|
صدق شكسبير حين قال الغزالة جميلة مادمنا نطاردها حتى اذا ظفرنا بها زال جمالها ...
كذلك محاورتُنا إنها امرأة يستعصى عليك الظفر بها أو
تملكها فهي حرة متجددة تذهب يمنة ويسرة وتتجاوز
المحظور المتوهم بحثا عن الحقيقة...
تدق أبواب الحياة الاجتماعية بيد حانية آمنت بالله ومن
ثم بالإنسان ونضَّرت فكرها بالتقاء أنوثتها مع وصايا
ربها.. إنها ليلى الأحدب أنفس من الحرير والألماس..
أُحبُّها حبَّين: حب لأنها امرأة فاعلة تعيش من أجل
الله والإنسان.. وأحبُّها لمواقفها النبيلة معي
شخصيا.. ومع هذا الحب فأنا أشاكسها وأشاغب عليها
وأستنطق ذخيرتها العلمية ووجدانها الحي..
عرفتها أمية في الاحتكام إلى الأعراف الفاسدة.. ولكنها
عالمة بدينها تدفع بالعقل ليقرأ.. وتسخر من القوانين
والزعامات الموهومة والقناعات الزائفة..
فلنستمع إلى همساتها وصراخها أحيانا وإسعافها ونجدتها
وأمنها وأمانها.. هدفها الأول أنت أيها الإنسان فعش
ساعة مع ليلى وكن أنت قيس الحقيقة
القسم الأول :
في التربية
1-
هل الثقة بالنفس ثمرة للنضج العقلي أم إن التصرفات
السليمة والتي تنبع من النضج العقلي مقرها الثقة
بالنفس؟ أي من يصوغ الثقة بالنفس؟
ج: الثقة بالنفس ليست ثمرة للنضج العقلي بالضرورة, كما
أن النضج العقلي المؤدي إلى التصرفات السليمة ليس
ناتجا عن الثقة بالنفس, فبعض الأطفال يكون لديهم ثقة
بالنفس أكثر من بعض الناضجين, ولا عجب في ذلك إذا
تذكرنا قولا لأحدهم نقله ديل كارنيجي في كتابه "دع
القلق وابدأ الحياة" جاء فيه:(نحن نصل إلى سن النضج
ولسنا نعرف عن الحياة أكثر مما تعرفه الديدان عن رقصة
الباليه).
الثقة بالنفس هي سمة من سمات الشخصية التي تتكون منذ
الطفولة, ومردّها ككل صفات الشخصية إلى أمرين: الوراثة
والتربية, لذا فأرجو ألا تتفاجأ إذا أخبرتك أنه ليس من
الضروري أن تكون التربية السليمة هي المؤدية إلى الثقة
بالنفس, فالسمات الوراثية لا تختص فقط بالصفات
الخَلقية بل تتعداها إلى الصفات الْخُلُقية, ويدعم
كلامي هذا علمياً بما يسمى الذاكرة الوراثية التي
تنتقل عبرها الصفات الطبعية من الأبوين إلى الأولاد؛
علماً بأنه ليس من السهل دائما التفريق بين الصفة من
حيث كونها وراثية أو مكتسبة, ولكني أعتقد أن مشكلة
الأشخاص الواثقين من أنفسهم بالوراثة أنه يصعب عليهم
غالباً التفريق بين الثقة بالنفس وبين الغرور, لأنه لا
يد لهم في اكتساب هذه الصفة, وذلك عكس الذي يكتسب ثقته
بنفسه عبر تربية واعية سواء كانت في الطفولة أو من
خلال تربية الشخص لنفسه بعد إدراكه لأهمية الثقة
بالنفس كنقطة قوة في الشخصية؛ لذلك إذا تجاوزنا الشق
الوراثي وانتقلنا إلى الشق التربوي فإن بإمكاننا القول
إن التربية تبدأ من الصرخة الأولى لميلاد الطفل,
والسؤال: كيف يمكن أن نشكّل عضوا جديدا في الأسرة
تملؤه الثقة بالنفس؟
في البداية يكون دور الأم مهما جدا في تشكيل شخصية
الطفل, وذلك بإشعاره بالحب والأهمية الذاتية, وللأسف
فإن كثيراً من الأمهات يفتقدن التوازن بين الحب والحزم
في تربية الطفل, فليس معنى حب الأم لطفلها مسارعتها
لحمله بمجرد أن يبكي أو يصدر أي همهمة, ويكفي أن تكون
متأكدة من عدم وجود سبب لبكائه فتتركه يبكي لأنه سيسكت
بمفرده, وهذا لا يعني قسوتها عليه بالطبع لكن المقصود
أن يبدأ الطفل شعوره بالاستقلال باكرا ما أمكن, فإذا
كانت أمور كالاحتضان والقبلات والملاعبة ذات أهمية
كبرى في شعور الطفل بأنه محبوب, فلا يعني ذلك أن تبقى
والدته مقيدة به ورهن إشارته هي أو أي فرد آخر في
الأسرة, لأن ذلك يشكل لديه مفهوما خاطئا وهو أنه محور
الكون وقد يصبح مستبدا صغيرا في البيت بعد أن يكبر,
ويختلط هذا على الأم غير الواعية فتظن أن لديها طفلا
واثقا بنفسه, وهو في الحقيقة ليس كذلك, وسيقطف ثمار
هذه التربية مستقبلا عبر استبداده بالآخرين, فمن شب
على شيء شاب عليه.
وجود الأب في حياة الطفل هام جدا إذا كانت علاقته
بالأم سوية, فعندما يسود جو البيت الحب والتفاهم
والاحترام فإن الطفل ينشأ على احترام كبير لذاته
وللآخرين ويتبلور هذا بثقته بنفسه مستقبلا, أما عندما
تضطرب سفينة الحياة الأسرية ويتحول البيت إلى مكان
للخصام والبغضاء فإن ذلك ينعكس على نفسية الطفل وعلى
نظرته لنفسه, فبعض الأطفال الذين ينشؤون لأبوين
علاقتهما غير مستقرة يصبحون عدائيين بشكل كبير, وبعضهم
الآخر يستخدم ذكاءه للعب على أوتار علاقة الأبوين
السيئة فيتحول إلى منافق منذ نعومة أظفاره, يحاول أن
يرضي أحدهما في غياب الآخر, فيلجأ للاحتيال والكذب
والنميمة, وبينما يعتبر قسم كبير من الأطفال أنهم
مسؤولون عن أخطاء الوالدين وعلاقتهما غير السوية فإن
القسم القليل جدا من الأطفال لا يتأثر بعدم استقرار
علاقة الأبوين ويعيش حياته متأقلما مع هذا الجو
ومتقبلا لكليهما, وهذا القسم النادر يوجد في المجتمعات
الغربية المتقدمة حيث ينشغل الأطفال بالهوايات النافعة
والمسلية ويجدون أحيانا احتواء معاوضا في المدرسة.
لن أسترسل أكثر في الإجابة على هذا السؤال ولكن لا بد
أن أذكر ما أفهمه من عبارة النضج العقلي التي
استخدمتَها, وهي أنها النضج النفسي أو نضج الشخصية,
فهذا النضج يتكوّن عبر التجربة التي تؤدي إلى اكتساب
الخبرة في الحياة, وكلما استطاع المرء أن يتقبّل نفسه
بعد تجربة خاطئة أو يقبل بوضعه بعد مصاب أليم وكلما
كانت قدرته أكبر على التحرر من ماضيه دون شعور مرير
بالفشل كلما ساعد ذلك على زيادة ثقته بنفسه, وهكذا
يمكن أن نفهم كيف يمكن للمرء ذاته أن يستعيد ثقته
بنفسه التي قد يفقدها بسبب اختلال توازنه نتيجة لخطوة
غير محسوبة في مسار حياته أو نتيجة لبلاء رباني أو حتى
طعنة غدر من أحد المقربين.
2-
ماهي اللوحة التشكيلية للثقة بالنفس هل هي العقل اليقظ
أم الإرادة النافذة أم من كليهما تتشكل مفاهيم
الاقتحام والثقة؟
ج: مرة أخرى تبدو مصراً على موضوع الثقة بالنفس, وإذا
كنت قد تعرضت في جوابي السابق لدور الأسرة لأن سؤالك
كان عائماً بين التربية الوالدية والتربية الذاتية,
فإنه يبدو جليا هنا أنك تقصد الثقة بالنفس التي
يكوّنها الشخص بعيدا عن تربية الوالدين؛ لذا أرجو أن
تعلم أن هذه اللوحة التشكيلية التي تسأل عنها تتكون من
عدة ألوان؛ فإذا كانت هوايتك التشكيل الذاتي الهادف
فإن أرضية الثقة بالنفس هي حب الذات, وإذا لم تمنح
ذاتك كثيرا من ألوان الحب فإنك لن تستطيع إضافة أي
ألوان أخرى لأن لكل شيء قواعد بما فيه الرسم التشكيلي
وبناء الذات والثقة بالنفس.
المشكلة أنه كثيرا ما يختلط مفهوم حب الذات مع
النرجسية, مع أنه من السهولة بمكان التفريق بينهما
فالنرجسية هي حب الذات مع عدم رؤية أي ذات أخرى غيرها,
أما حب الذات الذي أتحدث عنه هنا فهو التلطف بالنفس
والتفهم لها وتقبل نقاط ضعفها, وتقبل نقاط الضعف لا
يعني القبول بها كسمة أبدية, بل إنه الخطوة الأولى
للعمل على التخلص منها؛ وهنا كما ترى لا بد من عقل يقظ
يمكنه التبصر بداخل النفس لمعرفة كل ما في أغوارها,
ولكن المرء أيضا بحاجة إلى إرادة نافذة كي يمكنه تغيير
نقاط الضعف أو على الأقل إحاطتها بسور وعدم السماح لها
بأن تظهر بمناسبة وغير مناسبة؛ وكي يكون كلامي بعيدا
عن التنظير يمكن أن أضرب لك بمثال: لديك طفل في البيت
بحاجة إلى تربية كأي طفل آخر, فلا يمكنه أن ينشأ سويا
إذا لم تشعره بحبك له, وكذلك فإنه لا يمكن أن ينمو
ويتطور ويتجاوز متاعب الطفولة وإرهاقات المراهقة إلا
بملاحظة عيوبه والرفق به لمساعدتها على تغييرها, وكما
قال البوصيري رحمه الله: والنفس كالطفل إن تهمله شب
على حب الرضاع/ وإن تفطمه ينفطم.
ما يفوتنا كثيرا هو أن العقل اليقظ وحده ليس كافيا
لامتلاك البصيرة, ولا بد من الإيمان العميق بالله,
وهذا العمق لا يمكن حيازته بين عشية وضحاها, ولا بد من
ابتلاءات أو بالتعبير القرآني:(أم حسبتم أن تدخلوا
الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم: مستهم
البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا
معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب). (وليعلم
الله من ينصره ورسله بالغيب) ومن نصرة الله بالغيب أن
تؤمن بقضائه وقدره, ومن الانتصار لسنن الله والرسل أن
يعلم المرء متى يجب عليه الرضا بالقدر ومتى ينبغي عليه
أن يستعمل كل أدواته ووسائله للتغيير.
3-
استعادة العافية للذات والثقة بقوتها وما يمكن أن
تحدثه يختلف عن النفسية المتشكية التي تكثر من ادعاء
التظلم والـتأوه.. كيف نرتقي بنفسية المتشكي إلى عتبة
وميدان الواثق المغامر المتريث العاصف الذي يقدم بلا
خوف؟ وماهي ملامح الذات المعافاة (الصورة والتجليات)؟
ج: يذكرني سؤالك هذا بقول رسول الله عليه الصلاة
والسلام:(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك, واستعن بالله
ولا تعجز, ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا فإن "لو"
تفتح عمل الشيطان)
لاحظ أن الحديث يعني أنه لا بد من وجود مؤمن قوي ومؤمن
ضعيف, ولا يمكن مهما حاولنا أن نرقى بالمؤمن الضعيف
ليصبح مؤمنا قويا إذا لم يقتنع هذا الضعيف بأن هذا
واجبه بالدرجة الأولى, فالمريض لن يوافق على ابتلاع
الدواء إذا لم يقتنع أنه مريض, ولن يستمع لنصائح
الطبيب في الحمية التي هي أصل كل دواء, ولن يستطيع
الطبيب أن يجبره على فعل أي شيء, لذا فالخطوة الأولى
هي بإقناع هذا المتشكي المتظلم بقول الله
سبحانه:(أفلما أصابتكم مصيبة قلتم أنى هذا؟ قل هو من
عند أنفسكم).
إذا اقتنع هذا المتشكي أن الظلم الواقع عليه قد شارك
به هو, ومن ثمّ استطاع أن يعترف بخطئه سواء كان خطأ في
اختيار شريك الحياة أو خطأ في تربية ولد أو حتى خطأ
مجتمع بأكمله بقبوله بانتشار عادات وتقاليد خاطئة دفع
الفرد ثمنها, أو أي شيء فردي أو مجتمعي مشابه, فهي
الخطوة الأولى لتجاوز عقبة التشكي والتظلم, لكن شرط
ألا يتحول هذا الاعتراف بالخطأ إلى بكاء على اللبن
المسكوب, بل يعني وضع الإصبع على موضع الألم وسبب
الشكوى ومحاولة الإصلاح.
ملامح الذات المعافاة: هي ذات مؤمنة واثقة متفائلة
محبة لفعل الخير مطمئنة ودودة كريمة مشاركة للآخرين في
آمالهم وآلامهم لا تعرف الكره ولا الحسد ولا الحقد
متسامحة إلى أبعد الحدود, وإن كانت هذه الذات رغم
معافاتها قد تمر بين الفينة والأخرى بما يهز عافيتها
وثباتها في وجه الأعاصير, وأنا أقصد من وراء هذه
الكلمات أن أنبه الشباب والفتيات الذين يطرحون مثل هذه
التساؤلات وأكثر منها ويعتقدون أن الوصول إلى طمأنينة
النفس شيء نهائي, فالحقيقة أن المؤمن -كما شبهه وليم
جيمس - محيط عميق متلاطم الأمواج لكن في قاعه الصفاء,
فالمؤمن واثق بربه ومع ذلك فإن الضعف البشري لن يتخلى
عنه حتى لو بلغ مراحل متقدمة من مرتبة الإحسان, وهذا
الضعف البشري هو الذي يجعله أقدر على معانقة مفاهيم
العبودية لله, وقد يمكن التمثل هنا بقول بديع لابن
عطاء السكندري:(خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك).
4-
أيهما أقدر على إحياء الثقة بالنفس: مبدأ الرقابة
والمحاسبة (إحياء الضمير الذاتي ) أم الاستماع لنقد
وتقييم الآخرين أم ثمة طريقة ثالثة؟
ج: أعتقد أننا إذا نظرنا لمفهوم الثقة بالنفس من ناحية
نفسية بحتة, فإنه يصعب إيجاد تقاطعات بينها وبين
الرقابة والمحاسبة, أما إذا أشركناها بمفاهيم دينية
حيث يدرك المرء أنه بشر ضعيف وبحاجة إلى يد الله
تساعده وتسنده في كل وقت, فهنا فقط يمكن أن نقول أن
الضمير الذاتي الحي هو عامل من عوامل ترسيخ الثقة
بالنفس, فعندما يكون المؤمن مرتاح الضمير فهو بلا شك
أكثر ثقة بنفسه, أما غير المؤمن فقد يكون واثقا بنفسه
مساعداً لغيره رغم خلوّه من الإيمان, وهذه حالات
رأيناها وعايشناها, بل لقد ذكرها الله تعالى بقوله:(لا
خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بمعروف أو صدقة أو
إصلاح بين الناس, ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف
نؤتيه أجرا عظيما) فالشطر الأول من الآية يصف حالة
الناس الخيّرين عامة: مؤمنين وغير مؤمنين, وأما الشطر
الآخر فهو وصف لحالة المؤمن الذي يقوم بفعل الخير بسبب
باعث الإيمان بالله وطلب رضاه؛ وأنا هنا أيضاً إذ أؤكد
على هذه المفاهيم فإنما ذلك بقصد عدم إخراج الناس من
دائرة الخير إذا لم يكونوا مؤمنين, فالإيمان بالله ليس
بالضرورة مترافقاً مع الثقة بالنفس, وكذلك فإن غير
المؤمن الواثق بنفسه قد يفعل الخير سواء بأمره
بالمعروف أو بطرد الفقر أو الإصلاح كما توضح الآية,
وهذه المفاهيم تساعدنا على مدّ أيدينا لجميع الناس, من
سبقنا بالمعروف فلتكن مصافحة شكر, ومن سبقناه فلتكن
مصافحة تعريف بديننا وإيماننا وأعمالنا الصالحة التي
ننال بواسطتها الحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسن
في الآخرة.
حول الشطر الثاني من السؤال وعلاقة الاستماع لنقد
الآخرين وتقييمهم بثقة المرء بنفسه, فمما لا شك فيه
أننا كلما كنا أكثر ثقة بأنفسنا ويقيناً بنوايانا
الخيرة كلما تقبلنا نقد الآخرين لنا سواء اعتقدنا
بصوابيته أم لا, وكلما كانت قيمتك أكبر كلما كان النقد
الموجّه إليك أكبر, وبقدر ما تجتهد وتعمل بقدر ما تصيب
وتخطئ, ومن لا يريد أن يسمع نقد الآخرين فعليه أن يكفّ
عن الإنتاج, وبالطبع فإن النقد البناء يجب أن يتقبله
المرء المخلص لمبادئه كهدية ثمينة (رحم الله امرءاً
أهدى إلي عيوبي) والسؤال الهادف: كيف يكون النقد بنّاء
ليتقبله الآخر؟ والجواب: عندما يهتم النقد بالفكرة دون
أن يوجه السلاح لصاحب الفكرة بهدف القضاء عليه لأنه
جاء برأي مخالف, أي عندما يكون النقد موضوعيا بعيدا عن
الذاتية وذلك كي يقبله الآخر, وإلا فإن النقد الجارح
لن يكون هدفه إظهار الحقيقة إنما إظهار مدى التمسك
بالرأي واتهام المخالف.
تسأل: هل ثمة طريقة ثالثة لإحياء الثقة بالنفس؟ وأقول:
نعم, وهي مرة أخرى: بتقبل النفس رغم التجربة الخاطئة
لتتمكن من الاستفادة من الخطأ وعدم تكراره, وهكذا يكون
الخطأ مساعداً على الارتقاء بالنفس والثقة بها
وإيصالها إلى مرحلة النضج.
5- هناك اصطلاح تربوي شائع وهو (التخلية قبل التحلية )
والنفس القلقة التي تساورها الشكوك بالضعف وعدم
المقدرة على الإنجاز, هل الخطوة الأولى لتحليتها
بالقوة والثقة هي تخليتها وهل من وضوح في تذليل عوامل
القلق؟
ج: هذا اصطلاح لإخواننا الصوفية وأساسه: الذكر: تخلية
وتحلية, وهو مناسب لسؤالك عن القلق لأن من أهم عوامل
القضاء على القلق هو ذكر الله:(ألا بذكر الله تطمئن
القلوب), وفي الحقيقة أنا أنصح كثيرا باتخاذ ورد للذكر
كنوع من "اليوغا الإسلامية", فاليوغا هي طريقة للتركيز
والتأمل والتبصر بالنفس, وسأسمح لنفسي بالاستطراد هنا
لأنني أتحدث عن أمر جدلي, فقد أظهرت
دراسة أجريت على مجموعة من الرهبان البوذيين، نشرتها
الأكاديمية الاميركية الوطنية للعلوم من أن ممارسة
التأمل لمدة طويلة تحدث تغييرات فيزيولوجية في الدماغ؛
ولقد قارن فريق من
الباحثين في جامعة ويسكنسن في ماديسون، بين مجموعة من
عشرة طلاب متطوعين مبتدئين في
مجال التأمل تبلغ أعمارهم وسطيا 20 عاما، ومجموعة من
الرهبان التيبتيين الذين مارسوا خلال حياتهم بين عشرة
آلاف وخمسين الف ساعة من التأمل ومعدل أعمارهم 45
عاما؛ ولاحظ الباحثون بواسطة أجهزة تخطيط الدماغ «وجود
ارتفاع كبير في موجات غاما ذات الترددات المرتفعة» لدى
الرهبان البوذيين فيما بدا وجود هذه الموجات قليلا عند
الطلاب. وبينت جميع الاختبارات أن النشاط الفكري
الدماغي أعلى بكثير لدى الرهبان مقارنة بالطلاب الجدد؛
وبين الرنين المغناطيسي أن النشاط الدماغي في الجزء
الأمامي الأيسر من الدماغ مرتفع عند الرهبان، وهذه
المنطقة في الدماغ مسؤولة عن المشاعر الايجابية. وقد
هيمن نشاط الجهة اليسرى على اليمنى المسؤولة بدورها عن
المشاعر السلبية والقلق. وتظهر هذه الدراسة أن الدماغ
كباقي الجسم، تحدث التمارين فيه تغييرات فيزيولوجية،
تماما كما تؤدي التمارين الرياضية الى زيادة حجم
العضلات في جسم
الانسان.
أتيت بهذا المثال عن الرهبان البوذيين لأقول: أن هناك
طرقا للتأمل يمكننا الاستفادة منها, فحياتنا أصبحت
معقدة كثيرا ولا بد للمرء من خلوة مع نفسه يوميا
ليستطيع تأمل ما بداخلها من قلق وإحباط وخزي وكل ذلك
يتصارع مع صفات كالغلو والعجب بالنفس والتكبر, ولا بد
أن يمتلك القدرة على مسامحة نفسه والآخرين كي يتخلص من
القلق الناجم عن العلاقات أيا كانت, ولكن لا ننسى أن
هناك قلقاً سلبياً مَرَضياً هو الذي يجب أن نتعلم كيف
نقضي عليه بالعلاجات الإيمانية والعقلانية سواء
السلوكية أو المعرفية, وقلقاً إيجابياً صحياًَ يمكن
تشبيهه بانقباضات العضلة قبل القيام بعمل مخصص, فلولا
انقباض العضلة لما أمكن فعل أي شيء حتى لو كان مجرد
الإمساك بالقلم, ومن ثمّ فإن حدوث هذا الانقباض يتبعه
استرخاء, وعندما يكون العمل إبداعيا غير تقليدي فإن
القلق يكون على أشده, والحالات الإبداعية لا يمكن أن
تتم بدون حالات نفسية مرافقة قد تكون مرهقة أحيانا وقد
يكون المخاض عسيرا لكن ما دامت النتيجة إبداعا وتدفقا
وعطاء فهذا قلق مرحَّب به.
لا أفضل الغوص وراء إجابات أكثر طولا وتعقيدا بل أحيل
السائلين إلى كتب علم النفس المتخصصة وربما كان مفيدا
الاطلاع على تجربة الإمام أبو حامد الغزالي والاكتئاب
الذي اعتراه قبل أن يقرر السياحة في الأرض واعتزال
الناس للوصول إلى الحكمة, ووحده الجسور من يستحق
الحلوة.
6- هناك رؤى تربوية متوارثة شبت عليها أجيالنا وهي أن
كثرة الاختلاط توجب التخليط أي كثرة الدوائر
الاجتماعية المتعددة في التعارف والتعامل تحيل الإنسان
إلى عدم المقدرة على التركيز والثقة في نفسه نتيجة
تقلبات معارفه وأمزجتهم ونظرته إليهم وكما يقال الصاحب
ساحب, سؤالي كيف نملك مفاتيح العمل والعيش في الحياة
ونحن نرقب حقوقنا وعدم الحيف بحقوق الآخرين؟
ج: هذا القول (كثرة الاختلاط توجب التخليط) فيه شيء من
الحقيقة, وكثيرا ما استخدمها المربون والشيوخ ليساهموا
في صقل نفوس الناشئين والمريدين بدون تأثيرات خارجية,
وقد يكون هذا بنيّة صادقة أن يجنّبوهم عنت التجارب
والمعاملة مع الآخرين, ولكن قد يكون أيضا بنية تختلط
حتى على أكثر الشيوخ حرصاً على مريديهم, ألا وهي
استنساخ أشخاص مقلدين للشيخ, فيسهل قيادهم وتنعدم
استجابتهم على أي أمر يأتيه, كما أنه يدل على نرجسية
الشيخ وتضخم ذاته دون أن يشعر بمرضه النفسي وهو من
يفترض فيه علاج الآخرين المرضى.
لذا أقول إن طريقة العزل طريقة لها نتائجها المريرة
على الصعيد التربوي سواء استعملها الآباء أو الشيوخ,
لأنها تؤدي إلى الحصول على جيل بدون تجارب فتفقد
الحياة تنوعها وزخمها وجمالها الذي لا يوجد إلا بوجود
الناس المختلفين.
أفضل طرق التربية برأيي هي تلك التي تعتمد على إشعال
الوعي في نفس الناشئ أو المريد؛ كلٌّ حسب سنّه ونوازعه
الشخصية وموروثاته البيئية, وأهم ما يمكن التذكير به
في هذا الباب أن 1+1=2 صحيحة فقط في الرياضيات لكنها
خاطئة في العلوم الإنسانية كلها خاصة علم النفس
والتربية, فما يَصلُح لولد لا يَصلح للآخر, وما يُصلِح
مريداً لا يُصلح غيره.
إذا سلَّحنا الناشئ بالمعرفة النظرية المناسبة لسنّه
ولوعيه وبأوليات الخبرة العملية التي يحتاجها في
مواجهة تجارب الحياة, فمن المفيد أن نتركه ليكوّن
تجربته الشخصية سواء باختيار أصدقائه أو بلورة
اتجاهاته, مع المراقبة عن بعد وبحيادية دون تغليب
العواطف, مع القيام بالإرشاد في أحيان قليلة حين نجد
أن تدخلنا أضحى ضروريا لإنقاذه قبل فوات الأوان, لكن
دون أن نلبس ثوب الواعظ الممل الذي لم يخطئ في حياته
فكلنا بشر وكلنا أخطأنا, ومن حق غيرنا - وأولادنا
تحديدا - أن يكون لهم تجاربهم الخاصة ليحصلوا على
خبرات شخصية تزيد غنى نفوسهم وتثري أعماقهم, علماً بأن
الحرية التي نمنحها لأولادنا يجب أن تكون حرية مضبوطة
بضمير ذاتي حي وعقل متفتح يقظ واعتماد على الله كبير,
وعندها فلن يقعوا في أخطاء قاتلة, وإذا كان ثمة أخطاء
فيمكن استثمارها في تجنب أخطاء أكبر مستقبلا.
أما مسألة الحقوق فهي مسألة تربوية أولية وذلك بإفهام
الطفل منذ نعومة أظفاره بمعنى الملكية ومعنى أن
للآخرين الحق في أن يتمتعوا بما يتمتع به هو, وهنا
أكرر مرة أخرى أن حرية التجربة لدى الناشئ تساعده على
تكوين قناعات خاصة به وبالآخرين, وأضرب مثلا من حياتي
الشخصية فقد كنت أقرأ عبارة (عامل الناس كما تحب أن
يعاملوك) وأنا في المرحلة الابتدائية وكانت لا تعجبني
ولذا كنت أفضّل عبارة (عامل الناس كما يعاملوك) ورويدا
رويدا كوّنت اتجاها آخر بمجرد وصولي إلى المرحلة
الثانوية أن العبارة الأولى هي الأصح, وعندما فهمت
الآية القرآنية: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك
وبينه عداوة كأنه ولي حميم) اقتنعت بأن الإنسان يجب أن
يكون هو المبادر في معاملة الناس بالحسنى ليلقى لديهم
مثلها, ووصلت هذه القناعة إلى المرحلة النهائية من
الرسوخ عندما قرأت ما يؤكدها في كتب علم النفس.
القسم الثاني :
في المرأة :
1-
في حين ثمة إصرار على تحريم الوأد الجسدي فإن الكثير
من أساليب التربية والتعامل مع الأنثى تخضع لوأدها
اجتماعيا وفكريا ؟ ماسبب المفارقة هذه؟
حرم الإسلام وأد الأنثى وهو دفنها حية وقد كانت عادة
جاهلية معروفة لدى بعض القبائل العربية, وسببها خوف
العربي من أن يلحقه العار الذي قد ينجم عن الأنثى
نتيجة علاقتها بشخص ما خارج الزواج, أو سبيها في
الحروب وتعرضها للاغتصاب من الجيوش الغازية, أو غير
ذلك من الأسباب, وهذا الوأد الجسدي كان سلباً لحق
الحياة من الأنثى, لكن لا ننسى أن العادات الجاهلية
كانت تسلب الأنثى الكثير من الحقوق الإنسانية والمدنية
والاجتماعية؛ وعندما جاء الإسلام وأمر بمساواة الرجل
والمرأة في هذه الحقوق كافة على صعيد المجتمع فقد
انمحت هذه الممارسات الخاطئة من المجتمع المسلم,
وتبوأت المرأة مكانة عليا لم تكن تحلم بها, فقد أصبحت
تناقش الرجل سواء كان في أسرتها أو خارجها والأمثلة
أكثر من أن تعد وتحصى, كما تحملت معه كل أعباء الدعوة
وشاركت في بناء المجتمع المسلم وفي الجهاد وهو من أخطر
الأمور وأكثرها دلالة على مكانة المرأة وأهمية أدوارها
المدنية والاجتماعية والسياسية وأنها لا تقل عن أدوار
الرجل؛ وبما أن من طبيعة هذا الدين العظيم تلبية فطرة
البشر والمحافظة على مصالحهم الأسرية والاجتماعية, فمن
الطبيعي أن يكون دور المرأة أقل ظهورا من دور الرجل,
لأن دورها الأول هو في الأسرة ورعاية الأطفال والزوج,
لكن هذا لا يعني ما أراده بعض مفسري القرآن الكريم
وبعض رواة الحديث, الذين أقحموا مزاجهم في الموضوع,
فنجم عن ذلك تهميش كلي للمرأة ونظرة دونية إليها سواء
من حيث أنها قليلة العقل وناقصة دين أو أنها عورة
وفتنة يجب كبتها وحبسها وضغطها, ويمكن لنا أن نتذكر
مثلا موقف ابن عبد الله بن عمر الذي أراد منع زوجته من
الصلاة في المسجد رغم وضوح الحديث الشريف ورغم أن
الراوي هو والده عبد الله لنستدل به على تجاهل النصوص
المقدسة مقابل تكريس مفاهيم مزاجية نابعة من غيرة
زائدة على المرأة أو ظن سيء بها؛ وإذا رجعنا إلى كتب
التراث الفقهي الإسلامي لوجدنا بعض هذه الآراء هي
السائدة في بعض البيئات إلى الآن, كتحريم مشاركة
المرأة في المجتمع واعتبار وجود المرأة فيه - حتى لو
كانت ملتزمة بستر مفاتنها الأنثوية- طامة كبرى, وهذا
هو الفقه المعتمد على مبدأ سد الذرائع واعتبار هذه
القاعدة هي الأصل في الشريعة مع أن الأصل في الأمور هو
الإباحة, ويمكن أن نضع هذا أحد أهم أسباب افتراق
العُرف عن الدين, ويأتي في المقام الثاني دخول بعض
القبائل العربية في الإسلام في عصر الفتوحات
الإسلامية, هذه القبائل لم تتأثر بما كان معهودا من
دورٍ للمرأة في مجتمع المدينة المنورة, لذا لم تتغير
نظرة هذه القبائل للمرأة كثيرا وهي وإن امتنعت عن
الوأد الجسدي فلم تتحرك باتجاه تحريم الوأد بأنواعه
الأخرى؛ ويبقى للثقافات الوافدة والديانات الأخرى التي
كانت على تماس مع الحضارة الإسلامية دورها الواضح أيضا
في اندحار المفاهيم الإسلامية الناصعة حول المرأة
واستبدالها بمفاهيم التوراة عن حواء وأنها سبب خطيئة
آدم وخروجه من الجنة والقصص الواردة فيها عن بنات لوط
عليه السلام وما فعلتاه بأبيهما لتحملا منه كي يستمر
نسله وغير ذلك من الإسرائيليات التي تسللت إلى كثير من
كتب التراث المتداول بين المسلمين خاصة في عصور
الانحطاط فانحطت النظرة إلى المرأة واستمرت كذلك في
العصر العثماني, فهذه الأسباب الثلاثة القاتلة تكفي
لإدانة المرأة ووضعها في السجن الفكري والاجتماعي.
2- ما هي معالم الفتاة المؤهلة للتعامل مع حقبة
العولمة التي سقط فيها الكثير من المحرَّمات؟
أظنك تسأل عن الفتاة التي ما زالت تعتقد بدينها
الإسلامي وأنه النور الذي تفتقده البشرية لتستولد من
أصوله الشرعية حلولا لمشاكلها المستعصية وأزماتها
المستفحلة؛ لأن حقبة العولمة لم تسقط فيها الكثير من
المحرمات فقط بل سقط فيها اعتبار الأديان جميعها إذ
اضمحل تأثير الدين في النفوس, وذلك عائد لأن الاستهلاك
سمة من سمات العولمة, فلا تعتبر الفتاة عصرية مثلا إلا
إذا كانت استهلاكية, وبالطبع فإن لوسائل الإعلام
المرئية الدور الأكبر في تكريس النمط الاستهلاكي في
المجتمعات, ولذا فالفتاة التي تهتم بالثقافة والرقي
والتطور بعيدا عن الاستهلاك تعاني من اختلافها عن
الآخرين سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة, وأنا بالطبع لا
أدعو الفتاة المسلمة ألا تكون عصرية بل أدعو إلى أن
نحدد ما هي العصرانية التي نريدها.. هل هي في الثياب؟
أم في الأفكار؟ أم في طريقة التفكير ومنهجية الحياة؟
عندما تكون الفتاة المسلمة مرتبطة بأصولها الدينية
الثابتة فإن ذلك لا يعني ألا تكون عصرية بالمعنى الذي
أفهمه أنا وهو أن تكون عملية واقعية مرنة منفتحة على
الثقافات الأخرى, وهو عكس المفهوم الذي تعمل وسائل
الإعلام خاصة المرئية والمقروءة على ترسيخه كنموذج
للمرأة العصرية, لأنه إذا كانت الملابس والاكسسوارات
والمكياجات ستأخذ ساعات من وقت المرأة قبل أن تظهر
خارج بيتها فيعني ذلك أنها خرجت من عصر السرعة ولم تعد
عصرية لأنها لا تعرف قيمة الوقت ولا قيمة الفكر الذي
ستطرحه ولا الرأي الذي تناقشه, إنما كل ما تعرفه هو كم
ثمن حذائها ومن أي ماركة ساعتها وكم عدد الألماسات في
خاتمها, وهذا ليس من سمات المرأة المعاصرة بل هو مناسب
للمرأة في عصر الحريم؛ لذلك هذه الشكليات التي تتحفنا
بها وسائل الإعلام المرئية عن المرأة العصرية تحمل
تناقضات العولمة من حيث أنها استهلاكية من جهة وغير
مناسبة لعصر السرعة من جهة أخرى؛ وطبعا كلامي هذا لا
يعني ألا تهتم الفتاة بمظهرها لكن من غير المقبول
لفتاة مسلمة عصرية أن يكون شغلها الشاغل سفاسف الأمور
والركض وراء الموضة.
3- ثمة نموذج سائد للمرأة في مجتمعاتنا وهي المرأة
الفاضلة الضعيفة ذات الوعي السطحي والاحتكام بشدة إلى
التفكير الذي لا تضبطه مقاييس وإلى ما يقوله الناس وهي
مع ممارستها للشعائر إن كانت محافظة إلا إنها تغترب عن
حاجات العصر سوى الموضة أو الموديلات التي تبشر بها
أدوات الاتصال وأجهزة الإعلام, ماهي مقترحاتك للتعامل
مع هذا الصنف من النساء وتطوير اهتماماته ؟
سؤالك هذا يعزف على نفس الوتر الذي عزف عليه جوابي
السابق, فنحن لدينا نموذج امرأة سطحية الوعي تهتم
بالموضة بغض النظر عن كونها محجبة أو غير محجبة لأن
بعض موديلات الحجاب هذه الأيام تناسب مهمة الإغراء
أكثر من كونها مناسبة لثقافة الحياء, وأنا أشعر أن
مسؤوليتنا تجاه هذا النوع من النساء كبيرة جدا لرفع
الغشاوة عن عيونهن ليروا نماذج أخرى غير نموذج المرأة
المغرية, علما بأن وسائل الإعلام مسؤولة فعلا عن ترسيخ
هذا النموذج, خذ على سبيل المثال الإعلان التجاري الذي
يظهر على
mbc4
والتي تظهر فيها فتيات قد غطين رؤوسهن ولكنهن مبتذلات
إلى أقصى درجة؛ ومع احترامي لقنوات
mbc
وخاصة منها القناة الرابعة التي تعرض برامج وأخبار
غربية تأتي في القمة من حيث الأهمية والمصداقية, فإن
هذا الإعلان التي تتلوى فيه الفتيات المحجبات - شكلا
لا مضمونا - أقل ما يمكن وصفه بأنه سخيف ويسيئ إلى
الفتاة المحجبة.
تجب الإشارة إلى أن بعض الرجال- ولا أدري كم نسبتهم -
يحبون المرأة السطحية, ولا يفضلون المرأة الواعية لأن
الثقافة العربية السائدة تغيّب الوعي وتهيئ للمواطن أن
يرشف من كل أوعية المتعة, كي يتخلى عن إنسانيته وشعوره
بأخيه الإنسان, فمثلا في حفلة أقامتها المطربة نانسي
عجرم في أحد البلاد العربية, ولباس نانسي غير خافٍ على
أحد, شاركت النساء في الرقص سواء كن محافظات أو غير
محافظات, فقد بدا أن من واجبهن إظهار مواهبهن لأزواجهن
في نفس الوقت كي لا تنافسهن نانسي وأمثالها على قلب
الزوج وجيبه.
دعني أصارحك أن سؤالك هذا فجر سؤالا لدي: لماذا تسألني
عن المرأة فقط؟ أليس للرجل دور في الأمر؟ لذا لا أرى
وسيلة لتطوير اهتمامات المرأة بعيدا عن اهتمامات
الرجل, فإذا كان الرجل يريد المرأة دائما أن تكون
جاهزة على الواحدة ونص, بينما هي تريد أن تبدأ بتطوير
نفسها لتساهم في نهضة مجتمعها فكيف يمكننا أن نحل
المسألة؟ أو لنتخيل الصورة بالمقلوب: المرأة مسلوبة
الإرادة تجاه الموضة لأنها تخشى أن ترفّ عين زوجها على
غيرها, بينما زوجها رجل "بيتوتي" أو ليس لديه وقت
لينظر لها حتى ينظر لغيرها فما العمل؟ أعتقد أن الرجل
والمرأة يتحملان المسؤولية معا, أي الأسرة, كما أن
وسائل الإعلام والمناهج التعليمية والمنابر كل له دوره
في بث الوعي لنخرج من هذه الحالة الراهنة التي يدفع
ثمنها كل منا من إنسانيته, وإذا لم يبق للإنسان
إنسانية فقل على الدنيا السلام.
4- (والعاقبة للمتقين ) هذه سنة حياتية خلقية وتعني
فيما تعني أن الله سيمكن الذين يتقون سوء الاختيارات
المخالفة لسنن الخليقة وقوانينها, سؤالي ماهي الخصائص
الخلقية للأنثى في الرؤية الإسلامية حتى نتقي سوء
الاختيارات ونخرج أيضا من تبيئة المفاهيم بحيث نقرأ
وفق ما قال الله لا ما أراد العرف أو الشارح ؟
الخصائص الخلقية للأنثى لا تختلف عن الخصائص الخلقية
للذكر اللهم إلا أنها أشد منه حياء وأكثر منه حساسية
وعاطفة, وبما أن ديننا هو الثوب السابغ للفطرة
الإنسانية, فإنه تماشيا مع فطرة الحياء في الأنثى فرض
عليها الشرع أن تكون محتشمة ولا تبدي مفاتنها في الوقت
الذي لا تتنكر فيه لأنوثتها, وتوازيا مع فطرة الحساسية
في الأنثى فإن الدين فرض على الأسرة والمجتمع معاملة
الأنثى بالرفق فقال عليه الصلاة والسلام:(رفقا
بالقوارير).
الاختيارات السيئة تكون عندما نتنكر لفطرة الحياء
والعاطفة في المرأة, أو نغالي في فرضها على المرأة,
فننقسم إلى فريقين: فريق يعتبر المرأة كالرجل, فينادي
برفض فريضة الحجاب ويدعو إلى خروج المرأة بغير احتشام
ويسعى لوجود امرأة تطلب الرجل كما يطلبها وتخرج إلى
العمل مثله وتنفق على البيت مثله وتتناوب معه على
الأطفال في تربيتهم والعناية بهم؛ وفريق يعتبر المرأة
أقل من الرجل ولا يفرق بين الحياء المحمود والخجل
المذموم, فيدعو إلى بقاء المرأة في البيت وأن يقتصر
واجبها على عائلتها والعناية بأطفالها وكأنها لم تُخلق
إلا لتكون وعاء للإنجاب أو أداة للمتعة؛ وهذان
الفريقان موجودان في مجتمعاتنا؛ والأول ينطلق من
الرؤية الغربية للمرأة وهي رؤية يبحث الغرب عن مخرج
لها ويعترف بقصوره فيها؛ والثاني ينطلق من الرؤية
الجاهلية للمرأة لكنها متلفعة بثوب إسلامي, والإسلام
منها براء لأن الإسلام يرفض هذه الأنانية التي تدعى
المرأة إليها بأن يكون اهتمامها الوحيد بيتها وأسرتها,
فأين هؤلاء من قول الله تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات
بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}؟
الأنكى من هذا الفريق ومن ذاك هو وجود فريق ثالث ربما
ليس لديه نفس الزخم الاجتماعي الذي ينسب لأي من
الفريقين السابقين, وهو ينشأ عندما يتطوّح الرجل بين
بعض المفاهيم الغربية تارة وبين بعض المفاهيم الشرقية
تارة أخرى فهو يريد أن تكون زوجته مثله في العمل وفي
الإنفاق لكنه يريد أن يبقى قواما عليها ماسكا بزمامها
مسيطرا عليها, وهكذا تتحول المرأة من إنسان إلى كائن
ممسوخ يعمل بالريموت كنترول وفق الهوى الشخصي للزوج.
القسم الثالث
الزواج :
1-
قوانين البيت العربي هي امرأة مستضعفة ورجل متسلط أو
هكذا يخيل إلى الكثيرين من الذين يطمحون للزواج ما هي
سبب هذه الرؤية القاصرة وكيف نتجاوزها؟
سبب هذه الرؤية القاصرة متوغل في الثقافة البنيوية
للمجتمعات العربية, وقد أحسنتَ إذ فرقت بين امرأة
ضعيفة وامرأة مستضعفة, فالمرأة يجب أن تكون ضعيفة
أحيانا وذلك لأن قوتها في ضعفها, فتسحر الرجل - زوجها
تحديدا - بأنوثتها, ومن قال أن الأنوثة ليست ضعفا
جذابا للرجل, فمن الواضح أنه لا يفهم كثيرا في أبجديات
الانجذاب بين الجنسين؛ ومع أن النبي عليه الصلاة
والسلام استخدم هذه الصفة "الضعف" لوصف المرأة
فقال:(إني أحرّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) فإن بعض
النساء يرفضن هذا الوصف ويعتبرنه عارا إلى الدرجة التي
يلغين فطرة الأنثى فيهن فيظهرن بمظهر القوة, وأنا أعيد
تصرفاتهن إلى ردود الفعل على فعل الرجال أصلا, فعندما
يتجاوز الرجل المسلم شرع الله عز وجل الذي يؤسس الحياة
الزوجية على مفاهيم قوامة الرجل إلى جانب المفاهيم
الإنسانية الأخرى كالمودة والرحمة والسكن كما في قوله
تعالى:(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا
إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) فلا يفهم هذا الرجل من
القوامة إلا جانب السلطة دون أن يعلم أن السلطة بدون
شعور بالمسؤولية ما هي إلا شكل من أشكال الديكتاتورية
والاستبداد, لذلك فما الذي تفعله المرأة عندما تجد أن
شرع الله يستغل ضدها؟ إما أن تستكين وتقبل هذا الظلم
والاستضعاف وإما أن تتمرد على المستغِّل والمستغَّل أي
على الزوج والشرع معاً, وبما أن مجتمعاتنا تغلب عليها
ثقافة الطاعة - العمياء لا المبصرة مع الأسف- فإن
مفهوم التمرد بحد ذاته غير محبّذ, فكيف إذا كان صادرا
عن امرأة؟ لذلك ترى أن النساء المتمردات يحتفي بهن
الغرب ليحتفظ بهن كنماذج أكيدة على ظلم مجتمعاتنا
الذكورية للأنثى, والمشكلة الكبرى تكون عندما ينظر هذا
الغرب إلى هذه الثقافة الذكورية كجزء من المفاهيم
الإسلامية ولا يسعى لتحليلها وسبر أغوار تاريخها وسبب
وجودها, فيأتينا ويريد أن يغيّر لنا حسب رؤيته الخاصة
والتي كما ذكرت سابقا إنها محض تجارب؛ وفي موضوع
المرأة لم تظهر تلك التجارب إلا القصور وقد كتبت في
مقالة لي عن متلازمة معروفة في الغرب باسم متلازمة
المرأة المستعجلة التي تعمل خارج البيت فلا تجد إلا
الوقت القليل لأطفالها, بينما تواجد الأم مع الطفل
ضرورة أكيدة لشعور الطفل بالأمان والحنان, وبالطبع فإن
هذا التواجد يمكن إنقاص الوقت المخصص له من عمر لآخر
لكن من الخطأ أن تظن المرأة العاملة أن ابنها يمكنه
الاستغناء عن وجودها إلى جانبه قبل سن الثامنة عشرة.
كيف يمكن تجاوز هذه النظرة القاصرة؟ أجيب أن تكوّنها
يعود إلى ثقافة المجتمع, وكذلك نمط التعامل بين
الأبوين - وهو ما تناولته في الجزء الأول والثاني من
هذا الحوار - لذلك فالتغيير هو مسؤولية المؤسسات
التربوية والثقافية جميعها بما فيها الأسرة والمدرسة
ووسائل الإعلام والمسجد, كما أنها مسؤولية السياسيين
الذين بإمكانهم أن يسنّوا القوانين لحماية المرأة من
الظلم الواقع عليها سواء من قبل الزوج أو غيره,
والأفضل دائما أن يسير التغيير الثقافي والتغيير
السياسي على خطين متوازيين, فمهمة المثقف والتربوي
والداعية والشيخ والإعلامي أن يساهم بتغيير العقول
والرؤى بينما تتحدد مهمة السياسي بتطوير القوانين
بمعية المشرعين المتفقّهين في الدين بحيث لا يتم تجاوز
الأسس الثابتة للشريعة الإسلامية, لذلك فإن الأمور
التي يفرضها رتم الحياة المعاصرة -كخروج المرأة للعمل
ومساهمتها في الإنفاق هو سبب كبير لزيادة المشكلات
العائلية - لا بد لها من اجتهاد يواكب العصر دون أن
يتنكر لثوابت الدين.
2-
كيف نفعِّل قانون الزوجية في حياة الرجل والمرأة بحيث
نتجاوز تزاوج الأجساد إلى تزاوج الآمال والتطلعات التي
تؤدي إلى رقي السلالات وبناء الحضارات؟
أعتقد أنه من الواجب العودة إلى مرحلة تأسيس الإنسان
وهي مرحلة الطفولة الأولى, ففي السنوات الثلاثة الأولى
تتشكل شخصية الإنسان وفي السنوات التي بعدها تتبلور
لديه بعض الرؤى, وفي سنوات المراهقة تتبدل كثير من
القناعات, وهكذا.., لذلك فإن العمل على الناشئ في
مرحلة الطفولة والمراهقة هو أمر أساسي لتغيير النظرة
الحالية إلى الجنس - الذي هو حاجة أساسية دافعة
للزواج- بأنه ليس مجرد تناسل ولكنه أيضا تواصل بين
الزوجين وسكن روحي وجسدي - وهو ما تناولته في كتابي
ألف باء الحب والجنس - وكذلك لتغيير النظرة إلى مفهوم
الزواج وأنه ليس مجرد قضاء وطر أو لقاء حبيبين فقط, بل
هو مسؤولية ووعي ورقي بالإنسان من حالته الفردية إلى
حالة ازدواجه مع شخص آخر ليكوّنا وحدة واحدة هي الأسرة
والتي هي أساس المجتمع, لذلك فإصلاح الأسرة هو أساس
إصلاح المجتمع؛ كذلك فإن إصلاح مناهج التعليم وأقصد
مناهج التعليم الديني بالتحديد هو أمر ضروري, على سبيل
المثال عندما نقدّم حياة الرسول عليه الصلاة والسلام
أنها مجرد جهاد وغزوات فهو إخلال بحقيقة الإسلام الذي
يشمل الدين والدنيا, وعندما نقدّم محمد عليه الصلاة
والسلام أنه نبي ورسول فقط دون أن نذكر كيف كان الرسول
مع بناته وأحفاده وكيف كان مع زوجاته وكيف كان مع
أصحابه, فإن ذلك تشويه لحقيقة الرسول عليه الصلاة
والسلام وإجحاف بحقّه, ثم عندما نغيّب من السيرة دور
المرأة في العهد النبوي, وعندما يقوم بعض المنتسبين
إلى العلم الديني بإخفاء أحاديث صحيحة روتها الصحابيات
إلا الأحاديث التي تتفق مع مزاجه, مثل حديث أم كرز عن
أن عقيقة الذكر ضعف عقيقة الأنثى - هنا ترتفع مكانة أم
كرز على مكانة ابن عمر برأي واضع المنهاج لأن ابن عمر
كان يعقّ عن أولاده ذكورا وإناثا كبشا كبشا - وعندما
ننسى أن نذكر في مناهجنا أن ربع أحاديث البخاري أو
ثلثه - وهو أصح كتب الأحاديث- قد روتها عائشة رضي الله
عنها؛ وهذا ليس خطأ المدرسة فقط بل هو نسق ثقافي خاطئ
يساهم فيه خطباء المساجد - في بعض البلاد العربية أكثر
من بعضها الآخر - فنجد مثلا اعتناء المتفيقهين بحديث
ناقصات عقل ودين دون أن يذكروه كله ودون أن يفهموه أنه
قيد حالة خاصة هي الزوج مع زوجته, وقد ذكرت شيئا من
هذا في مقالة لي, وللأهمية أزيد عليها هنا فأقول: إن
في نقص عقل المرأة عن عقل زوجها ناحية جمالية يبينها
الحديث:(ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل
الحازم من إحداكن) فلا يحق للمرأة أن تُذهب عقل رجل
سوى زوجها حيث أن خفة عقلها هو جزء من أنوثتها التي
تجعل الرجل منجذبا إليها, فالمرأة المسلمة التي تستطيع
الموازنة بين الدين والدنيا تفهم متى يجب أن تكون
ناقصة عقل ومتى يجب أن تكون راسخة بعقلها, وأضرب مثلا
بأم سليم رضي الله عنها فيما رواه أَنَس ابنها فقَالَ:
مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ.
فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ
بِابْنِهِ حَتَّىٰ أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ. قَالَ:
فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً. فَأَكَلَ
وَشَرِبَ. فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ
مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذٰلِكَ. فَوَقَعَ بِهَا.
فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِـعَ وَأَصَابَ
مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ
أَنَّ قَوْماً أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ،
فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ
يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لاَ. قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ
ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: تَرَكْتِنِي
حَتَّىٰ تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي
فَانْطَلَقَ حَتَّىٰ أَتَىٰ رَسُولَ اللّهِ .
فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ :
«بَارَكَ اللّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا»
ففي هذا المثال لدينا موقفين متناقضين كل التناقض لأم
سليم: الموقف الأول موقف المرأة اللعوب التي تتصنع
لزوجها لتملأ عينه بها وليرغب بها وهو موقف ضروري
لجمال الحياة الزوجية, فكيف يواقع الرجل امرأة متزنة
ووقورة مثلا؟! بينما في الموقف الثاني يظهر الكمال
العقلي عند أم سليم رضي الله عنها فقد اختارت أن
تستقبل زوجها دون أن تعكر صفوه, ثم بعد أن أشبع حاجاته
الغريزية ضربت له المثل بالعارية لتقول له بطريقة غير
مباشرة أن لله ما أخذ وله ما أعطى, وأنا شخصيا أعجب من
القدرة الإيمانية لهذه المرأة, فمن المعلوم أن المرأة
تبكي على ابنها وقد تنوح - ولذلك أخذ الرسول عليه
الصلاة والسلام في البيعة على النساء ألا ينحن- ولكن
عجبي يزول عندما أعرف أنها قد سبقت زوجها للإسلام
وأنها شرطت إسلامه مهرا له, فهي إذن قدوته في الإيمان
فلا يجوز لها أن تضعف في موقف كهذا, لكنها أيضا تعلم
أن زوجها كأي رجل فطري له متطلبات معينة وقد تشترك معه
فيها؛ فهذان الموقفان رغم أنهما متناقضان لكن
اجتماعهما في امرأة واحدة يجعلها برأيي امرأة كاملة,
نفتقدها بدون أدنى شك في مجتمعاتنا الحالية, فصورة
المرأة اللعوب صورة تستحي منها بعض النساء خاصة أمام
أزواجهن, كذلك فإن صورة المرأة الصابرة في الأزمات
صورة نادرة لدينا أيضا, ولكن الأكثر ندرة هو صورة
المرأة القادرة على لعب الدورين معا والتي تعرف متى
يجب أن تكون أنثى ومتى يجب أن تكون إنسانا, وإن كانت
أم سليم رضي الله عنه ضربت لنا مثلا أيضا بالمرأة
المتسامية على بشريتها بالإيمان.
بهذه الصورة المشتركة يمكن أن نتجاوز مفهوم الزواج من
كونه حوارا بالأجساد ليكون حوار الآمال والتطلعات,
ولكن لا يعني ذلك أن المهمة تقع على كاهل المرأة
لوحدها, فللرجل أيضا صورتان ذكرهما عمر رضي الله عنه
بأن يكون الرجل كالصبي في أهله فإذا وُجد في القوم
وُجد رجلا, والمقصود بكلمة الصبي أن يكون محبَّبا إلى
أهله مداعبا لهم لا الصورة النمطية لسي السيد,
فالمسؤولية مشتركة بين الزوجين وهما وحدهما القادران
على أن يهيئا لمؤسسة الأسرة كل النجاح والاستمرار
بعيدا عن المظاهر الجوفاء والحب الفارغ من مضمونه.
3-
لو تقدم ابنك لخطبة فتاة ما بماذا ستنصحينه؟
طريقة التربية التي أعتمدها مع ابني هي التي تفرض علي
النصائح التي سأقدمها له وتفرض عليه قبول نصائحي, لأن
من الخطأ أن نترك الولد - أو البنت- فترة الطفولة
والمراهقة بدون إرشاد وتوعية وصداقة وحنو ثم نأتي
للوقت الذي من حقه هو أن يختار فنتدخل في اختياره؛ أما
إذا وُجد بين الأم وابنها الالتصاق المفروض والضروري
لطفولة سوية والذي يسير بأيد متشابكة مع الاستقلال
المتدرج حسب تدرج النمو, وتم بناء وعيه وتشكيل شخصيته
بما يناسب القيم والأخلاق الثابتة من جهة وبما يطبعه
بالمرونة لمواجهة القيم والأخلاق المتغيرة حسب المجتمع
الذي يعيش فيه أو سيعيش فيه, فإني أعتقد أن قراره
بالزواج أو تقدمه لخطبة فتاة لن يشكل خلافا واسعا بين
الأم وابنها أو في العائلة, بمعنى أني عندما أعتني
بتنشئة ابني كيف يختار ألعابه وقصصه وأصدقاءه وأترك له
مساحات من الحرية والاستقلال يتصرف خلالها ليكون له
تجاربه الخاصة التي يصقل من خلالها خبرته بالحياة
وبالناس, فإني لن أوجه له نصائح كثيرة حين يريد أن
يختار شريكة حياته؛ والمهم أن يكون قراره بالزواج
صادراً عن اقتناع كامل بشخصية الفتاة التي يريدها لا
مبنياً على نزوة مراهقة ولا بحثاً عن مخرج من ظرف
معين, ودائما فإنه من الأفضل أن تكون قراراتنا
الحياتية نابعة من قناعاتنا الخاصة بحيث نعيش حياتنا
كما نريد نحن لا كما يريده الآخرون لنا, ومهما كنت
عالمة بابني فيجب أن يصل إلى مرحلة يكون فيها أعلم مني
بنفسه قبل أن يستقل بقراراته, فإذا كان يعرف نفسه جيدا
فهو سيكون قادرا على أن يعرف ماذا يريد ومن يريد.
4- كيف تنظرين إلى واقع الزواج في البلاد العربية؟
واقع الزواج في البلاد العربية هو أحد تجليات واقعنا
المتخلف, والتي ذكرت من أخص خصائصه الازدواجية, لذا
فإن مرحلة الخطوبة والتي يجب أن تكون مرحلة تعارف بين
الخطيبين للتأكد من عواطفهما وقدرتهما على بناء حياة
زوجية مستقرة, نرى أنها غالبا ما تكون مرحلة مجهولة
لدى بعض الناس أو صرح تمثيل لدى غيرهم, ويأتي تدخل
الأهل من الطرفين ليزيد الطين بلة, ثم الاهتمام بكلام
الناس وكأن الناس هم الذين يقررون لنا الأصلح والأنفع,
مع أن الناس ليس هوايتهم سوى التدخل وإملاء وقت فراغهم
بأي شيء حتى لو كان غيبة وفضولا وثرثرة بما لا ينفع
ولا يجدي, أضف إلى ذلك أن الزواج أحيانا مكلف سواء من
ناحية المهر أو الجهاز أو الحفل أو إلى آخره, وقد يقوم
على قيم مادية أكثر بكثير مما يقوم على مفاهيم معنوية,
بمعنى انجذاب الشباب وراء الفتاة الأجمل, وانجذاب
الفتيات وراء الشاب الأغنى, لذلك فإن هذا الواقع ينذر
بفشل مؤسسة الأسرة إذا لم يوجد ما يوقفه عند حده, من
تغيير الأساليب التربوية وأنماط المعيشة ورفض بعض
العادات الاجتماعية المتخلفة وكذلك بعض التقاليد
الغربية المجحفة, ومن الواضح أن الشباب باتوا يعزفون
عن الزواج أكثر من ذي قبل, لذلك ترتفع نسبة العنوسة
كما أن كثيرا من الزواجات تنتهي بالطلاق.
5- لماذا لا نقبل مفهوم التعدد؟
يلحظ المرء أن اختلاط المفاهيم هي حالة شائعة في الوطن
العربي, وكمثال على هذا الاختلاط الخلل في فهم درجة
الأحكام الشرعية بين المباح والحلال من جهة وبين
المندوب والواجب من جهة أخرى, فيُفهم تعدد الزوجات في
بعض البيئات على أنه أمر دعت إليه الشريعة وحثت إليه
وأوجبته ونصت عليه, مع أن الإسلام لم يحضّ على التعدد
بل حدده بأربع وجعل شرطه العدل؛ وعلى النقيض من
الإفراط نجد من يفرِّط في تعدد الزوجات فيعتبره ملغيا,
وذلك نتيجة الفهم المغلوط لبعض الآيات التي ذكر فيها
التعدد مثل:(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم) (فإن لم تعدلوا فواحدة), فيستنتجون أن شرط
العدل غائب في كل الأحوال وبالتالي فإن التعدد يجب أن
يلغى أو يستنبطون حكم ربط التعدد باليتامى من الآية
الواردة في سورة النساء:(وإن خفتم ألا تقسطوا في
اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث
ورباع) وبما أن سبب نزول الآية واضح من سياقها إذ تخص
الرجل الذي يكون وصيا على الفتاة اليتيمة دون أن يكون
محرما لها, فعندها يمكنه أن يتزوجها ليستطيع أن يراعي
أموالها ومصالحها دون جور.
أنا شخصيا لا أؤيد التعدد لكني لا أستنكره ولا أرجعه
إلى ظرف تاريخي معين, ولا أعتقد أنه سيلغى كما ألغي
الرق وهو ما يتصوره بعض المثقفين, وذلك لأن التعدد هو
حل لبعض المشكلات الأسرية كمرض الزوجة وعدم قدرتها على
القيام بالحق الجنسي للزوج, أو حل لبعض المشكلات
الاجتماعية كارتفاع نسبة العنوسة لدى الفتيات أو
ارتفاع نسبة المطلقات والأرامل, عدا أنه يلبي رغبة بعض
الرجال الذين لا يمكنهم الاقتصار على امرأة واحدة, وهي
حالات يوافقها علم النفس المنصف والذي يقول إن النساء
أكثر إخلاصا من الرجال, وفي بعض الإحصائيات الغربية
فإن نسبة الأزواج الذين يخونون زوجاتهم تزيد على 80%
بينما لا تزيد عن 20% عند النساء, وذلك لأن فطرة الرجل
مختلفة عن فطرة الأنثى.
أما السبب في عدم قبول النساء لتعدد الزوجات فهو
الغيرة الفطرية في المرأة والتي تختلف شدتها من امرأة
لأخرى حسب العمر والثقافة والبيئة, وإذا تجاوزتها
امرأة فهي استثناء لا يمكن القياس عليه لأن الغيرة بين
النساء موجودة ويزيدها بالطبع الرجل عندما لا يعدل في
قسمه بين امرأة وأخرى, لذا فإن شرط العدل في تعدد
الزوجات لا يمكن التنازل عنه بأي شكل, ومعلوم في كتب
الفقه أن من واجب القاضي أن يتدخل لصالح المرأة التي
تم الحيف عليها حتى يتم تدارك المشكلة من البداية ولا
ينتهي الزواج من الثانية بطلاق الأولى. |