ محاضرةً وأراد أن يلقيها على المشاهدين, لدرجة أنه انزعج من المشاركات مع أنها كلّها مؤيدة لآرائه, فلا يوجد بين المتصلين معارض واحد مما يثير الشكّ في مصداقية تلك القناة, ولم تكن أقواله ذات علاقة مباشرة بتحرير المرأة، بل كانت مقارنةً للأفكار الغربية مع ماذا؟ لا أدري!! لأنه لم يعجبه مصطلح الفكر الإسلامي!! والسؤال: إذا لم نقابل الفكر بفكر, فبماذا نقابله؟ والسؤال الآخر: إلى متى نتبّع المزدوَجة إما ... أو؟ إما أن نبقى متزمتين في قضايا المرأة أو أن المرأة سيجذبها الطرف الآخر الغربي له؟ نعم .. للأسف..  المرأة ليست أكثر من لعبة في وسط الحبل, وما يقوم به الطرفان: المتفلّت والمتشدّد ليس أكثر من ردود فعل!

اقتصرت "محاضرة" الضيف على رفض أي دعوة لنقد التراث, مع أن القديم لولا انتهاء صلاحيته لا يُنبذ والجديد لولا الحاجة إليه لا يُؤخذ, ولذلك يجب التأكيد على معنى التراث, فإذا قُصد به الإرث الشامل لكل قديم بما فيه المقدس أي القرآن الكريم والسنة الصحيحة فمن حقنا عدم قبول هذا الفهم والنظر إليه على أنه دعوة مغرضة لا تجعلنا نفقد هويتنا وأصالتنا وديننا فحسب بل تُحوّلنا إلى فئران تجارب، إذا لم يكن إلى أسوأ منهم، حيث إنه سيفرض علينا إعادة تجارب الآخرين الخاطئة ونحن في غنى عن خبرة حمقاء كهذه, لكن إذا أكّدنا أن كلمة التراث تشمل البشري فقط فهنا يجب أن نكون أول من يدعو لتقليب هذا التراث فنأخذ منه ما يتماشى مع مصلحة الأمة والمجتمع؛ وإذا علمنا أن رسولنا عليه الصلاة والسلام وخلفاءه الراشدين من بعده استفادوا من تجارب الأقوام الأخرى فلا معنى لورعنا المزيّف وعدم اقتدائنا بهم, وبذلك نرفع عن التراث البشري قدسيته المزعومة فلا نقتبس منه إلا ما كان مناسباً لزمننا كما ننفض عن عقولنا غبار الوهن فلا نقبل من تجارب الأمم الأخرى إلا ما كان متناغماً مع ثوابتنا الحقيقية, وهكذا فقط نمنع أنفسنا من الوقوع بين فكيّ الاستلاب للتاريخ والاستلاب للآخر, ونحمي في الوقت ذاته أنفسنا من الغرق في خضمّ سؤال: أين الإسلام الذي نتباهى بأنه صالح لكل زمان ومكان؟

إن التراث حافل بالغث والسمين, وفي قضايا المرأة بالذات لعبت عدة عوامل دوراً كبيراً في تكريس النظرة الدونية للمرأة, ومن تلك العوامل تسرّب تعاليم بعض الديانات السابقة سماوية وغيرها كنظرة اليهودية إلى حواء وأنها سبب الخطيئة الأولى وخروج آدم من الجنة, كذلك دخول قبائل وشعوب في الإسلام دون أن تغير عاداتها الجاهلية التي تمارسها تجاه المرأة, إضافةً إلى استغلال قاعدة "سد الذرائع" لفرض أمزجة معينة وجعلها قوانين عامة تقيّد حركة المرأة وتكبّل تقدم المجتمع.

لذا فإن من أهم الأمور التي يجب معالجتها بفقه مقاصديّ جديد وخطاب إسلاميّ رشيد قضايا خروج المرأة للعمل ومشاركتها الاجتماعية والسياسية, ونحن إذ ندعو لتمكين المرأة، فذلك كي تساهم في تنمية مجتمعها وزيادة خبراتها، وليس كي تنحشر بين أمومتها الفطرية والضرورات الاقتصادية, فيهمّنا ألا نكرر أخطاء الآخرين, وقد باتت متلازمة المرأة المستعجلة hurried woman syndrome تشكل هاجساً للمجتمعات الغربية وهي المرأة التي تعمل لساعات طويلة يُفصل أطفالها عنها ويُحرم جسدها من أخذ القسط الكافي من الراحة؛ لذلك في الوقت نفسه الذي يتم التأكيد على حق المجتمع في عمل المرأة كما في المقال الهام لسعادة وكيل وزارة العمل السيد عبد الواحد الحميد بمجلة المعرفة لعدد حزيران/يونية 2004, لا ننسى أن من حق المرأة الحصول على عمل يتناسب مع بنيتها الجسدية أولاً، ويتلاءم مع مقدراتها وكفاءاتها ثانياً، ويراعي ظروفها زوجةً وأماً ثالثاً, ولعل في قرارات مجلس الوزراء الأخيرة بشأن المرأة تحقيقاً لحلم ظل يراود النساء طويلاً, وما نرجوه أن توضع موضع التطبيق في أقرب فرصة ممكنة, وأملنا بالأخوات وافدات النساء إلى مؤتمر الحوار الوطني الحالي أن يطالبن بحقوق المرأة كما بيّنها الشرع الحكيم إذ هي مساوية للرجل في الحقوق والواجبات وليس – للأسف- كما كتب أحد أدعياء العلم الشرعي بأن المرأة تابعة للرجل، وأن الرجال مفضلون على النساء في الدنيا والآخرة: في الدنيا بالإرث والشهادة والقوامة وتعدد الزوجات والطلاق وفي الآخرة بالحور العين! فحسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الفهم السقيم, كم هو مشوّه للدين! وكم يساهم في إساءة ظن المرأة بدين الإسلام العظيم! إن الإسلام هو دين العدل, والمساواة في الإسلام هي العدل, فلا يمكن للأب أن يساوي بين ابنه الكبير والصغير فيبحث للطفل عن زوجة بينما يجلس البالغ في حضنه مثلاً, وكذلك في موضوع الرجل والمرأة ففي مقابل الإرث المضاعف والقوامة تكون المسؤولية والإنفاق أي كما تقول القاعدة الفقهية: الغُنم بالغُرم؛ والشهادة تتبع علاقة الشاهد بالواقعة وعدله وضبطه وليس جنسه أو لونه فشهادة المرأة في أمور الحمل والولادة والرضاعة تعادل شهادة رجلين؛ وتعدد الزوجات لا يدل على أفضلية الرجل، بل يدل على تهذيب المرأة أي على إخلاصها أكثر من الرجل بحكم الفطرة المبثوثة في كل منهما, إضافة إلى أنه يلبي حاجات المجتمع من حيث ازدياد عدد النساء على الرجال بسبب الحروب مثلاً, عدا أن شرطه العدل فإنْ فُقِد هذا الشرط فالأصل الالتزام بواحدة؛ وفي مقابل حق الطلاق للرجل يوجد حق الخلع للمرأة، وكذلك حقها أن تكون العصمة بيدها إذا شاءت، وحقها أن تشترط أي شرط عند عقد الزواج بما فيه عدم الزواج عليها, والمؤمنون عند شروطهم. أما الحور العين في الآخرة فما أدرانا ما هو حظ المرأة بالمقابل؟ يذكر الدكتور البوطي أنه قد يكون للنساء حور عين من الرجال ولكن بما أن المرأة أكثر حياءً من الرجل فلم يَعِدْها القرآن بما وعد به الرجل, وأنا وإن كنت لا أتفق مع هذا الرأي لأنه ليس ملائما لفطرة المرأة التي تقضي أن تكون لرجل واحد فقط, لكن ما أدرانا بماذا يعوّض الله المرأة عن هذا النقص؟ ألا يكفي أن الرجل أو المرأة في الجنة لندرك أنهم}رضي الله عنهم ورضوا عنه{[البيّنة98/8] أي كلٌ سيرضى بمجرد دخوله الجنة,  فكيف يُفهم من هذا الأمر أنه تفضيل للرجل على المرأة؟!

بدل أن نحرِّم مصطلح تحرير المرأة يجب تحرير المفهوم بأنه إثبات مكانة المرأة وتأكيد حقوقها, لكن السؤال الذي يطلّ برأسه هنا دون خجل ومواربة: من الذي يضمن للمرأة حقوقها إذا أنكرها عليها أحد أفراد الأسرة؟ كم من الفتيات يخجلن بالمطالبة بإرثهن أو بحقهن في اختيار أزواجهن, وكم من النساء اللواتي يقعن ضحية للطلاق التعسفي أو لزواج متعدد جائر أو لتعنت الزوج في معاملتهن بالضرب أو بالاستيلاء على أموالهن؟! ألسنا بحاجة لتربية جديدة للفتاة والفتى بأنهما متساويان في الإنسانية ومن ثمّ في الحقوق والواجبات؟ ألسنا في حاجة لثقافة جديدة تبطل مفعول عادات بائدة بأن صوت المرأة عورة وظلها عورة؟ لاحظوا أني لم أذكر أن وجهها عورة وكفيها عورة لكني أطرح سؤالي السابق: (إذا كان الوجه عورة فلماذا يُستر في الحل ويُكشف في الإحرام؟) بصيغة أخرى بعد إذ ظن بعض الإخوة أنه أجابني بأن النقاب ممنوع لكن غطاء الوجه أو الإسدال واجب, فأقول: الحديث«لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين» يوضّح أن حكم الوجه والكفين واحد, فإذا كان كفّا المرأة عورة في الحل فلماذا يمنع لبس القفازين في الإحرام؟!

لا داعي أن يقدح أي أحد زناد فكره لإيجاد الجواب, فليست المسألة أن تكشف المرأة عن وجهها بقدر ما هو التأكيد على الحديث الشريف أن دم المؤمن- رجل الأمن في الظروف الحالية- عند الله أغلى من الكعبة, وليس وجه المرأة أغلى من الكعبة، وليس من الثوابت على أية حال!

الوطن السعودية 12/6/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |