الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) أيهما أحق أن يتبع: التقليد أم الشرع؟
 
 
 

 

في مؤتمره الصحفي الذي عقده في جدة, أعلن وزير الخارجية سموّ الأمير سعود الفيصل أسماء الذين يقفون وراء العملية الإرهابية التي وقعت في ينبع, وهذا يشير إلى مدى تأثير الإرهاب الفكري على سلوك بعض الأشخاص المهووسين بالقتل. كانت الدلالة الرائعة للمؤتمر واضحة من خلال حرص سموّ الأمير على العدل بين الصحفيين والصحفيات في طرح الأسئلة, كما كان لجلوس الصحفيات والصحفيين في نفس القاعة عظيم الأثر في رفع شأن المرأة والنظر إليها من حيث هي إنسان لها نفس الواجبات وعليها نفس المسؤوليات, وليس من حيث هي أنثى فقط ينظر لها على أنها عورة وفتنة ولا مكان لها إلا البيت.

كان السؤال الأخير لإحدى الصحفيات هاماً جداً, واعتذر سمو الأمير عن الإجابة لأنها تتعلق بوزارة الداخلية وأجهزة الأمن أكثر, فقد كان السؤال عن الخطوات التي يمكن أن تُتّخذ نتيجة ما يفعله الإرهابيون من انتهازهم لأعراف المجتمع المحافظ إذ يتخفّون بملابس النساء السوداء، وهذا السؤال يذكّر بما يفعله بعض المواطنين من استغلال لهذا الزيّ حيث يستفيد بعض المتزوجين من أجنبيات والذين لم يحصلوا على تراخيص زواج، فيختم جواز أخته أو أمه بالخروج دون أن تكون مغادرةً ثم يعود بزوجته الأجنبية فيدخلها إلى البلد بصورة شرعية، كذلك تخفّي بعض الوافدين المخالفين بهذا الزيّ, إضافة إلى أن بعض الشباب المستهترين يدخلون الأسواق النسائية باللباس الأسود ويراقبون الفتيات والنساء اللواتي تتيح لهنّ هذه الأسواق التخفّف من ثيابهن.

ماذا بعدُ؟ أليس واجباً على كل حريص على دينه ومجتمعه أن يبيّن حكم الشرع الحقيقي في لباس المرأة وحجابها؟ وهل يعني حجابها حجبها عن المشاركة الاجتماعية؟ وإلى متى يبقى نصف المجتمع معطّلا طاقته بحجة دعاوى ليس لها أساس من الصحة؟ أؤكد هنا مرة أخرى على أن جهاد المرأة الأول هو بيتها وأولادها, لكن حديثي عن تلك التي تستطيع التوفيق بين عملها وبيتها, وقد رأيت أمثلةً حيةً في نماذج نسائية سعودية مشرّفة كان آخرها البارحة وهي تلك الممرضة التي لا ألتقي بها إلا مرةً في العام حين يجمعني وإياها تدريب مشترك يضم جميع المستشفيات الحكومية في المدينة التي نقطنها, فقد أسرعتْ إلي بوجهها المشرق دوماً بابتسامة وعانقتني, وما إن ابتدرتها ضاحكةً بعبارة: زوروني كل سنة مرة, حتى قالت بلهجة محببة: لكنها آخر مرة! وأخبرتني أنها بلغت الستين من العمر وقد آن أوان التقاعد. كان عودها مستقيماً ووجهها خالياً من التغضنات مما منحني بصيصاً من التفاؤل ودفعني لسؤالها عن مخطّطها بعد التقاعد فأخبرتني أنها اتفقت مع جمعية خيرية على العمل فيها مجاناً سواء كممرضة أو كأخصائية اجتماعية فهي تحمل شهادةً في التمريض وأخرى في العمل الاجتماعي, وقد أنهت حياتها العائلية ولا بدّ أن تفيد المجتمع من إمكانياتها المميزة وعطائها المتدفق. لم تكن تلك السيدة تغطي وجهها, وحتى لا يقال هنا إني أدعو إلى الاختلاط والانقطاع عن الحجاب, فأرجو العودة إلى مقالتي (ثقافة العري وثقافة الحياء) التي أكّدت فيها على وجوب ستر المفاتن الأنثوية، ولقد قرأت رأي الدكتور صالح الحصين في صحيفة الشرق الأوسط بأن المملكة لا تجبر الوافدة على لبس العباءة والدليل واضح في الحج إذ ترتدي كل امرأة زيّها المتعارف عليه في بلدها, وتمنيت عندها لو أن الدكتور الحصين يوجّه بعض النصائح للإخوة المتمترسين حول الكعبة والذين لا عمل لهم إلا الطلب من المرأة المحرمة تغطية وجهها, مع أن الأمر بالكشف واضح كما في البخاري:(لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).

عليّ أن أعرض أيضا بعض الشواهد الأخرى من البخاري ومسلم والتي تدلّ على ما لا يعتبر من الخلوة المحرمة إذ يخرج منها الخلوة في حضرة الناس أي التي لا يخلو الرجل فيها بالمرأة بحيث يحتجب شخصاهما عن الناس وإنما بحيث لا يسمعون كلامهما كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره على الملأ, وقد ورد عن أنس أنه جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي عليه الصلاة والسلام فخلا بها فقال:(والله إنكم لأحبّ الناس إلي)، وأيضاً خلوة الرجلين والثلاثة بالمرأة لحديث:(لا يدخلنّ رجل بعد يومي هذا على مغيَّبة- أي التي غاب عنها زوجها- إلا ومعه رجل أو اثنان). وكان هذا الحديث بمناسبة شكوى أبي بكر الصديق من زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنهما إذ دخل عليها فوجد عندها رجلاً وأخبر النبي بذلك وأنه لا يخوّن زوجته لكن الأمر لم يَرُقْ له.

والسنة الفعلية توضح بعض مجالات اللقاء بين النساء والرجال, مثل حسن الرعاية كما ذكر أنس:كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مرّ بجنبات أم سليم دخل عليها فسلّم عليها، وكعيادة المريضة كما روت عائشة: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام على ضباعة بنت الزبير فقال لها: (لعلك أردت الحج؟) قالت: والله لا أجدني إلا وَجِعة, فقال لها: (حجي واشترطي, قولي: اللهم محلّي حيث حبستني)، وكالمواساة والتعزية كقول أم العلاء: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، ومثلها التهنئة بالعرس كما ورد عن الربيّع بنت معوّذ: جاء الرسول عليه الصلاة والسلام يدخل حين بُنِي علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، وكقضاء المصالح أو الزيارة العادية كما روت عائشة في حديث الإفك: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (والله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيراً وما يدخل على أهلي إلا معي).

وهناك كثير من الشواهد والأدلة هي من فعل أصحاب النبي كمزاح عمر بن الخطاب مع أسماء بنت عميس بعد أن عادت من الحبشة فرآها عند ابنته حفصة فقال لها:(الحبشية هذه! البحرية هذه!), ثم أخبرها أنه لا هجرة لهم فسألت الرسول عليه الصلاة والسلام فقال لها: (لكم هجرتان وللناس هجرة واحدة), قالت أسماء:(فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث) أي إن لقاء الرجال بالنساء من أجل طلب العلم أمر وارد، وكذلك حديث أبي أسيد الساعدي أن النبي والصحابة دخلوا يهنئونه في عرسه فخدمتهم زوجته وأورد البخاري ذلك في باب (قيام المرأة على الرجال بالعرس وخدمتهم بالنفس), وزيارة سلمان بيت أبي الدرداء وسؤاله أم الدرداء عن حالها عندما رآها متبذلة فقالت له: أخوك أبو الدرداء ليس له في النساء، فقال له سلمان: إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولربك عليك حقاً, وعندما علم الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر قال: صدق سلمان, ولم يعيّر أحد سلمان أو أم الدرداء بما حدث. ولقد ذكرت في مقالاتي السابقة ومنها (عالم بلا نساء) كيف أن المرأة المسلمة لم تكن قعيدة البيت بل لقد شاركت في كل المجالات العامة بما فيها الجهاد والحِرف وحلقات العلم, وكانت أم شريك تفتح بيتها للضيفان فينزل عليها المهاجرون وغيرهم وكثيرا ما كانت المرأة تقدم المدينة ببضاعة لها تبيعها وتشتري ما يلزمها, كما شاركت في الدعوة إلى الله وأكبر مثال على هذا الأمر هو المرأة التي سَقت الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته فكان المسلمون لا يصيبون قومها إذا أغاروا على عدوّ لهم مما جعلها تدعو قومها للإسلام فدخلوا فيه.

أما بالنسبة لحجاب المرأة فقد عُمّمت على كل النساء الآياتُ التي اختصت بها نساء النبي رضوان الله عليهن كقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) و(وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) مع أن الغاية من القرار في البيوت واضحة وهي أن نساء النبي لسن كسائر النساء (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) إذ يحرم الزواج منهن حرمة أبدية, ومن هنا تسميتهن بأمهات المؤمنين ولكن ليس ما بينهن وبين المؤمنين ما بين الأم وولدها من فطرة الأمومة والبنوة لذلك فرض الله عليهن الاحتجاب الكامل، وأما تتمة الآية الأخرى فهي: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً) وهذه الخصوصية لا تشمل بقية النساء لأنهن إذا كن مطلقات أو أرامل فإن الزواج يحل لهن, فهل الرجال الآخرون مثل النبي فيحرم الزواج بزوجاتهم بعد الوفاة أو وقوع الطلاق؟ أما حجاب المرأة المقصود به لباسها الشرعي فهو مفهوم من الآيتين الكريمتين في سورتي النور والأحزاب:(وليضربن بخمرهن على جيوبهن), (يدنين عليهن من جلابيبهن) أي هو الخمار والجلباب فالخمار هو غطاء الشعر والنحر, والجلباب هو الثوب الذي يغطي الجسد, وكلاهما مهمته ستر المفاتن الأنثوية عن أعين الرجال غير المحارم.

كثيرة هي الأحاديث التي تدل على أن الصحابيات كن يكشفن وجوههن, ولو كان الوجه عورة فكيف يجب ستر العورة في الحل وكشفها في الإحرام؟! مع ذلك سيسعدني أي انتقاد يوجه لهذه المقالة, لكن لن تعنيني أي كتابة ما لم تفسر لي معنى هذا الحديث الوارد في الصحيحين وسياقه يدل على حدوثه بعد نزول آيات الحجاب: عن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع فلم تنشب - أي لم تلبث- أن وضعت حملها بعد وفاته, فلما تعلّت - أي انتهت- من نفاسها تجمّلت للخطاب (وفي رواية أحمد بن حنبل أنها اكتحلت واختضبت وتهيأت) فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك تجمّلت للخطاب؟ ترجين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فجمعت علي ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي.

الوطن السعودية 8/5/2004

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |