|
إرضاء الناس غايةٌ لا تدرك, لذلك فالكاتب الناجح برأيي هو الذي لا
يُجهد نفسه في هذا المنحى لأنه عديم الجدوى وبالغ
الاستحالة, لكن من حقّ القراء على الكاتب أن يتجاوب مع
تطلّعاتهم ويحترم عقولهم دون أن يحوّل كتاباته إلى "ما
يطلبه الجمهور" وإلا فإنه قد يرسم لوحةً لا تمتّ لفنّ
الكتابة بِصلةٍ أو لوحةً ضبابيةً يغلب فيها اللون
الرماديّ, حيث يخفي مواقفه الحقيقية من القضايا
المصيرية التي تمسّ أمن مجتمعه وتطوّره؛ بينما يقتضي
الضمير الحيّ للكاتب أو المثقف باتخاذ موقفٍ حدّيٍ
أحياناً, وهذا يحتاج إلى شجاعةٍ وصراحةٍ قد تجعله يخسر
بعض قرّائه إذ يخالف طموحاً معيناً لديهم, وهنا بقدر
ما تبدو مهمّة الكتابة عسيرةً بقدر ما يمكن أن تظهر
تميّز صاحبها إذ تفجِّر في وعي قارئٍ آخر شيئاً
مختلفاً كان يشعر بحنينٍ إليه لكنه لا يستطيع التعبير
عنه, وما أكثر المسكوت عنه, وما أقلّ من ينبش في
الحفريات فيستخرج الأموات وينفخ روح الحياة فيهم من
جديد!
أكتب هذا بعد أن قرأت ما نشرته صفحة نقاشات لأحد الإخوة القراء حول
إعجابه بمقالي ( عالم بلا نساء) وتمنّيه أن أكتب عن
معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام للنساء, وكذلك بعد
أن وصلتني رسالتين من قارئين أحدهما أبٌ يخاف على
بناته من العنوسة لسببٍ لم أتطرّق له في مقالتي
الأخيرة وهو عدم إلزام المقبلين على الزواج بالفحص
الطّبي, والآخر عازبٌ لفت انتباهي إلى أن البطالة هي
سببب للعنوسة لم آتِ على ذكره أيضاً, ومع أني بيّنت أن
المساحة لا تسمح بذكر كل الأسباب فلهؤلاء الإخوة
ولغيرهم من المتابعين شكري الجزيل, وبما أن المواضيع
الثلاثة على أهمّيةٍ قصوى في تطوّر المجتمع الذي ننتمي
إليه جميعاً ونتقاسم أفراحه وأتراحه معاً, رأيت أن
أخصّص هذه المقالة لإجابة هؤلاء الإخوة فالهمّ العام
هو المغزل الذي لا تُضاهى جودته ولا تُفقَد جِدَّته,
وباستمرار غزْل الكاتب عليه بمهارةٍ وإصرارٍ يمكنه أن
ينشر الوعي ويبثّ المعرفة ويغازل الحقيقة.
إذا أتيت إلى الموضوع الأول وهو معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام
للنساء, فهنا لدينا محوران؛ الأولّ هو معاملته الرائعة
لنسائه والثاني تعامله الحضاريّ مع النساء الأخريات؛
فقد كان حلو المعاشرة لأزواجه كثير المسامرة لهنّ,
متحملاً لأخلاقهنّ, وخاصةً غيرتهنّ, بارّا بهنّ, فقد
ظلّ يذكر خديجة بعد وفاتها مما أثار غيرة عائشة رغم
أنها كانت المفضّلة بين نسائه, وكان يثني ركبته لصفية
لتدوس على فخذه فتتمكن من ركوب الراحلة, وقد أخبرت
عائشة عنه أنه كان في البيت بشراً من البشر, يخصف نعله
ويرقّع ثوبه ويحلب شاته ويقمّ البيت أي يكنسه, وكانت
إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب
منه, وكانت إذا أحبّت شيئا تابعها عليه, وقد أورد
الشيخان ما روته عن يوم عيد يلعب فيه السودان- أهل
الحبشة- بالدَّرق والحراب فقال لها: تشتهين تنظرين؟
قلت: نعم, فأقامني وراءه خدي على خده- هذه العبارة
جديرة بالتأمل- وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة - وهو
لقب للحبشة- حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال:
فاذهبي (وفي رواية قالت عائشة:فاقدروا الجارية الحديثة
السن الحريصة على اللهو). والحديث يطول في حسن معاملته
صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأنصح بالرجوع إلى
موسوعة (تحرير المرأة في عصر الرسالة) للأستاذ عبد
الحليم أبو شقة رحمه الله, وفيها أيضا أمثلة وشواهد
على حسن تعامله صلى الله عليه وسلم مع النساء
الأخريات, خاصةً في الجزء الثالث منه حيث ردّ المؤلف
على المعارضين لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية,
وأختار من الشواهد الكثيرة التي أوردها شاهداً واحداً
هو موقف الرسول عليه الصلاة والسلام حين عرض على أسماء
بنت أبي بكر أن يردفها خلفه شفقةً عليها وهي تحمل
النوى من مكانٍ بعيدٍ لكن أسماء تذكر غيرة زوجها
الزبير فتمضي في طريقها, فهل كان الرسول يقدم على عمل
يجرح الغيرة السوية أم أنها غيرة الزبير الزائدة؟ لقد
كان رسول الله ينظر إلى المرأة على أنها إنسانٌ كريمٌ
يشارك الرجل الحياة وليست لعبةً جنسيةً يستثار الرجل
بمجرد رؤية خيالها, فكيف إذا فكّر بأن يردفها خلفه!
أعلم أن هذا الشاهد سيثير شجون كثيرٍ من القراء, لذلك أكتفي به كي
أنتقل إلى الموضوع الآخر وهو الكشف الطبي قبل الزواج,
خاصةً أن أحد القراء الذين وردت مشاركتهم في صفحة
نقاشات استنتج أن هذا الكشف سيؤدي بالكثيرين للعزوف عن
الزواج, فما السبب يا ترى؟! إذا كان المقبل على الزواج
واثقاً من أنه سليمٌ صحياً ولائقٌ طبياً, فلماذا يعترض
على الكشف؟ أما إذا كان غير صحيح الجسد فهل يصحّ شرعاً
أن يخفي عيباً صحياً على من ستصبح زوجته وشريكة حياته
وأم أولاده؟ أم أن الأمر أكبر من هذا؟! سأروي هنا عدة
حالاتٍ تكررّت أمامي بحكم ممارستي لمهنتي في أكثر من
بلدٍ عربيّ, فحتى البلاد العربية التي تجري هذا الكشف
لا تقوم به كاملاً وقد تفعل الرشوة فعلها مع الطبيب
المسؤول فيعطي تقريراً كاذباً بصحة الزوج أو الزوجة؛
والحالة الأولى كانت إصابة الزوج بمرض الهربس, وهو
مرضٌ ينتقل بالجنس وتؤدي الإصابة به إلى ظهور حويصلاتٍ
مائيةٍ في المنطقة التناسلية مع شعور بالألم والحرقة
البولية, فانتقلت العدوى إلى الزوجة التي دفعت ثمن
أخطاء شخصٍ مارس الفاحشة قبل الزواج ثم قُدِّر عليها
أن يكون زوجها, وربما لا يكون الأمر خطيراً لو أن
المرض قابلٌ للشفاء لكنه ككلّ الأمراض الفيروسية لا
علاج له, وعندما علمت الزوجة بحقيقة الأمر وأن إصابتها
لا تشفى رضيت بقضاء الله, لكن الزوج لم يرضَ بها,
ورماها لأهلها بعد أن قضى على مستقبلها, اللهم إلا إذا
قررت الانتقام بالزواج من رجلٍ آخر لتجعله يدفع ثمن
خطأ لم يرتكبه هو أيضاً؛ ورغم خطورة الهربس لكن أين هو
من الإيدز مثلاً؟ ما ذنب الزوجة وما ذنب الأطفال وما
ذنب المجتمع هنا؟ ناهيك عن الأمراض الوراثية التي
تحدثت عنها سابقاً والتي تزيد في حال زواج الأقارب,
ووالله لو رأى عاقلٌ تلك التشوّهات والإعاقات لحرّم
مثل تلك الزيجات قبل إجراء الفحوص الطبية والوراثية؛
أما الحالة الثالثة فهي عندما يصاب أحد الزوجين بخللٍ
صبغيٍّ غير ظاهرٍ جسدياً, لكن يمكن الوصول لتشخيصه
ببعض الدراسات الصبغية المتاحة, وفيها يكون الزوج
عنّيناً أو غير قادرٍ على الإنجاب أو تكون المرأة
كذلك, وعندما يكون الخلل في المرأة فمن النادر أن لا
يكتشف الزوج الحلّ فوراً بالطلاق أو التعدّد, لكن ماذا
تفعل المرأة إذا كان الرجل مصاباً, وهي تدرك أنها إذا
طلبت الطلاق فإنها قد توصم بالمرض النفسي, وإذا لم
يحدث هذا فلن تحصل على طلاقها إلا بشقّ الأنفس, وإذا
حصلت عليه فقد تحمل لقب "مطلقة" كعارٍ على أسرتها أو
وبالٍ على مجتمعها؟!
المحور الثالث في المقالة هو البطالة, ومع أني لا
أحبّذ أن أكتب في السياسة أو في الاقتصاد, لكني أتطرّق
لذلك أحياناً عندما يكون تأثير أحدهما على المجتمع
واضحاً كحالة القارئ الذي أرسل لي الرسالة, فالشاب
يدرس وينهي الجامعة أي يقضى 16 عاماً من عمره على
الأقل في الدراسة وعندما يتخرج لا يجد عملاً إلا إذا
ذهب إلى حلقة الخضار على رأي كاتب الرسالة, فلماذا لم
يسهِّل على نفسه المعاناة واختصر الطريق واكتفى بدل
ذلك بتعلمّ الحساب والقراءة ثم بدأ في السوق منذ عمر
10 سنوات؟ ألم يكن ذلك أوفر له وأغنى لخبرته التجارية
مثلاً؟ هذا الموضوع حقيقةً أغناه الإخوة الكتاب في
صحيفة الوطن وغيرها بحثاً وأشبعوه دراسةً, لكني سأتطرق
له من بابٍ آخر لا أدري إن فتحه أحد غيري, وهو هل
الشباب كلّه يتميز بحبّ العمل وروح المبادرة؟ هل كلّه
يفهم معنى الطموح ويدرك حلاوة المشاركة؟ لنكن صريحين
ونسأل: ألا تلعب التربية دوراً كبيراً في كره العمل
والركون للراحة؟ ينشأ الطفل/الطفلة في بعض الأسر ويرى
والده معتمداً على السائق, فهو من يوصله إلى المدرسة
وهو من يسأل عنه فيها وهو من يتابع أموره وذلك إما
بحكم انشغال الأب بأعماله أو بأشياء أخرى ما أنزل الله
بها من سلطان, كذلك يشاهد الطفل/الطفلة والدته وهي
جالسةٌ تلقي الأوامر على الخادمة فهي التي تستيقظ
صباحاً وتعدّ الفطور للأولاد وهي التي تضع لهم الطعام
وهي التي ترفعه من أمامهم, وبما أنها خادمةٌ فهذا
عملها ولاشكّ, لكن لو اعتاد الطفل منذ نعومة أظفاره أن
يساعد في الأعمال المنزلية, ولو تمت تنشئته وهو يرى
والديه يتعاونان لبناء مستقبل الأسرة ويتحاوران من أجل
إنجاح مشروع العائلة, لانسكبت في نفسه روح المشاركة
ولتجذرت فيه مفاهيم الشعور بالمسؤولية. هذه الأخطاء
التربوية شائعةٌ غالباً في البيئات التي تعتمد على
ثقافة الراحة والرفاهية, أو تلك التي تتبنى معنى
التواكل ظناً منها أنه توكلّ؛ بينما يعلم أغلب الذين
درسوا في الغرب كيف يربي الغربيون أطفالهم بأن يخصّصوا
جزءاً من وقتهم للمساعدة في أعمال المنزل حتى لو
أعطوهم مقابلاً مادياً, وما إن يبلغ الطفل عشر سنين
حتى يتعلمّ كيف يحصل على المال ببيع الصحف أو غير ذلك
من الأعمال التي لا تهين كرامته, وعندما يصل إلى عمر
18 سنة فهو بكل تأكيدٍ مسؤولٌ عن نفسه, أما في
مجتمعاتنا العربية فيبقى الأبناء ممسكين بخناق الآباء
لا يستطيعون فكاكاً منهم حتى لو أنهوا الدراسة
الجامعية, بل حتى لو تزوجوا وأنجبوا لأننا لا نعلّم
أبناءنا معنى المسؤولية ومفهوم الواجب, فلا يعرفون إلا
المطالبة بحقوقهم, وعندما يحصل أحدهم على عمل فكثيراً
ما لا يحسن المحافظة عليه لأسبابٍ عديدةٍ, منها ما
ذكرت ومنها ما يحتاج مقالةً أخرى.
الوطن السعودية 21/2/2004 |