الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) إلى متى التشدد في قضايا المرأة؟
 
 
 

 

ليس ثمة موضوع يثير الاهتمام كقضايا المرأة, ولقد لاقت مقالتي (أيهما أحق أن يتبع: التقليد أم الشرع؟) إعجاباً لدى كثيرين, وكانت رسالة الأستاذ خالد المعينا رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز موضع فخر واعتزاز لي وأجد من واجبي شكره علناً على ما جاء فيها كقوله:(سأترجم مقالتك إلى الإنكليزية وسأضعها في موقع عرب نيوز على الشبكة ليقرأها الملايين ويعلموا أن لدينا نساء مثلك في عالمنا المسلم), وكذلك أشكر الأستاذ رائد قستي رئيس مكتب الصحيفة في الرياض الذي أيدني في رسالته قائلاً:(إذا أردنا أن نتقدم حقّاً فيجب أن نحرّر أنفسنا من قيود التقاليد خاصةً تلك التي لا تتفق وديننا العظيم). وفي اتصال هاتفي بالأستاذ رائد أعلمني بمقالته التي شكرني فيها وأورد فيها كثيراً مما جاء في مقالتي وشواهد أخرى هامة مثل شكوى إحدى الأمريكيات المسلمات التي أتت إلى مكة فلما وقفت أمام الكعبة مبهورة بالجلال والجمال جاء أحد المتزمتين ليخرجها من حالتها الروحية الفريدة بضربها بالعصا على ظهرها طالباً منها أن تغطّي وجهها رغم أنها معتمرة, وانزعاج بعض البريطانيين المسلمين من تشدد بعض الدعاة في الغرب بمنع المرأة التي تكشف وجهها من حضور مواعظهم مما يؤدي إلى نفورها من الدين كلياً.

وعوداً إلى نفس الموضوع فإن الأصل في الأمور الإباحة حتى يرد تحريم من الشارع, وقد ذكر الأستاذ عبد الحليم أبو شقة في موسوعته (تحرير المرأة في عصر الرسالة) قرائن على إباحة كشف وجه المرأة في الإسلام منها إن وجوب ستر الوجه لم يرد فيه نص صريح من القرآن ولا بيان واضح من السُّنة اللهم إلا لنساء النبي إذا خرجن لحاجة, ومنها إن وجوب ستر الوجه لو صحّ لانتشر ولأصبح مما يعلم من الدين بالضرورة, وأرجع أبو شقة الروايات القائلة بستر الوجه إلى عدة عوامل منها: احتجاب نساء النبي إذ لم يُدرَك خصوصيته بهن فقيل بوجوب الاحتجاب مثلهن, وكذلك وجود النقاب في بعض القبائل قبل الإسلام, إضافة إلى أن وفود أخلاط إلى المدينة بعد الفتوح الإسلامية أدى إلى زيادة عدد المنتقبات لتجنب نظرات الغرباء من مبدأ سد الذرائع؛ وكلنا يعلم حكاية الشاعر عمر بن أبي ربيعة الذي كان يحلو له الحج ليرى وجوه النساء المحرمات, وهنا السؤال الذي لم- ولن- يجبني إليه أحد: إذا كان الوجه عورة فلماذا يجب ستره في الحلّ وكشفه في الإحرام؟! والأهم أن كشف الوجه يعين في تعرّف الناس على شخصيات مخاطبيهم وعلى تحقيق الأمن الاجتماعي, ولولا ما يحدث من تخفي الإرهابيين خلف العباءة وغطاء الوجه لما بينتُ حكم الشرع ولقلت أنه العرف في هذه البلاد, لكن لما كانت هذه الثلة المجرمة تستغل الأعراف وجب أن نؤكد على أن هذه الأعراف ليست شرعاً ولا مانع – إن لم يكن واجباً من مبدأ سد الذرائع أيضاً- من الرجوع إلى الشرع لحسم هذه القضية؛كذلك فإن كشف الوجه يساعد على تحقيق الرقابة الاجتماعية - والمسانِدة للرقابة الذاتية - التي يعمل لها الفرد حساباً ويخاف على سمعته فتحميه من السقوط في أي ضعف, فإذا كانت المرأة كاشفةً وجهها فإنها تحذر أن يراها أخ أو قريب أو حتى غريب - لأنه يمكن أن يدلّ عليها- أما إذا كانت مستورة الوجه فقد تطرق مواطن الريبة دون حذر لأنه لن يتعرف عليها أحد؛ إضافة إلى أن كشف الوجه يعين على تعارف ذوي الأرحام وتواصلهم, ولقد سمعت من كثيرين أنهم كانوا يلتقون مع قريباتهم في جو عائلي يسوده الحياء والمودة أما بعد التشدد الذي ساد في المجتمع فقد انقطعت أواصر القربى بينهم, كذلك فإن كشف الوجه يعين على تخفيف حدة الفتنة فلا يخفى على متبصّر ما يحدث من تفحيطات مجنونة ومعاكسات غير مأمونة بسبب الفصل الكامل بين الجنسين, مما لم يكن موجودا في العهد النبوي فكثير من الأحاديث الواردة في الصحيحين فيها صفات وجوه النساء (سفعاء الخدين, امرأة موشومة اليدين بيضاء, امرأة سوداء.. إلخ)

أتوقف فيما تبقى مع رسالة القارئ في صفحة نقاشات والذي أصر على وجوب ستر الوجه مستشهداً بقول ابن حجر وغيره, فأذكّر بدايةً بقول مالك بن أنس:(كلّ يؤخذ من كلامه ويردّ إلا صاحب هذا القبر) يقصد الرسول عليه الصلاة والسلام, وقول الأخ القارئ عن ابن عباس بأنه فسر:(ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) بأن أظهر عيناً واحدةً, هو غير مقبول لأن معناه أن المرأة ستمشي ولن تستفيد من يديها إلا بضمّ غطاء رأسها من فوق ومن تحت, والصحيح الذي ورد عن ابن عباس بأن ما ظهر منها هو الكحل والخاتم, أي مواضعهما, وهما الوجه والكفان, لكن المتشددين في حجاب المرأة فهموا أن موضع الكحل هو العينان فشرعوا النقاب, ولكنهم نسوا أن يخترعوا قفازات بثقوب للخواتم! وأما قول الأخ أن الرسول كان يأمر الصحابة فيطيعوا, فهو صحيح فيما يخص دينهم وآخرتهم وليس فيما يخص دنياهم وهو القائل:(أنتم أعلم بأمور دنياكم) وهو الذي شفع لمغيث عند بريرة بعد طلاقها فلم تستجب له؛ وما أورده الأخ عن عصمة الرسول عليه الصلاة والسلام صحيح أيضاً لكنْ هل النساء اللواتي كان الرسول يلقاهن معصومات؟ عدا أني استشهدت بأفعال الصحابة رضوان الله عليهم من اللقاء بالنساء, ويبدو أن الأخ الكريم أرادنا أن نتخيل زمنين مختلفين: زمن تلتقي فيه النساء بالرجال, وزمن اختفى فيه هذا اللقاء أو أصبح من وراء حجاب, والسؤال هنا: إذا كانت كل أحكام التحريم نزلت تدريجية سواء كان شرب الخمر أو الزنا أو غيرهما من الأفعال ذات الطابع الاجتماعي, فلماذا افتقد تحريم لقاء النساء بالرجال هذا التدرج؟! والجواب لأن هذا التحريم ليس موجوداً أصلاً فقد استمر لقاء الرجال بالنساء بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بدليل دخول أبي بكر على زينب بنت المهاجر التي سألته عن دوام هذا الأمر الصالح وكانت تقصد الإسلام, وعيادته لأم عمارة بعد أن قطعت يدها في معركة اليمامة, وهنا سؤالي للأخ القارئ: كيف قطعت يد أم عمارة في المعركة إذا كانت تقف خلف الجيش كما ذكر لنا في اعتراضه بقوله أن النساء كن يحرصن على الحشمة والستر ويقفن خلف الصفوف, فعن أي شيء يتكلم الأخ العزيز؟ الموقف موقف جهاد والرؤوس تطيح والدماء تسيل والمرأة تنقذ أخاها الرجل ثم يقول حشمة وستر؟! هذا قول أنس الوارد في البخاري:( لما كان يوم أُحُد... ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما – أي خلاخلهما- تنقزان القرب – أي تنقلانها وثباً- على متونهما تفرغانه في أفواه القوم). هذا في الجهاد أما في الأمور العامة فقد استمرت المرأة فعالة نشيطة – ومحتشمة- ليس في كل مجالات الحياة الاجتماعية بل والسياسية أيضاً, والشاهد ما ذُكر في سيرة عمر رضي الله عنه أنه خرج من المسجد مع أحد الصحابة, فإذا امرأة على ظهر الطريق فسلم عليها عمر فردت السلام ثم قالت: هيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عُميراً في سوق عكاظ تصارع الصبيان, فلم تذهب الأيام حتى سميت عمراً, ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية واعلم أن من خشي الموت خشي الفوت, فبكى عمر, فقال لها صاحبه: هيه لقد اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته, فقال عمر: دعها, أما تعرف هذه؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه, فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها. والسؤال: كيف عرف عمر خولة إذا كانت غير كاشفة لوجهها؟ وما استدل به القارئ على تغطية الوجه من الحديث الذي استعظمت فيه الأم نظر الخاطب لابنتها, فسبب استعظامها أن نظر الخاطب سيكون تأملاً في محاسنها أي بحثاً عن أنوثتها وليس كالنظر العادي الذي تحدثنا عنه سابقاً وأنه النظر دون حملقة أو شهوة؛ وأما تفسير القارئ لحديث سبيعة بنت الحارث بأنها تجملت للخطاب فقط بدليل أنها وضعت ثيابها عليها عندما خرجت, فلماذا لا نفسر تصرف سبيعة بأنها خشيت أن يكون أبو السنابل محقاً بأن عدتها لم تنتهي فتأخرت حتى حلّ الظلام كي لا يراها أحد وذهبت إلى الرسول لتسأله؟ على كل حال فإن القرآن وهو المصدر الأول للتشريع يحلّ لنا هذا الإشكال فقد قال تعالى في سورة البقرة الآية234 في معرض ذكر الأرامل:(فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) وفي الآية 240: (فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف) فما هو هذا المعروف الذي ستفعله المرأة بنفسها؟ الآية مفسَّرة ومع ذلك هذا ما ذُكر في تفسير الجلالين للسيوطي:(أي فيما فعلن في أنفسهن من التزين والتعرض للخطاب) وكلمة التعرض لا تعني قلة الحياء إنما تعني أن الإسلام دين الفطرة لا دين الرهبانية.

ختاماً أسأل هؤلاء الإخوة المتشددين في قضايا المرأة: ما المقصود بقول الله تعالى (ولا تغلوا في دينكم)؟ وما هو الغلوّ إن لم يكن بسجن المرأة في البيت؟! أو بالسماح بخروجها للضرورة مع تفسير الزينة والتجمل بأنها التسربل بزي معين! أو أن تظهر عيناً واحدة! أي عاقل يصدّق أن أم عمارة كانت تقاتل المرتدين وهي لا تظهر إلا عيناً واحدة؟!

الوطن السعودية 23/5/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |