|
من منكم رأى صورة المذيعة رانيا الباز
ولم يتأثر؟ أيّ شارون هشّم وجهها وشوّه معالمه؟ ماذا أجرمت ليكون عقابها بهذا
الشكل؟! هل تراها الوحيدة في
مجتمعاتنا العربية التي لا هي شرقية ولا هي غربية
تكاد نار دمارها تطال السماء؟ رانيا ليست إلا واحدة من كثيرات ابتلين بأزواج
أوروبيين حينما يريدون وشرقيين حينما
يرغبون. لا أعرف رانيا ولا زوجها لكني أعرف كثيراً
من القصص المشابهة. تخرج المرأة
إلى العمل بموافقة الزوج وتشجيعه, حتى وإن كان
عملها في حقل لا يتفق كثيراً مع
تقاليد المجتمع لكن الزوج يخرج من جلده التقليدي
ويرتدي عباءة المعاصرة, فما دامت
زوجته تشكل له مصدر ثروةٍ لا تنضب وباب رزقٍ لا
يغلق, فهي الحبيبة الغالية والعزيزة
الفاضلة، وبناء على ترحيبه بعملها فقط يتوجب
عليها, لتبقى لها مكانتها, أن تعلم
أنها ليست إلا أجيرة مستخدمة عند سي السيد - بطل
ثلاثية نجيب محفوظ - فما دام لا
يمنعها من الخروج إلى العمل وإثبات ذاتها فيجب أن
تقرّ له بامتلاك هذه الذات وما
ملكت, وأما إن حدثتها نفسها بالمطالبة بجزء بسيط
من حقوقها, أو بإثبات ملكية شيء من
أملاكها, فليس لها إلا الويل والثبور!
هذا حال المرأة العاملة في بلاد
الخليج،حيث غالباً ما توجد خادمة دائمة في البيوت, لذا
قد تكون أسعد حظاً من أختها المرأة
العاملة في البلاد العربية الأخرى, إذ تعمل النساء
كالطواحين خارج البيت وداخله, فلا
تكاد المرتّبات تكفي لإعالة الأسرة وتغطية النفقات,
وتضع المرأة القرش على
القرش, وتوفر شيئاً هنا وتستغني عن أشياء هناك,
وتُلبِس طربوش هذا الولد الذي كبر
لرأس أخيه الأصغر كي تخفف المصاريف عن كاهل رب
الأسرة العزيز, وتفعل ما بوسعها لترضي زوجها, أقصد
طفلها الكبير المدلل، ولكن ما إن يشمّ الرجل راحة يده
ويأخذ دخله بالتزايد والتضاعف وتبدأ نفقات الأولاد
بالتراجع والتناقص, خاصة بعد أن تزوج
أكثرهم, حتى تقلّ أسهم الزوجة في بورصة إرضاء
غرائزه وفهم مشاعره، ولو أوقدت أصابعها العشر، فإنه
رجل والرجال يحبون التنويع ويرغبون بالتجديد, وما إن
تلوح
الفرصة المناسبة حتى يحيل زوجته إلى التقاعد،
ويأتي لها بمكافأة نهاية الخدمة ألا
وهي الزوجة الجديدة التي تعيد له شبابه، أقصد تلك
التي يستطيع أن يثبت لها أنه حاتم
الطائي في الكرم والأصالة ووضاح اليماني في الجمال
والجاذبية وعنترة العبسي في
الفصاحة والشجاعة، فالقديمة تعرف البئر وغطاءها،
فلولاها لكان الزوج بئراً ضحلة, فلا
وارد ولا صادر, أما الجديدة فما عليها إلا أن تؤكد
للزوج أنه الباشا فيسهل
استمتاعها بمحتويات البئر مادياً الصدئة معنوياً،
وتخرج القديمة من المولد بلا حلوى, وتبدأ بعضّ أنامل
الندم عندما ائتمنت ذلك الرجل على نفسها ومالها،
واستحيت أن
تطالب بفصل مالها عن ماله, وإذا طالبت فمعنى ذلك
أنها تخوِّنه وتتهمه, فيمطّ "بوزه"
ويغضب عليها ولا يكلمها مهدداً إياها بالطرد من
الجنة الأرضية الدنيوية معه، والجنة الفردوسية
الأخروية لأنها أغضبته, وينسى "سعادته" أن الله هو
الذي خلق الذكر والأنثى, وأنه كما أمر المرأة بطاعة
زوجها فإنه أوصى الرجل بأن يكون لباساً لزوجته
}هن لباس
لكم وأنتم لباس لهن{[البقرة2/187]،
أي ساتراً وكاسياً ولصيقاً ولطيفاً ودافئاً في الشتاء
وبارداً
في الصيف, كما أنه أمر أن تكون للمرأة ذمة مالية
مستقلة كي لا تضيع الحقوق حتى لو
لم يتزوج غيرها, فلماذا يذكر الشرعَ وقت استيفاء
حقوقه وينساه حين أداء
واجباته؟
قد تكون المرأة التي لا تعمل أفضل
حالاً, ولاشك أن جهاد المرأة الأول
هو بيتها وأولادها, لكن ما العمل إذا كانت المرأة
ذات قدرات متفوقة، وتستطيع أن تجمع بين
البيت وخارجه؟ ما العمل إذا كانت موهوبة مبدعة
وزوجها يحبسها بين جدران المنزل بحجة أن
عملها سيشغلها عن بيتها؟ حسناً, لا نريد امرأة
استثنائية, بل دعونا نتكلم عن غالبية
النساء, فمن النادر أن يقتضي عملهن غيابهن عن
المنزل أكثر من سبع ساعات, وتستطيع المرأة عادية
الذكاء أن تنسِّق أمورها وتنظِّم وقتها، حيث تعطي كل
ذي حقٍّ حقه, ولعل
الدولة تساهم بفتح دور حضانة للصغار ملحقة بالعمل،
حيث يمكن للأم أن ترى طفلها خلال ساعات العمل، خاصة
الرضيع، أو أن تجعل إجازة الأمومة ثلاثة أشهر بمرتب
كامل وثلاثة
أشهر أخرى بإنقاص نسبة من المرتب قد تكون الربع أو
الثلث, ومع بلوغ الطفل ستة أشهر
يصبح بإمكانها أن تتركه عدة ساعات في المنزل مع
الخادمة الموثوقة أو استبدالها
بالحضانة الملحقة بالعمل وهو الأفضل, وفي هذا خلق
نوع من الاستقلالية في شخصية
الطفل, ولا يوجد مجتمع يستغني عن النساء في
الأعمال، فمن يدرّس الفتيات، ومن يطبّب
النساء، ومن يمرّض العجائز، ومن يفتّش المسافرات؟
ومع ذلك نجد بعض الرجال يتبجحون ويتحججون بأن المرأة
مكانها البيت, متجاهلين حاجات المجتمع الحديث, كي تبقى
المرأة
خاضعة خانعة لهم. وإذا كبر الأولاد وتجاوز أصغرهم
عشر سنوات وخفّ عبئهم عن المرأة
وشعرت بفراغ في حياتها فأحبت أن تمارس هواياتها,
فيا ويلها إن فعلت حتى لو قامت بها من البيت كالكتابة
في الصحف أو مواقع الإنترنت, وكيف تفعل واسم المرأة
عورة؟! ماذا
يقول سي السيد لأصحابه إذا قالوا له قرأنا لفلانة
الفلانية مقالة جميلة؟ يا ويح
قلبي كيف يمتدحون زوجته أمامه؟ أين الغيرة
العروبية إذن؟! والحقيقة أنها الغيرة من
الزوجة، وليس الغيرة عليها. أطاعت الزوجة وكسرت
قلمها وفكرت أن تخرج لتزور أهلها
الذين يقطنون في المنزل المجاور وزوجها غائب, فيا
ويلها كيف لم تتصل به لتأخذ إذنه؟
أمسكت السماعة لتكلِّم أهل زوجها وتطمئن عليهم وفي
نفس اللحظة خطر لسي السيد أن يكلِّم
صديقاً له, فرفع السماعة وما إن سمع صوت زوجته
تتكلَّم حتى صرخ في أذنها وأذن
المستمعة (سكّي السماعة!!) يا ويحي.. أهو سجن أم
ثكنة عسكرية؟ تكوّمت في إحدى زوايا غرفة النوم ثم خطر
لها أن تشرب كوب ماء فيا ويلها كيف خرجت إلى المطبخ
فترى
الخادمةُ المسلمة نصفَ ذراعها ونصفَ ساقها؟ حان
وقت النوم وأراد سي السيد أن يرضي
غرائزه البهيمية ويا ويل زوجته إذا لم تلبّه،
فالملائكة ستلعنها إن بات وهو عليها غضبان! بالله
عليكم كيف تلبي هذه المرأة رغبة أرعن مثل هذا الزوج؟
ومن قال: إن الرجل
يجب عليه ألا يهتم بمزاج الزوجة ولا يراعي غضبها
ولا يأبه لحزنها؟ نعم إنه اغتصاب
للزوجة عندما تؤدي العمل الجنسي وهي مرغمة كارهة,
فهذا الفعل لا يتصل بالمرأة من
ناحية الجسد بقدر ما يتعلق بها من ناحية العاطفة,
ولا يهمها أن تشبع غريزتها بقدر
ما يهمها أن تشعر بشخصيتها ومكانتها وكرامتها،
والأنكى من ذلك إن خضعت واستكانت ثم
لم يجدها متجاوبة معه, فيا ويلها لأنها السبب في
امتناع تحقيق الرغبة, ويا سواد
ليلها لأنه بدا عاجزاً أمامها, فيكيل لها
الاتهامات بالبرود والتقصير, ويَصْدق عليه
ثلة من الأمثال العربية:
«رمتني
بدائها وانسلت»
«أحشفاً
وسوء كيلة»
«لو
ذات سوارٍ
لطمتني»,
وأخيراً
«حسبنا
الله ونعم الوكيل!».
ما رأيكم أن نرى سي السيد مع بناته؟
إما أن يمنع ابنته من العمل بحجة
}وقرن
في بيوتكن{[الأحزاب33/33
]مع أن الآية موجهة لنساء الرسول
عليه الصلاة والسلام, وإذا سمح لها بالعمل فإن
عليها أن تدفع له الإتاوة وقد تكون كامل مرتِّبها, ولا
أحد يعارض مساعدة الابن أو البنت للأب إن كان محتاجاً,
ولكن ما
معنى أن يكون الأب مكتفياً، ثم يمدّ يده لينال ما
كسبت يد ابنته أو ابنه بدل أن
يتركهما يخططان لمستقبلهما ويفكران بإتمام نصف
دينهما؟ ألم يقل الله سبحانه:
}ومن
كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف{؟
هذا إذا كان وصياً على مال
ولد غير ابنه، فكيف إذا كان الولد ابنه؟ على الأقل
تستطيع الفتاة العاملة أن تخفِّف من
مهرها، وبذلك تعجّل في زواجها بدل أن تقع في فخ
العنوسة!
أما سي السيد مع أبنائه,
فهم برأيه أبناؤه ليستعبدهم، وليكونوا كالخاتم في
إصبعه, حتى لو تزوج الولد وأصبح رب
أسرة, فلماذا لا يأتي هذا الولد العاقّ إليه كل
يوم؟ هل زوّجه ليخسره أم ليبرهن
للناس أنه مرهوب الجانب من أولاده، فحتى الذي تزوج
يقف أمامه كما يقف العبد أمام
السيد؟ أخبري ولدك أيتها المرأة أن يأتي كل يوم
ليزورني ويرى حاجاتي!
يا رجل,
ولدك عريس جديد كيف يترك زوجته العروس الصغيرة في
البيت وحدها؟
لا, يجب أن يأتي
أنا أبوه كما هي زوجته!
يا رجل, لديك من يساعدك من الذين
يعملون معك بأجر, فما لك
والولد؟
لا, هو ولدي وأنا تعبت في تربيته
ليساعدني, فليكن لها ليلاً وليكن معي
نهاراً!
يا رجل, أنت أبوه لديك من يغنيك عنه,
لكنها زوجته لا يمكنها أن تستغني
عنه طوال النهار, فهل نسيت أن ابنك
لديه وظيفته التي لا ينتهي منها إلا الرابعة
عصراً؟
ماذا يقول الناس عني؟ لديه ولد ولا يزوره إلا مرة كل
أسبوع؟!
يا رجل ما
لك ولكلام الناس؟ الناس بلاء الناس.
وتتكرر فصول المضحك المبكي, والمشكلة
الحقيقية ليست في كلام الناس، لكنها في سي السيد الذي
يريد أن ينفخ في غروره ويزيد
من استبداده, فيجب أن يأمر وينهى ويمارس سطوته ويرضي
شهوته, وعندما يعود لبيته فلا
كلمة لطيفة مع ابنة، ولا بسمة رفيقة مع ولد, ويأتي
راغباً في وصال الزوجة, وتقول له
المسكينة: يا رجل, أولادك أحق مني بك ونحن في هذا
السن. ويجيب: دعيني منهم ،أنا أفعل
كل هذا لأجلهم ولأجل مستقبلهم. وينسى سي السيد أن
الأولاد والبنات قد خُلقوا من
مادة التراب كما عُجنوا بماء الروح, فالمادة لا تكفي,
وليس بالخبز وحده يحيا
الإنسان!
الوطن السعودية
24/4/2004 |