الصفحة الرئيسية
  
قـصــة
  إمرأة تبحث عن وطن
 

أنهى محاضرته.. ولملم أوراقه من على مكتبه.. واتجه نحو سيارته مفكرا في أولوياته لما تبقى من مساء هذا اليوم.. مشاغله كثيرة وأعباؤه متراكمة... بين محاضراته في الجامعة .. وكتاباته في الصحافة..ونشاطاته الدعوية.

يشعر بثقل جاثم على قلبه وروحه.. ماذا يفعل لهذا المجتمع الذي يأبى إلا الركود والاستسلام لدعة اللحظة الحاضرة.. أمة ذهلت عن نفسها... وتفاخرت بماضيها... وتناست مستقبلها... تمشي إلى الوراء وهي تظن أن سيرها تقدما... تزحف على بطنها وهي تعتقد أن هذا يؤهبها لدخول سباق ماراثوني...

ما زالت ترن في أذنه كلمات ذلك الشاب الذي اعترض عليه اليوم عندما كان يلقي محاضرته الدينية عن ضرورة الاحتكام إلى العقل وعدم التقوقع في قوالب أكل الدهر عليها وشرب.. وتكلم حينها عن الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة, وأن يكون المدخل إلى عقول الناس وقلوبهم ما يعرفون.. وضرب أمثلة على ذلك بأن يكون لباس المرأة حسب أعراف كل مجتمع, فلا يفرض على من تعيش في أمريكا أن تتقيد باللباس الأسود من قمة الرأس إلى أخمص القدم إذا أحبت أن تعلن إسلامها.. ولا يطلب ممن وصل الأربعين من عمره وهداه الله إلى الإسلام أن يختتن لأنه إذا لم يفعل فإن الله لن يقبل إسلامه... ويجب أن لا تحرم الموسيقى بدون دليل على التحريم..  وذكر للحاضرين كيف أن هذا التشدد يسيء إلى الإسلام, وضرب لهم أمثلة كثيرة على ذلك؛ لكن ذلك الشاب لم ير فيه إلا مبتدعا رافضيا زنديقا.. هكذا وجه هذه التهم له على الملأ.. وخرج من القاعة!!

أنقذه من الغرق في بحر ذكرياته المؤلمة رنين هاتفه الجوال الذي  سمعه بمجرد أن فتح باب السيارة.. لم يكن متألما بسبب النقد الذي وجِّه له بقدر ما كان حزينا للحالة المتردية التي يعيش بها بعض المحسوبين على الدين من انفصام عن الواقع... وازدواج في الشخصية .. وتقوقع في كهوف تاريخية.

آه... إن المتصلة هي سعاد.. أخت له لم تلدها أمه... يسعد برفقتها .. ويشعر بمدى حاجته لها إذا أطالت الغياب عنه... دون أن يكون هذا الإحساس يمت بأي صلة لغريزة .. اللهم إلا غريزة فطرية هي البحث عن الرفقة.. الارتياح إلى الأصالة... الشعور بأن هناك قلبا يحتويك بغض النظر عن أصلك وفصلك وفكرك واختلافك... ماذا يقول ذلك الشاب وأمثاله عن علاقته بها إذن؟!

جاءه صوتها: يبدو أن محاضرتك طالت عن موعدها الليلة فقد أخبرتني أنك تنتهي في الثامنة مساء, والساعة الآن العاشرة!

- نعم.. استوقفني بعض الحاضرين بأسئلتهم  عقب المحاضرة.. وأنت تعرفين ماذا يعني أن تجدي شخصا مهتما في هذه الأيام!! كيف حالك؟؟

- الحمد لله.. كنت أريدك في موضوع هام.. هل تقبل دعوتي على الغداء غداً الجمعة؟؟

لا يعرف لماذا لا يستطيع أن يرفض طلبا لهذه المرأة... ما الذي يجعله مشدودا إليها وبكل قوة؟! هل هو صدقها في زمن الكذب؟؟ هل هو واقعيتها عندما تناقش؟؟ هل هو رومانسيتها عندما تهطل دموعها كالمطر فجأة وبدون مقدمات؟؟ هذه المرأة تحمل كمّا من التناقض في داخلها.. لكنها تدافع عن نفسها فتقول: إنه ليس التناقض.. إنما هو التكامل... هذه شخصيتي فإن أعجبتك فأهلا وسهلا.. وإلا فالباب يفوّت جمل!!

وتتبع كلامها بضحكة.. عجيب هو أمر ضحكتها... فليست تبعدها عن حياء المرأة .. وفي نفس الوقت تجعلك تشعر كأن زغرودة تضيء في أعماقك.. بينما صوتها نفسه يحمل أحيانا حزنا عميقا لمن أراد أن يسمع أكثر من الأصوات..

أتاه صوتها مرة أخرى: مازن .. هل تسمعني؟؟

- نعم.. تقولين الغداء؟! هكذا مرة واحدة؟! ما الأمر ؟! هل مات عدو تكرهينه وتريدين أن تحتفلي؟!

- أنت تعرف أنه ليس لي أعداء.. اللهم إلا شارون وأمثاله.. ألا تحب السمك؟؟

- طبعا... لكن أين؟

- عندي في البيت.. ابن أختي موجود فاطمئن!

- يا سيدتي .. الدعوة واجبة علي... ثم هناك مطعم على البحر يقدم سمكا لم تذوقي مثله في حياتك!

أرادت أن تقاطعه.. فأردف: لدي صديق قادم من بيروت...وقد كلمته عنك وعن كتاباتك... وهو يقول أنه يود أن يتعرف عليك... لذلك  أنا الذي سأكون عندك بعد صلاة الجمعة غدا..

لم تستسلم بسهولة بل قالت: يا أخي .. أنا أحضرت السمك اليوم.. وستلتهم أصابعك وراءه ..

أجاب: لا عليك ضعيه في الثلاجة لبعد غد أو أرسليه لجيرانك من اليوم.. أما غدا فأنا الذي أدعوك..

علقت بلهجة يمتزج فيها السخط مع شيء من الاستسلام: لكنني أريد أن أحدثك عن أمر  هام, ولن تدعنا هيا وسلمى نأخذ راحتنا بالحديث فأنت تعرف كم هما شقيتان!

قال: لا يهمك.. أنا أتدبر أمرهما بسهولة... سأحضر لهما أشياء تشغلهما..

انتهت المكالمة..

أخرج مازن نفسه من موقف محرج.. زوجته مسافرة مع الأولاد إلى بلدهم الأصلي, وسعاد تعامله كأخ لها تماما, لكن زوجته أساءت ذات مرة فهم سمو هذه العلاقة بينه وبين سعاد المطلقة والتي تكبره بعشر سنوات على الأقل, فأصبح يمتنع عن دخول بيت سعاد إلا إذا كانت زوجته مرافقة له.. وليكون صادقا مع نفسه أكثر.. إنه يعترف أنه فكّر أن يتزوج سعاد.. فهي تمثل له امرأة مختلفة.. امرأة طالما حلم بها... امرأة تعرف أن لكل مقام مقال... لكنها شرحت له عذرها حينما ألمح لها ذلك.. إنها رغم التزامها وتدينها فيصعب أن يتقبل أفكارها أي رجل.. إنها لا تؤمن بسيطرة الرجل على المرأة.. وهي تعلم أن القوامة ليست كما يفهمها الرجال الشرقيون... إنها حاجة نفسية في المرأة تجعلها تبحث عمن تأوي إلى كنفه وحمايته.. كما يبحث الرجل عمن تملأ فراغه العاطفي بشلالات حنان متدفقة... لكنها من تجاربها ترى أن الرجل الشرقي يصعب عليه أن يفهم هذا.. وربما يعود السبب إلى أن بعض المورثات من سي السيد المشهور في ثلاثية نجيب محفوظ تلعب دورها في أغلب الرجال.. وعندما اعترض عليها بأن ما تقوله غير صحيح.. ونصحها أن ترى كيف يعامل هو زوجته.. أجابت بالموافقة.. لكنها قالت: زوجتك مختلفة عني... أنا امرأة لا أستطيع أن أخضع لرجل لأنه ينفق علي مثلا... فأنا حقيقة لا يمكنني أن أمد يدي إلى رجل طالبة منه النفقة.. فقد اعتدت أن يكون لي موردي الخاص منذ أن كنت صبية صغيرة عند أهلي..

كثيرا ما كان يقول لها إن أهلها غير زوجها... فتقول: لا فرق.. غالبا كنت أنا من أنفق على البنتين وحتى على أبيهم قبل أن نفترق.. ولم يكن هذا موضع اختلاف بيننا فمن يملك ينفق... وأنت تعرف أني اخترته على الطريقة الغربية عندما كنت أؤمن بأن الرجل كالمرأة سيان.. أما الآن فأنا رغم أني أعترف بأخطائي الماضية.. لكنني ما زلت لا أقبل أن ينفق علي رجل...

قال لها: يا سعاد.. أنت ما زلت تؤمنين ببعض أفكار دعاة النسوية.. ومعنى هذا أنك ينقصك فهم جزء هام في الدين ألا وهو قوامة الرجل على المرأة..

قاطعته قائلة: أنا أفهم القوامة أنها قوامة رحمة وحكمة وتعقل.. وليست قوامة تسلط وإكراه وتحكم.. ثم أرجوك.. أنا لا أطلب تعميم نموذجي على كل النساء.. فأنا أول من تنادي بأن يكون الرجل هو من ينفق على زوجته.. لكنني لا أقبل هذا بالنسبة لي..

قال لها: إذن أنت متناقضة!

أجابت: أبدا.. إن مثل هذه الأوامر الشرعية الموجهة تتعلق بالجماعة لا بالأفراد, وهناك قاعدة شرعية: ليس كل ما يرخص للفرد يشرع للجماعة... فقد يرخص للفرد بأن يعرض عن الدنيا وينعزل عنها إلى حيث يشاء, ولكن لا يجوز اتخاذ الأسباب لتعميم ذلك في المجتمع أو بين الناس؛ وهكذا أمر إنفاق الرجل على بيته برأيي.. فهذا عائد لتراضي الطرفين..

قال لها: والله أنت "لقطة".. سيرغب بك الكثيرون إذا علموا أنك تتنازلين لهم عن حق الإنفاق عليك..

قالت له: بالعكس.. القانون الدولي يقول: من ينفق يشرف.. وأنا هكذا أحل الرجل من الإنفاق وأحله من الإشراف .. وهذا وضع خاص لي .. أرجو عدم تعميمه.. لا يعني ذلك أني أرفض مساعدة زوجي  إذا احتجت .. فزوجي أول من سألجأ له بالتأكيد إذا لزمني المال..

في طريقه إلى بيت سعاد يوم الجمعة اختار أن يأخذ الطريق السريع.. لكن هذا السائق أمامه يتهادى وكأنه يسير على بيض.. إنه مشغول بالكلام مع صاحبه الذي يجلس إلى يمينه...ما إن تجاوزه حتى اعترض طريقه سائق آخر لا يعرف كيف قفز في وجهه من خط الخدمات دون إشارة أو اعتذار.. طبعا لا داعي للاعتذار ما دام الهاتف الجوال يلتصق  بأذنه ويذهله عما حوله.. تدارك مازن الموقف في آخر لحظة ولولا لطف الله لكانت حادثة مرورية بشعة مما يحدث كل يوم في هذا البلد الذي يقود فيه الناس سياراتهم ويفكرون في كل شيء إلا إنهم يقودون سيارات في وسط شوارع فيها سيارات أخرى.. كل منهم يظن أن الشارع له وحده!

ما إن وصل إلى بداية الشارع حيث تقطن سعاد .. حتى اتصل بها مخبرا إياها أنه وصل أمام البيت.. وهكذا كانت بانتظاره أسفل مبنى العمارة .. وهاهي تصعد السيارة في المقعد الأمامي بعد أن اطمأنت على طفلتيها في الخلف..

بعد أن سلم على الطفلتين واطمأن عليهما.. قال لها : هل لك أصل أوربي؟!

ضحكت قائلة: ربما كان جدي هو لويس العشرين! لماذا خطر لك هذا السؤال؟!

أجاب: يعني دقتك بالمواعيد نادرة في مجتمعاتنا العربية, فأنت تعرفين أنه يكفي أن تقولي لشخص سآتي..  ولكن موعد عربي! وأنا عادة عندما أطلب من زوجتي أن تكون جاهزة للخروج, فلا بد أن تؤخرني ساعة على الأقل..

لم تعلق سعاد ... لكنها نبهته بغمغمة أن ابنتيها تفهمان كل شيء وتسجلان كل شيء.. صحيح أنهما تعرفان ما الذي ينبغي قوله وما الذي  يجب كتمانه... لكنهما كثيرا ما تفاجآنها بسؤال لا يخطر على بال.. شيء بقي عالقا في ذاكرتهما الغضة لأيام وسنين .. ربما بحكم حساسيتهما الأنثوية خاصة.

كانت السيارة تشق طريقها إلى الكورنيش الذي كان مزدحما بالناس فقد اغتنم الجميع لطف الجو في ذلك الوقت من العام, ليخرجوا زرافات ووحدانا في يوم العطلة.. توقف عند مطعم السمك... وسألها وهي يعرف جوابها: هل تحبين أن نأكل هنا.. أم نشتري الطعام ونأكل قرب الشاطئ؟

ابتسمت قائلة: أنت تعرف أني من هواة العودة إلى الطبيعة.. كجان جاك روسو..

هز رأسه بأسى مصطنع.. هذه المرأة التي لا يعرف هل هي شرقية أم غربية تحيره فعلا.. اشترى السمك.. وعاد أدراجه إلى السيارة.. وضع السمك المغلف جيدا في صندوق السيارة.. وسألها: نسيت أن أسألك: ماذا يوجد في داخل تلك الأكياس التي أحضرتها معك؟

أجابت: لزوم الجلسة الشاعرية.. وأتبعت كلامها بضحكة كعادتها.. ثم أردفت : السَلَطة يا سيدي والقهوة والشاي والعصير والفستق...

علق قائلا: أشكرك لأنني فعلا أحب السلطة من يدك.. وأما قهوتك فهي أسطورية!

اختارا مكانا مناسبا للجلوس .. وضع مازن سيارته في مكان آمن.. أخرج البساط والأكياس وساعدته سعاد وطفلتيها..

"قريبا من البحر قدر الإمكان".. تعالى صوت سعاد هاتفا به بعد أن أراد أن يمد البساط في مكان بعيد عن البحر...

" يا سيدتي.. إذا اقتربنا أكثر فستأكلنا الحيتان!"

تساءلت هيا البالغة من العمر سبع سنوات ببرءاة: ماما هل حقا ما يقوله عمو مازن؟

ابتسمت سعاد مطمئنة ابنتها: لا.. هو يمزح... إنه يقصد أن البلل سيصيب البساط ويصيبنا إذا اقتربنا أكثر..

بعد طعام الغداء... تناولت الطفلتان علب العصير واستأذنتا والدتهما من أجل لعبة التنس التي أحضر أدواتها مازن, فوافقت سعاد على أن يلعبا قريبا منها..

ها.. إذن .. ما الأمر الهام الذي تريدين أن تحدثيني عنه؟

قالت وهي تسكب له كأسا من الشاي:

- أفكر بالهجرة خارج الوطن العربي..

رشف رشفة من الفنجان.. وقال وهو يضعه أمامه بحذر:

- خذيني معك..

ثم تابع: لكن إلى أين؟؟ جزر الواق واق؟؟

قال عبارته الأخيرة ضاحكا.. ولكن سعاد كانت واجمة كأنها لم تسمعها.. سألها: ما بك؟

- مازن.. أنت ترى أنني لا أستطيع التأقلم كثيرا في هذا المجتمع.. كل كلمة أكتبها يجب أن أفسرها بأنني لم أقصد كذا وكذا.. أتذكر كيف تعرضت للمساءلة ذلك اليوم عندما كتبت في صحيفة عن ذلك الصحافي المغربي الذي وجه نقدا للذات الملكية فعوقب بالسجن ثلاث سنوات رغم أنه يحمل الجنسية الفرنسية.

- ماذا كتبت عندها؟ ذكريني..

-كتبت: ظننت أن الكلمة التي تتبع كلمة الذات ستكون الإلهية.. لأنه لو وجه نقدا للذات الإلهية لما سجن أكثر من شهر.. أو ربما شفعت له جنسيته الفرنسية..

- ولماذا فكرت بالهجرة الآن؟؟

-  أرغب في حصولي على أي جنسية غير عربية ..  أنا لم أر وطنا يرفض مبدعيه مثل هذا الوطن.. ثم يأتي من يتساءل لماذا فقدنا المبدعين في الوطن العربي؟ كأنهم لا يعرفون أن الإبداع لا ينمو إلا في جو من الحرية... كيف يبدع من يداه مغلولتان بقيد الحاجة ؟ كيف يبدع من فمه مكمم بالخوف ؟؟ فمك مسموح لك أن تفتحه فقط لتزدرد اللقمة .. أما لتقول كلمة...  فهيهات...

- ألم أقل لك أن تتزوجيني؟؟ أستطيع أن أمنحك الجنسية الأرجنتينية التي أحملها ..

رغم تبسمه فإن سعاد لم تبادله ابتسامته بمثلها.. قالت:

- أنت مخطئ إذا فكرت في الزواج ثانية.. فزوجتك مجنونة بك.. وربما فعلت شيئا بنفسها إذا تزوجت عليها.. هذا أولا.. وأما ثانيا يا بني...

قاطعها معترضا: ما هذه يا بني؟!

انفرجت أسارير وجهها وقالت بنبرة ضاحكة: أنت تصغرني بعشر سنوات.. وأنا عندي طفلتان.. ولا أريد لهما أخا حاليا!

قال معقبا بفكاهة: إذا لم تقبلي أن أتزوجك.. فعليك أن تهيئي ابنتك سلمى لتكون مثلك.. وتزوجيني إياها..

- على الرحب والسعة.. هذا يوم المنى.. لكن لا تتوقع أن ابنتي ستكون مثلي.. أما سمعت ما يقوله الشاعر هوفمان؟

هذه المرأة مرة أخرى تمزج الغربي بالشرقي.. وتخلط المزاح بالجد… وتجمع بين النضج والطفولة..

- ماذا يقول صديقك هوفمان؟

- "تجاربي ستنزل معي في قبري.. وهناك في الأسفل لا أحد يرث الآخر!"

- أنت تؤمنين بحرية البشر بالتجربة؟

- انظر.. عندما قرأت السيرة الذاتية لميخائيل نعيمة, أعجبني صدقه وصراحته, فقد ذكر أنه تخلى عن المسيحية لأنه لم يستطع أن يقبل فكرة المخلص التي تقول بأن شخصا يصيبه الشر من أجل خير الكل.. ولكنه صرح أيضا أنه لم يفكر بالإسلام لأنه لا يرضى أن يمنع من حقه بتجربة الخير والشر..

- وأنت بماذا تؤمنين؟

- لا.. أنا الآن غير ما كنت عليه منذ عدة سنوات.. يعني أؤمن أن اتباعك المنهاج الرباني الذي اختاره الله لك هو أفضل... لكنني أصارحك أنني لو لم أقم باختبار بعض التجارب على نفسي لما وصلت إلى ما أنا عليه من النضج..

- لكنك ما زلت تدفعين ثمن تجاربك يا عزيزتي!

- صحيح.. لكنك إذا قلتَ أنك لم تخطئ أبدا فمعنى ذلك أنك لم تفعل شيئا.. ربما هذا ما يقوله إينشتاين... ولكنني أحب قولا آخر أيضا.

- ما هو؟

- بينما يتردد شخص لئلا يقع في الخطأ يستغرق آخر في الأخطاء ليصبح متفوقا..

- ولهذا أنت متفوقة؟!

- أنا لا أقول أني متفوقة.. ولكن أقصد أن لا نحجر حرية الفرد في التجربة ... يعني آدم نفسه لو لم يجرب أن يذوق الشجرة المحرمة.. لما كان قد وصل إلى حقه في خلافة الله في الأرض.. كان يجب أن يخطئ في الجنة كي لا يخطئ على الأرض..

- من أين لك هذه التفسيرات التي تأتين بها؟؟

- ليس ذنبي أنك لم تقرأ ما كتبه ابن القيم في كتابه القيم ( الفوائد)!

تساءل متعجبا: وما الذي كتبه؟ أنا أذكر أني قرأت هذا الكتاب منذ زمن!

فتحت حقيبة يدها وأخرجت منها قصاصة ورق وقرأت:

" إياك والمعاصي فإنها أذلت عز ( واسجدوا) وأخرجت إقطاع ( اسكن )..

" يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق ألف سنة.. ما زال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص.. ويرسلها مع أنفاس الأسف.. حتى جاءه توقيع ( فتاب عليه )..

" فرح إبليس بنزول آدم من الجنة.. وما علم أن هبوط الغائص في اللجة .. وخلف الدرّ صعود..

" كم بين قوله لآدم: ( إني جاعل في الأرض خليفة ) وقوله لإبليس: ( اذهب فمن تبعك منهم )؟ ما جرى على آدم هو المراد من وجوده:( لو لم تذنبوا... )

- جميل هذا الكلام.. ولكن عودا على كلامك أنت فلا شك أنك ترين كيف أن أبناء آدم قد ملؤوا الأرض أخطاء!

- وهذا ما نقلته لك عن الشاعر هوفمان.. يجب أن لا نمنع أبناءنا من التجربة.. ولكن لا مانع أن نمنحهم شيئا من النصيحة..

- لكن ألا ترين معي أنه لو كان مسموحا لكل جيل أن يعيد تجارب الجيل الذي سبقه لما تطور البشر ولبقينا عند مرحلة اكتشاف النار!

- آه.. هنا نختلف.. فالحقائق العلمية غير الوقائع النفسية.. والحكمة تقول: إن العاقل من يتعظ بغيره.. ولكنني حقا أرى أن الإنسان الذي يتعظ بغيره يجب أن يوصف بأنه حكيم.... أما العاقل فهو الذي يتعظ من أخطائه...

- وهل هناك من لا يتعظ بأخطائه؟!

- طبعا.. هناك الحمقى والمغفلون.. هؤلاء ربما يخطؤون نفس الخطأ في كل عام مرة أو مرتين!

ربما لأن ذاكرتهم قصيرة..

ثم أردفت بإنكليزية سليمة:   they have short memory

- وأنتِ من أي القوم؟

- أنا عاقلة غالبا.. وأحيانا حمقاء...

ثم تابعت ضاحكة:   وربما أصبح حكيمة بعد عمر طويل!

طلب كأسا آخر من الشاي قائلا: شايك لذيذ حقا.. لكن متى نشرب القهوة؟

أجابت: لا تستعجل على رزقك..الوقت ما زال أمامنا طويلا... ولن نتحرك قبل غروب الشمس.. فأنت تعرف أن الرطوبة والحرارة والانشغال لن تسمح لنا بفرصة أخرى.. أين وصلنا في الحديث؟

قال: كنت تتكلمين عن حرية التجربة ..   لكنني  لا أوافقك على أن يتحول الناس في مجتمعاتنا إلى فئران تجارب.. فنطبق عليهم تارة بعد أخرى تجارب زادت في توهان البشرية..

- يا سيدي سواء وافقت أم لا , فهذا هو ما يحصل فعلا... ولكنني هنا أيضا أقصد حرية الفرد بالتجربة.. وليس المجتمع... وأنت تعرف أن المجتمعات عندما كان يسودها الإسلام الحضاري حقا لم تقيد من حرية الفكر والرأي كما هو الحال الآن.. ما يحصل الآن أنه كلما استلمت أمة السُّلطة لعنت أختها وحرمت فكر من سبقها... والشعوب خاضعة خانعة ..

صاحت فجأة : أين كنا في بداية النقاش؟ كيف دخلنا في لعبة السياسة التي أكرهها؟

- نعم.. كنت تفكرين بالهجرة!

- نعم وما زلت!

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |