|
تسود قضايا المرأة عند كثيرين مسألة
العيب الذي يمكن اعتباره أنه ما خالف العرف, وهو أمر يختلف من مجتمع لآخر، وإذا
كانت المقولة الفقهية:
«العرف
في الشرع له اعتبار, لذا عليه الحكم قد يدار»
مقبولة،
فإن حرف "قد" إذا سبق الفعل المضارع فهو للتقليل، وقد تم حذفه بسهولة إرضاء لأمزجة
بعض الرجال "الصالحين!" الذين لم يكتشفوا في المرأة إلا أحد أمرين: إما أنها أداة
للجنس، أو أنها وعاء للإنجاب, وهكذا تحول الدين من مبادئ سامية إلى عادات وتقاليد
تحكمها أهواء نفوس مريضة وعقول مغلقة متشددة!
إن الإسلام جاء ليطهّر العقول من
كثير من الخرافات, ومما حرّره الإسلام مفهوم العار
والعيب، ففي زمن الجاهلية كانت ولادة الأنثى هي العار
الذي لا يعدله عار، ولذلك كان الجاهلي يدفن وليدته
حية, وفي هؤلاء نزل قول الله تعالى:
}وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم
يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به أيمسكه على هون أم
يدسه في التراب ألا ساء ما
يحكمون{[النحل16:
58 -59].
على الرغم من ذلك ما زالت هناك بيئات
إلى يومنا هذا تئَِد فتياتها بطريقة أو بأخرى, ويكفي
أن التقاليد السائدة في كثير من مجتمعاتنا تُعلي
من شأن العنصر الذكوري المسيطر, وتجعل من آية
القوامة أداة تؤكد تسلط الرجل على
المرأة سواء كان زوجاً أو أباً أو أخاً أو حتى
ابناً، وقد أدت هذه المساواة المغلوطة بين الدين
الصحيح الخالي من الشوائب وبين التقاليد البالية
والعادات الجاهلية إلى خروج بعض الرجال والنساء - على
السواء - على تعاليم الإسلام, لأن هذه التقاليد لا
تمت إلى الدين بصلة. فالدين كما نعلم هو مجموعة
المبادئ المنزلة من الخالق
-جلّ
وعلا
-إلى
عباده ليعملوا بها، ويتصرفوا في حياتهم الدنيا وفق
مقتضاها, فينالوا خيري الدنيا والآخرة، أما التقاليد
فهي مشتقة من فعل "قلَّدَ", ومصدره "تقليد" وجمع
الكلمة
الأخيرة هو "تقاليد"، أي: إنها عبارة عن أفعال نرى من
عاصرنا أو سبقنا يفعلها فنقلد
فعله. إذن التقاليد ليست مبادئ سماوية، وليس لها أسس
دينية, إنما هي نابعة من أمزجة شخصية تنتقل من جيل إلى
جيل، لذلك يمكن أن نشبهها بالأعشاب الضارة التي تنبت
بين أشجار الدين الباسقة، فتشوه منظرها وتسيء إلى
نموها بحكم أنها فضولية تستمد
غذاءها من تربة الدين, وقد تعلو عليه أو تغطيه إذا
وجدت الظروف المناسبة لنموها وانتشارها, ومن هذه
الظروف غياب من يتجرأ على اقتلاعها، ووجود من يشجع على
بقائها
لمصلحة أو هوىً أو تعصّب أو جهل, ويخطر لي هنا عبارة
جميلة لفولتير أرسلها لصديقه
الملحد هولباخ :
« إنك تقول: إن الدين قد سبب أيضاً
كوارث لا حصر لها, وكان الأجدر أن
تقول الخرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في
عالمنا البائس. هذه الخرافات هي
أقسى عدو يصرفنا عن عبادة الله عبادة خالصة تليق
به. إن هذه الخرافات ثعبان يهز
الدينَ في حضنه، ويجب علينا أن نسحق رأسه دون أن
نجرح الأم التي تطعمه».
والسؤال
المطروح الآن:أي عرف نأخذ به بعد أن فقدت مجتمعاتنا هويتها
العربية الإسلامية
الأصيلة، وأصبحت خليطاً عجيباً من أشخاص يتمسكون
بالتقاليد الشرقية الراكدة، وآخرين
يتمردون عليها ويأخذون بالعادات الغربية الوافدة؟ أذكر
هنا عبارة رائعة للشهيد المفكر العبقري علي شريعتي إذ
يشبه مجتمعاتنا الإسلامية باللفظ الفارسي المعبر عن
الزرافة وهو (شتر كاو بير) أي:
«جمل،
بقرة، نمر»,
وهكذا أصبحت مجتمعاتنا خليطاً غير متجانس
من أناس لا يفهم بعضهم بعضاً, فبأي عرف نأخذ؟!
لقد رأيت في حياتي أعرافاً مختلفة
ليس ضمن البلد الواحد بل ضمن المدينة بل داخل الأسرة,
ومع احترامي الشديد للعرف الذي لا يتجاوز الرشد
والعقل, لكن ماذا نفعل بالعرف إذا غدا سبباً للتنطع
وفقدان
المصلحة من الشرع؟
هناك عرف في بعض البيئات أن الخاطب
لا يجوز أن ينظر إلى وجه
خطيبته إلا في ليلة الزفاف, فهل هذا العرف من
الدين؟!
يوجد عرف في بيئات أخرى أن
مهر المرأة هو حقٌّ لأبيها أو ولي أمرها, فهل هذا
أيضاً من الدين؟!
وفي المحافظات
البعيدة عن العاصمة في بلد عربي تجد أن ظل المرأة
عورة, فإذا انتقلت إلى العاصمة
أصبح متجاوزاً عن وجه المرأة, فإذا وصلت إلى مدينة
ساحلية وجدت وجه المرأة مكشوفاً
وشعرها وغير ذلك, فأي عرف يلزمنا الأخذ به في هذه
الحال؟!
في إحدى البلاد
العربية دُعيت إلى حمام سباحة للعائلات فوجدت
امرأة منقبة تلبس السواد ولا يبدو منها
لا كفاها ولا عيناها تجلس جنباً إلى جنب مع من
ترتدي (المايوه البيكيني), فأي ميزان
عرفي يمكننا من قياس الأمور وأضدادها وكلاهما يجد
من يناصره؟!
صليتُ في مسجد الحسين بمصر حيث يؤم
النساء امرأة ووراءها ملقّنة يعلو صوتهما على صوت إمام
الرجال, وقد وقف رجلان ينتظران انتهاء الصلاة ضمن مصلى
النساء، لأنهما يهتمان بالأحذية, وكان بإمكان النساء
أن يصلين وراء إمام الرجال, كما أنه لا معنى لوقوف
الرجلين أمام
النساء, فكيف نحكم على هذا العرف المتعارف عليه في
ذلك الحي الشعبي، حيث المرأة
تشارك الرجل كل المهام في نفس الوقت سواء في
التجارة أو في إدارة المقهى أو في
الإمامة!!
في أسرة واحدة تجد شخصاً يكسو نساء
بيته بالسواد، ويمنعهن من الخروج، بينما ترى أخاه يسمح
لزوجته بإدخال صديق أو قريب غير محرم في غيابه، ويسمح
لابنته أن
تصادق شاباً على النمط الغربي, فأي عرف نحكم به
على هذه الأسرة؟!
في عرفنا
جميعاً-للأسف- أن الرجل يحق له ما لا يحق للمرأة
مع أن كليهما في ميزان الله سواء, وفي بلاد معينة تكثر
جرائم الشرف, وقد لا يكون للفتاة أي ذنب إلا أن وحشاً
اغتصبها, فيقتلها أخوها أو أبوها كي يرفع العار عن
الأسرة, وفي أحسن الأحوال تبقى ذليلة مهانة تحمل عارها
طوال عمرها؛ أما ما ورد في تفسير الطبري فهو أن رجلاً
أتى عمر فقال:«
إن ابنة لي أصابت حداً من حدود الله- أي زنت- فعمدت
إلى شفرة لتذبح بها نفسها فأدركتها وقد قطعت بعض
أوداجها, فداويتها حتى برئت, ثم إنها أقبلت بتوبة
حسنة, فهي تُخطب إليَّ يا أمير المؤمنين فأخبر عن
شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما
ستره الله فتبديه؟ والله لئن أخبرت بشأنها لأجعلنك
نكالاً لأهل الأمصار, بل
أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة».
هذا مثال عن الفرق بين الدين والتقاليد؛ ومثال آخر:
أنّ مما يعيب الرجل تصريحه بحبه لزوجته مع أن الرسول
عليه الصلاة والسلام لما
سألوه من أحب الناس إليك قال:«
عائشة»؛
ومثال ثالث: أنّ المرأة يجب ألا تصرح بشوقها لزوجها
وإلا فإنها ساقطة, أما ما حدث في زمن الخليفة عمر بن
الخطاب رضي الله عنه
فقد كان يتفقد رعيته ليلاً، فسمع صوت امرأة تنشد
في الليل شعراً فتقول:
لقد طالَ هذا الليلُ واسْوَدَّ جانبه
وأرقني ألاّ خليلاً أُلاعبه
فواللهِ لولا اللهُ تُخشى عواقبُه
لحُرِّكَ من هذا السرير جوانبُه
مخافةُ ربّي والحياءُ يصدّني
وأُكرمُ بعلي أن تُنالَ
مراكبُه
فضرب الباب عليها، ورفع صوته لتعرفه،
فلما أكثر عليها فتحت له، فسألها عن زوجها فقالت له:
إنه غائب في بعث كذا وكذا، فبعث إلى عامل ذلك الجند أن
سرّح فلان بن فلان، فلما قدم عليه قال: اذهب إلى أهلك.
ثم دخل عمر
على ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما وسألها: كم
تصبر المرأة عن زوجها فقالت:
شهرًا واثنين وثلاثة، وفي الرابع ينفد الصبر، فجعل
ذلك أجلاً للبعث، أي منع أن يغيب الرجل عن أهله أكثر
من أربعة أشهر، حتى لو كان لأمر مهم كالجهاد، فهذا
أمير
المؤمنين منذ 14 قرناً، وبدل أن يعيب على هذه
المرأة ويطلب منها الصمت تَبنّى
مشكلتها، فلبّى كل النساء المتحرقات شوقاً
لأزواجهن، وذلك لأنه فَقِه أن الإسلام هو
دين الفطرة الصافية وليس مجرد تقاليد بالية!
ما قصدته من إيراد هذه الأمثلة
الثلاثة الأخيرة هو إيضاح أن التقاليد والعادات قد
جعلت البون شاسعاً بيننا وبين
الدين الحقيقي, فلا بد من تجاوزها بعد أن رأينا
نتيجتها السيئة بأعيننا, لنعود إلى
ينابيع ديننا الأصيلة, وأما ما ليس له أصل في
شريعتنا فما علينا إلا أن نقتلعه كما نقتلع الحشائش
الضارة، دون أن نمس جوهر الدين، فكثيراً ما رأيت في
حياتي كيف تكون
التقاليد والعادات دافعاً لارتكاب الأخطاء
والحماقات!
الوطن السعودية
6/9/2003 |