الصفحة الرئيسية
  

 خارج السرب (حوارات) حوار د.ليلى الأحدب في مجلة سعودية

 
 
 
 

* كيف يمكن أن تصفين نشأتك والعوامل التي ساهمت في صياغة فكرك وتكوينك ؟

ولدت لأسرة كبيرة مؤلفة من 6 أولاد و5 بنات كنت صغراهن ولا يصغرني إلا أخ واحد بسنتين مما جعلني أستفيد من التجارب التي كانت تحدث أمامي كطفلة ربما كان أكثر ما يميزها تساؤلاتها وفضولها المعرفي, فمما استفدته مثلا هو تعلم القراءة والكتابة قبل وصولي سن التذكر أي قبل عمر 3 سنوات, وأنا أشير إلى هذه التجربة الأسرية لأنها هامة في صياغة نهمي الشديد للمعرفة بسن باكر مما منحني لقب فأرة الكتب حيث لم يكن يفلت من يدي أي شيء مكتوب تقع عليه عيني, وبالطبع فإن امتلاك المعلومات إضافة إلى المثابرة كان سبب تفوقي والذي استمر حتى نلت الدرجة الأولى على سوريا في الشهادة الإعدادية؛ وهو ما كان له أثر كبير في تعزيز ثقتي بنفسي وكان لأبي - رحمه الله- دور كبير في تشجيعي إضافة إلى حرصه على تعليمي وإخوتي القرآن الذي هو بحد ذاته يشكل ثقافة ثقافية ودينية ولغوية باهرة؛ فهذا كله ساهم في صياغة فكري ناهيك عن قراءاتي المتعددة في كل المجالات بحكم أن أخوتي الكبار كان لكل منهم مكتبته الخاصة فكنت أغوص فيها دائما؛  وهو الأمر الذي فتح أمامي آفاقا من الوعي تسبق عمري, وربما طبعني بشخصية استقلالية حرة جريئة أحيانا, لذلك كان لي تجارب عديدة على صعيدي الشخصي والأسري والاجتماعي, بعضها بالطبع خاطئ فمن لا يعمل لا يخطئ, والتجارب أفعال علمتني أكثر بكثير مما علمتني إياه الكتب.

*حصلت على الدكتوراه في الطب البشري وتحديدا في النساء والتوليد.. ما العلاقة التي جمعت التخصص بالأدب؟ولماذا كان هذا الاتجاه؟ 

بما أني فأرة كتب فلا غرو أن كنت محبة للكتابة أيضا فنهر أفكاري يتجمع ماؤه من الينابيع الثرة والمتوافرة حولي بفضل الله؛ وكان لي محاولات شعرية بدأت من عمر 10  سنوات ثم كتابة القصص من عمر 15 سنة, واستمرت حتى دخولي كلية الطب التي رغبت بها منذ طفولتي أيضا كمهنة إنسانية وكذلك احتراما لرغبة والدي الذي كان على علاقة طيبة بطبيبته التي تعالجه من مرض القلب ويتمنى أن يراني مثلها؛ ولكن بعد أن دخلت كلية الطب توقفت عن الكتابة بسبب أن دراسة الطب تستغرق وقت الطالب كله اللهم إلا بعض الساعات في الجامعة والتي تخلو من أي محاضرة فكنت أقضيها في كلية الشريعة؛  وبعد التخرج كان لي كتابات كثيرة بين الشعر والقصة لكنها كتابات شخصية وجدانية أكثر من أي شيء آخر؛ أما كتاباتي الحالية فالأدب فيها قليل إذ تميل مقالاتي إلى النقد الاجتماعي الذي أعتبره الطريق الأساسي للتغيير والتنوير؛ وعلى كل حال إن تخصص النساء والولادة أذهلني بداية علاقتي به فهناك ألم مخاض          تتجلى من خلاله سعادة الحصول على كائن يمثّل امتداداً للنفس وشريكها, أي الأم والأب؛ فمعجزة الخلق وحدها كافية أن تجعل الشعور يتدفق في الإنسان فكيف إذا كان شاعرا أصلا؟!

*إذا بدأنا بالتخصص.كيف ترين صحة المرأة العربية من خلال تجاربك في بلدان عده؟

لقد سألت عن أمر أليم, إذ تحتاج المرأة العربية عموما والسعودية خصوصا إلى توعية صحية جادة بسبب تكرارها للحمل وهو الأمر الذي يظنه من لم يجربه أنه حالة فسيولوجية أي طبيعية, ولكني أعتبره مرضا, والله سبحانه قال عنه:(حملته أمه وهنا على وهن) أي أنها ضعيفة الجسم وأضعفها الحمل السابق وجاء الحمل اللاحق ليوهنها أكثر؛ ومخاطر الحمل الأول قبل سن 20 أو بعد 35 ومع ذلك يحصل كثيرا بسبب رغبة الناس بالتكاثر بالأولاد. صحيح أن الأمومة تجربة فريدة ورائعة لكن السؤال: هل الجسد فقط هو الذي يتدهور نتيجة الحمل أم أن الأولاد الذين هم أحد مفردات زينة الحياة الدنيا يحتاجون إلى زينتها الأخرى أي المال كما يحتاجون تربية أخلاقية لم يعد الأبوان قادرين عليها بسبب تعدد مصادر التأثر؟ وبالطبع فإن الطبيعة الحساسة للمرأة وكيانها العاطفي يجعلها أول من يتحمّل إخفاقات التربية وينعكس هذا بدوره على صحتها بشكل سلبي.

*إلى أي مدى تنهش الهشاشة عظام السعوديات؟وما السبيل إلى تفاديها وعلاجها؟

الهشاشة منتشرة بكثرة بين النساء السعوديات والدليل على ذلك ليس فقط من ممارستي الطبية حيث أجد نقص نسبة الكالسيوم في الدم لديهن مما يشير إلى نقصانها في العظم بشكل أكيد وكبير, لكن كذلك الحملة التي دشنتها وزارة الصحة السعودية لمحاربة المرض؛ فوفقا لإحدى الدراسات التي أجريت بمستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض 58% من النساء السعوديات ما قبل سن اليأس يعانين من هشاشة العظام, وهو المرض الذي يؤهب لحصول كسور في العظام نتيجة لاضطراب المادة الأساسية المكونة للعظم, وهذه الحملة هي أحد سبل التوعية بأسباب المرض للمساهمة في تفادي حدوثه, وأهم هذه الأسباب نقص أخذ الأغذية الغنية بالكالسيوم كالبيض ومشتقات الألبان والأجبان والمكسرات بأنواعها, وتكرر الحمل والإرضاع إضافة إلى قلة الحركة التي تمنع أخذ الكالسيوم من قبل الخلايا البانية للعظم, وما ذاك إلا بسبب الاعتماد على الخادمة في البيت وعلى السائق في التنقل فالرفاهية أحد أهم عوامل المرض خاصة أنها تؤدي لارتفاع الوزن الذي يزيد الثقل على العظام ويزيد من آلامها ويتفاقم المرض مع انقطاع الدورة وعدم التعرض لأشعة الشمس الغنية بالفيتامين "د" والذي بدونه لا يمكن الاستفادة من الكالسيوم المأخوذ, كل هذا يعني أن درهم وقاية خير من قنطار علاج وذلك باتباع نظام غذائي صحي متوازن ورياضي دائم.

*ما هو الجمال في نظرك؟وكيف يمكن للمرأة أن تجعل نفسها جميلة؟

الجمال نوعان جمال الشكل وجمال المضمون فجمال الشكل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام والتجمل مطلوب من المرأة والرجل لكن هناك فرق كبير بين التجمل والتصنع؛ ولكل سن جمالها الخاص كما أن لكل ثقافة تقاليد جمالية معينة؛ أما الجمال الحقيقي بنظري فهو جمال المضمون الذي ينجم عن علاقة جميلة مع الذات والآخرين, فأما جمال العلاقة مع الذات فأصله الرضا الذي ينبع من هذه الذات, وأما جمال العلاقة مع الآخرين فهي تأتي عبر مساندتهم والإحساس بهم وبمعاناتهم, وبكلمة موجزة إن السعادة متضمنة في المساعدة - سواء كانت للنفس أو للآخرين – على تجاوز الأزمات.

*كيف تبني المرأة شخصيه جذابة ومؤثره فيمن حولها؟

أنا أعتقد أن الجاذبية شيء في الروح, فهل استطاع أحد أن يعرّف سر الحب سوى أنه الشعور بالانجذاب غير المفسَّر لشخص ما؟ بكلمة مختصرة أستطيع أن أقول إن هذه الجاذبية تأتي بقدر محبتنا للآخرين, فالمحبة ليست إلا بذورا ننثرها في طريقنا عبر الكلمة الحلوة والبسمة الطيبة والاهتمام الحاني, كل ذلك بدون تصنع أو تكلف أو مداهنة, والمحبة تبدأ من محبة الذات - وهي تختلف عن الأنانية - ثم تنطلق إلى الآخرين, ففاقد الشيء لا يعطيه.

*بعد كتابك"ألف باء الحب والجنس".. هل أنت مع أم ضد تدريس الثقافة الجنسية في المدارس؟ وماذا يجب على الآباء حيال ذلك؟

كتابي "ألف باء الحب والجنس" كتاب يساعد الآباء والأمهات على التعامل مع أولادهم في النواحي العاطفية والجنسية لكني أضفت عليه كثيراً مما لا يدخل مباشرة ضمن هاتين الناحيتين, فقد بدأت الكتاب بفصل "التربية الأخلاقية.. لماذا وكيف؟" لأنها أساس كل تربية أخرى, إذ إن الإنسان كلّ متكامل فلا يمكن فصل المواضيع العاطفية عن الجسدية عن الأخلاق إلا من باب الدراسة فقط, وهذه النظرة برأيي هي التي يجب أن نعتمدها في تربية متوازنة, وهو الأمر الذي نفتقده في عالمنا العربي مما يجعل بعض المثقفين يمانعون التثقيف الجنسي للناشئين بينما ينادي به بعضهم الآخر على إطلاقه؛ والممانعون ليسوا على حق لأن كل ما حولنا يهيئ لثقافة جنسية خاطئة لا تأتي في مكانها وزمانها المناسبين, والمنادون بها ليسوا على حق كذلك إذا قصدوا الثقافة الجنسية بمقررات خاصة كما في الغرب, عكس ما لو كانوا يعنون منهجاً علمياً للجهاز التناسلي فهو موجود في غالبية المناهج العربية لكن بشكل عشوائي, فالمشكلة ليست في وجود الشيء من عدمه, إنما في أسلوب تناوله, فالقرآن كمادة يتعلّمها الطالب في سن مبكرة يحوي كثيراً من المفردات التي يمكن اعتبارها تثقيفا جنسيا دينيا, كمفردات الطمث والمحيض والرفث بل هناك سور كاملة كسورة يوسف فيها توضيح للتعفّف الجنسي, لذا فإنه من الخطأ ممانعة التثقيف الجنسي, لكن من الضروري الانتباه للأسلوب الذي يناسب كل سن.

*قمت بإعداد المناهج الدينية لبعض المدارس العالمية..ما الأسس التي تعمدين الى تزويد هذه المقررات بها؟

كانت المدرسة العالمية التي يدرس فيها ولديّ تعلم الدين باللغة الانكليزية مع أن التلاميذ أكثرهم من العرب, فاقترحت مديرة المدرسة تدريسهم منهج الدين السعودي, واعترض مجلس أولياء الأمور – وأنا منهم- على هذا الاقتراح لأنه لا يتناسب مع المناهج التي يدرسها الأولاد في العلوم والرياضيات وغيرهما وهي مناهج متفوقة جدا من حيث الأفكار والأسلوب, فاعتمدت في وضع المناهج الدينية نفس أسلوب المناهج الأمريكية في تدرج الأفكار بين الصفوف وجعلها متنوعة بين دروس العقيدة التي جاءت على شكل تساؤلات وحوارات وكذلك دروس العبادات أما دروس الأخلاق فكانت على شكل قصة تنتهي بآية قرآنية أو حديث شريف إضافة إلى سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وقصص الأنبياء؛ وبالطبع هناك ملاحظة في مقدمة المنهاج تسمح لمن يقوم بالتدريس بتطويره حسب البيئة والثقافة السائدة.

*ما رأيك في إلغاء مادة التربية الدينية في مصر واستبدالها بمادة الأخلاق؟ وما مستقبل هؤلاء الطلاب الذين لم يدرسوا الدين بالمدارس؟

 أنا لا أحبذ إلغاء مادة التربية الدينية – أيا كان الدين -  لأن الإنسان بدون دين يفقد الجزء الأكبر من إنسانيته, ولا بد من غرس الوازع الديني في نفس الناشئ بحيث يصبح إتيانه للطاعات وابتعاده عن المعاصي نابعا من مراقبة ذاتية وليس نفاقاً. مع ذلك أتفهم هذه الدعوة في بلد مثل مصر ابتعد عن الإسلام الحضاري مما أعاق اندماج أهل الأديان الأخرى في المجتمع؛ ونتيجة لذلك برزت هذه الدعوة لتجمع أهل الأديان من جديد, فإذا كانت ضرورية للمصلحة العامة في بلد ما فلا مانع منها شرط أن تخصص حصتين أسبوعيا للدين بحيث يفترق في الحصة الأولى الطلاب المسلمون عن المسيحيين فيتعلم كل فريق عقيدته وشعائره التعبدية والمعاملات التي تختلف عما لدى الدين الآخر, بينما يجتمعون في الحصة الأخرى يتعلمون فيها الأخلاق المستمدة من الدين الإسلامي والمسيحي مما يؤدي لاحترام كل طرف لدين الآخر, وكل الأديان السماوية تدعو إلى الأخلاق والفضائل عموما.

*كثر الحديث عن الإرهاب والإرهابيين.. كيف نحمي أبناءنا من التحول إلى متطرفين؟وهل ترين في المناهج التعليمية السعودية دورا في صناعه التطرف؟

حماية الأولاد من التطرف تكون بالتوازن في تربيتهم بين الحزم والحنان, وإعطاء الولد ثقته بنفسه ومنحه الحياة العائلية المستقرة, وفي إشعار الطفل بمحبة الوالدين للآخر كثير من الشعور بالأمان الضروري لنشأة سوية؛ وأهم من كل ذلك بناء الصداقة مع الأولاد منذ الصغر بشكل مطرّد مع نمو الطفل ودخوله سن البلوغ لتصل إلى مساندة وتفهم وتعاطف مع خطورة مرحلة المراهقة التي يعاني فيها الفتى - أو الفتاة – من سؤال الوجود: من أنا؟ كما يعاني من عدم التوازن الانفعالي بين العقل والعاطفة من جهة وبين عنت الشعور بالغريزة من جهة أخرى, فكل هذا يجعل واجب الأبوين فتح كل قنوات الحوار مع الأولاد والبنات وكسب صداقتهم منذ الصغر, فالخطر يكمن عندما يبدأ المراهق بالازدواجية في حياته فهو مثالي أمام والديه ولكنه ليس كذلك في غيابهم, والحقيقة أن الأبوين هما من يدفع الولد لتبني مثل هذا الموقف الازدواجي بسبب رغبتهم في أن يكون ابنهم بعيدا عن الوقوع في الخطأ, ولكن على الأبوين أن يتذكرا كيف كانا عندما مرا بتلك المرحلة الخطيرة, وإذا كانت تربية أهلنا لنا سهلة فذلك لغياب القنوات الأخرى للتأثير, أما الآن فالحياة قد اختلفت جدا وهناك الكثير من المؤثرات التي تحولّهم إلى سوبر ستار أو سوبر انتحار. المناهج السعودية المدنية تُنتقد لابتعادها عن علوم العصر وتاريخ العالم؛ وأما المناهج الدينية فغير مناسبة لسن الطفل إذ إن إدخال المفاهيم غير المفهومة لدماغ الطفل يهيئ لنشوء العنف لديه؛ وبالطبع هناك الكثير مما يُقال عن المناهج وضرورة تطويرها لأن تطوير التعليم هو اللبنة الأولى في تنمية المجتمع.

*ما تقييمك لواقع المرأة الثقافي في البلدان العربية- خاصة المملكة؟

كثيرا ما كتبت أن المرأة العربية عامة والسعودية خاصة وقعت بين طرفين يشد كل منهما الحبل في اتجاهه, والطرف الأول هو التغريبي الذي يريد أن يحرر المرأة من كل شيء حتى من فطرتها الأساسية والتي بدونها لا يمكن أن تكون أنثى أي زوجة وأم مستقبلا, والطرف الثاني هو التقليدي الذي ينظر للمرأة على أنها أساس كل بلاء وفتنة ولذا فمهمتها تقتصر على إرضاء الزوج وإنجاب الأولاد, وكلا الطرفين قد جانب الصواب, لأن الأول عندما حررها من فطرة الأنثى ألغى فيها فطرة الحياء وليس ذلك في مصلحتها بل في مصلحة الرجل الذي يريد أن يأخذ منها مبتغاه دون أن يكون مسؤولا عن أفعاله, والثاني ألغى فيها الحياة كلية فباتت تابعة للرجل ومجرد شيء يمكن استبداله بشيء آخر مشابه في أي وقت, فوضع المرأة الثقافي إذاً واقع بين مطرقة إلغاء الحياء وسندان إعدام الحياة,  وبالطبع هناك نماذج قليلة جمعت بين استجابتها لفطرتها الأنثوية الأصيلة وبالمقابل رفضت الوأد الاجتماعي.

*العنف في الأسرة السعودية..ما أسبابه؟

العنف الأسري له أسباب كثيرة منها ما يعود إلى الوراثة ومنها ما يعود إلى التربية؛ وأهم أسباب العنف تجاه المرأة هو الاستبداد الثقافي الذي يشجع عليه المجتمع الذكوري؛ حيث يُنظر للذكر على أنه قوام على المرأة في كل أمر, مع أن القوامة هي للزوج على زوجته ومعناها المسؤولية عن الإنفاق وبتعبير ابن عباس خدمة الرجل للمرأة, لا كما يفهم بعضهم أنها السلطة المطلقة للرجل؛ وللأسف فهذه القوامة تحددت بإمكانية تأديب الرجل لزوجته ولو بالضرب المهين, وقد شرحت في مقالة بعنوان (تأديب الزوج الناشز) أن كلا من الزوجين يحتاج للتأديب أحيانا,  بل تعدت ذلك لتطال حق الأب والأخ في الوصاية على المرأة بل حق الرجال كلهم في أن يكونوا أوصياء على النساء مع أن من يقرأ آية القوامة برشد يفهم أنها متعلقة بالموضوع الجنسي بين الزوجين (واهجروهن في المضاجع), وعلى هذا فإن العنف تجاه المرأة هو بسبب تكويني أو مفاهيمي خاطئ, وأما العنف تجاه الأطفال فهو اختلال في نفسية الشخص الذي يستضعف الطفل فيسقط عليه إخفاقاته المتتالية في الحياة وساديته المستبدة به.

*الفصل الحاد بين الجنسين في مختلف أنشطة الحياة.. هل ترينه مجالا صحيا لنشئ سوي؟

كتبت كثيرا عن أهمية التعليم المختلط قبل سن العاشرة, وذلك ليعتاد كل جنس على الجنس الآخر, ولكن شرط المحافظة على فطرة كل منهما فلا تتحول الفتاة إلى "حسن صبي" ولا يتحول الولد إلى "بنوتة" لذلك فهذا الاختلاط يجب أن يبقى في حدود الدراسة الجادة أما في الرياضة والفنون فتراعى الفطرة فالبنت أقدر على الحركات الدقيقة والولد أكثر رغبة في الحركات العنيفة, بينما في سن المراهقة يفضل الفصل بينهما, لكن حتى هذا الفصل ليس من الضروري أن يكون في مختلف أنشطة الحياة, فلا مانع من التقاء الفتيان والفتيات في مسابقات أوائل الطلبة كما يحدث في الدول الخليجية الأخرى؛ لأن الفصل الحاد ليس جوا صحيا فهناك كثير من الشذوذ الذي ينتشر في الأوساط المكبوتة كما في الأوساط الإباحية, وخير الأمور الوسط.

*كيف تقيمين الخطاب الديني في المملكة- خاصة فيما يتعلق بالمرأة؟

الخطاب الديني في المملكة متعدد الوجوه والأشكال فهناك تيار تقليدي متشدد وتيار تقليدي محافظ وتيار تقليدي معتدل لكن المفقود هو التيار الديني الإبداعي علما بأن كلمة الإبداع لا تعنى البدعة, بل هي القدرة على استنباط أحكام فقهية مناسبة للعصر دون الخروج عن الثوابت الحقيقية للدين وليس الثوابت المنسوبة للدين وما هي إلا مجرد عادات وتقاليد تتغير بتغير الزمان والمكان, فالمفاهيم الدينية المسيطرة بشكل عام هي المتشددة وإن كانت الأصوات المعتدلة قد أخذت بالارتفاع.

*إذاً أنت ترين انكماشا ملحوظا في سطوه التيار الديني المتشدد.. ما مظاهر ذلك؟

الأصوات المتشددة لا تتراجع إلا بتضامن الأصوات المعتدلة لتشكل جوقة واحدة تعزف نغمة واحدة لا نشاز فيها, فاسمحي لي أن أبدي تفاؤلا حذرا في نظرتي لهذا الانكماش لأنه إذا انحسر المدّ التشددي على بعض المستويات فإنه سرعان ما يزحف باتجاهات أخرى؛ والسبب هو ما أذكره في كثير من مقالاتي أن أحد التيارين المتشدد أو المتفلّت رد فعل على الآخر, فأيهما البيضة وأيهما الدجاجة؟! على كل حال آمل أن تستقر السفينة على وسطية واعتدال وفهم لشرع الله يناسب الزمان والمكان.

*كيف ترين الجدل الذي يدور حول أي نشاط أو موضوع يخص المرأة؟ هل هو من باب التعسف أم انه من منطلق ديني بحت؟

هذا الجدل له مبرراته الخاصة المنطلقة بالتأكيد من مفاهيم دينية خاطئة بسبب "تديين" العادات والتقاليد والتمسك بها خوفا من تحرر المرأة على النمط الغربي, وهذا الخوف نفسه تنعدم مبرراته في حال أُحسن تربية الذكر والأنثى من الطفولة وبالأخص نظرة كل منهما للآخر على أنه أمام كائن مماثل إنسانيا وله نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات إلا ما استثني بنص شرعي صريح, ولا يوجد نص قرآني أو نبوي يمنع مشاركة المرأة في بناء المجتمع عبر أي نشاط أو عمل؛ وقد شرحت في مقالات كثيرة سبب وجود الرأي الممانع لهذه المشاركة وهو الخلط بين حجاب نساء النبي رضوان الله عليهن وبين حجاب المرأة المسلمة الذي لا يتعدى الحشمة المقررة في الكتاب والسنة الصحيحة, علما بأنه حتى أمهات المؤمنين لم يمنعهن الحجاب الخاص بهن من المشاركة الاجتماعية والسياسية .

*ما رأيك في التوصية التي تمنع النساء من الصلاة في صحن الكعبة؟

بمجرد سماعي بها علمت أن مصيرها إلى الزوال لأن الحكمة منها معدومة وكل من الحرمين المكي والمدني يخص المسلمين جميعا لذلك فكل ما يتعلق بهما ينعكس على سياسة المملكة الخارجية, وهذه السياسة كانت دائما وأبدا متميزة بالحكمة, لذلك ألغيت التوصية.

*ما هي اكبر واخطر مشاكل المرأة السعودية؟والسبيل إلى حلها؟

أكبر وأخطر مشاكلنا جميعا وليس فقط المرأة سعودية كانت أو غيرها هي الجهل وغياب الوعي, لذلك فالخطوة الأولى تكون بنشر الوعي المبني على المصارحة والمكاشفة والجرأة في تشخيص الأمراض التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية, والتشخيص الصحيح أول الطريق للعلاج الصحيح؛ ومن ثم يجب إشراك العلاج بالوقاية كي لا تتكرر هذه الأمراض أو تنتقل من الطور الحاد إلى الطور المزمن الذي يبدو أنه أخف حدة لأول وهلة ولكن يستعصي علاجه في الواقع, وآمل أن أمراضنا لم تدخل في طور اللارجعة أو اللاشفاء!

*هل هناك عادات أو أفكار تحتاج إلى استئصال جذري؟

إذا نظرت إلى سؤالك بمنظار الطب والجراحة, فإن لدينا أوراما مترهلة من الأفكار الخاطئة وخراجات متراكمة من العادات السيئة وهي تحتاج إلى بحث وتنقيب للوصول إلى جذورها كي يمكن استئصالها أو على الأقل تخفيف أثرها إذا كان الاستئصال سيؤذي أعضاء حيوية, فالمشكلة إذاً ليست فقط في التشخيص بل في العلاج أيضا لأن بعض الأورام قد تصل إلى مرحلة يصبح استئصالها متعذرا بعد أن نمت وترعرعت دون أن ينتبه لها من البداية, وأضرب مثالا هنا من حياتنا الاجتماعية فلدينا مشكلة زيادة العنوسة لدى الجنسين, فإذا أتينا للبحث عن أسبابها سنجد ارتفاع المهور والخوف من عواقب الارتباط كتسلط أحد الطرفين على الآخر أو بخل الزوج أو.. أو.. ومسؤولية التربية وغلاء المعيشة والبطالة إضافة إلى وجود الأبواب الخلفية لتصريف الرغبات والغرائز وغير ذلك من العوامل التي تجعل الشباب العربي عازفا عن الزواج, وإذا استطعنا أن نناقش هذا علانية ونصل إلى جذوره فسنجد أنه مسؤوليتنا جميعا آباء وأمهات ومربين ومثقفين ودعاة وسياسيين فمن أين نبدأ ولدينا مجموعة من "البكرات" التي تشابكت خيوطها دون أن نجد طرف خيط واحد يوصلنا إلى الحل؟ مع ذلك فإن أهم ما يجب استئصاله هو عادة السلبية الناجمة عن انعدام شجاعة الكشف عن كل ما يسيء إلينا مجتمعات وأفرادا.

*من أين استمد المجتمع السعودي خصوصيته التي يتخذها البعض ذريعة لوقف النقاش فيما لا يرضى؟

أنا شخصيا أوافق أن للمملكة العربية السعودية خصوصيتها الدينية التي تستمدها من وجود الحرمين الشريفين في أراضيها وكذلك خصوصية سياسية واقتصادية تبنى على مكانة المملكة ومساهماتها سياسيا واقتصاديا, أما المجتمع السعودي فخصوصيته التي أوافق عليها هو تميزه عن البلاد العربية الأخرى بعدم وجود التجربة الاستعمارية مما حفظ للشعب السعودي تدينه الفطري, وإن كان هذا التدين قد تم اختراقه لأن الفطرة الدينية تحتاج عقلا يحمي إيمانها من الوقوع في براثن الخرافة والتطرف والغلو, وبالطبع فإن لثورة المعلومات ووسائل الاتصال دور كبير في خلخلة مفاهيم الخصوصية التي توجد لدى بعضهم بشكلها المتعالي على الآخرين.

*هل يمكن أن توضحي أكثر ما هي مفاهيم الخصوصية بشكلها السلبي؟

كل المشكلات الموجودة في المجتمعات العربية يوجد ما يماثلها في المجتمع السعودي بشكل أو بآخر؛ على سبيل المثال التكافؤ في الزواج كثيرا ما يكون عقبة لإتمام زواج متحابين, لكن لم نسمع أبدا بأن مشكلة التكافؤ في النسب أخذت هذا المنحى الذي أخذته في المجتمع السعودي من تفريق الزوجين رغم وجود أولاد بينهما, فقط لأن أخوين غير شقيقين للمرأة رفعا قضية للتفريق بينها وبين زوجها, فهذه المشكلة موجودة في المجتمعات العربية لكن ليس بهذا الشكل النافر, والسبب يعود إلى الإغراق في التعالي القَبلي والذي ليس من الإسلام في شيء, كما يعود إلى عدم وجود قانون أحوال شخصية واضح مستمد من الشريعة الإسلامية, وهو ما أشرت إليه في مقالة بصحيفة الوطن حول مدونة الأسرة في المغرب.

*من خلال تجربتك بموقع إسلام اون لاين..كيف ترين الأسرة السعودية؟ والعربية؟

كثير من الأشخاص السعوديين يلجئون إلى موقع إسلام أنلاين للمساعدة في حل مشكلاتهم, ويبدو لي أن هذه المشكلات سببها العادات والتقاليد التي لا تعطي المرأة ثقتها بنفسها, فهي غالبا معتمدة على الآخرين, ولا تحسن التصرف في المواقف التي تجد نفسها فيها, والسبب لا تتحمله المرأة السعودية وحدها بل ثقافة المجتمع الذي يمنع تحرك المرأة بدون مرافق شخصي؛ وهذا الأمر موجود في بيئات عربية قليلة تحافظ على ركام سيء من العادات والتقاليد يقضي بأن المرأة هي "ظعينة" أي أنثى في هودج لا يجب أن يراها أحد ولا ترى أحدا, وإذا كانت المرأة وهي التي تكوّن شطر الأسرة ونصف المجتمع بهذا الشكل من السلبية فكيف ستكون الأسرة؟ وكيف سيكون الأطفال؟ بالطبع لا تخفى نسبة الطلاق المرتفعة في البلاد العربية عامة وفي السعودية خاصة, وإذا لم يوجد الطلاق فعلا فهناك كثير من الأسر تعيش طلاقا عاطفيا بائنا, وهذا مؤشر عن الأوضاع غير المستقرة للأسر العربية عامة.

*ما الذي تطالبين به كصوت للمرأة السعودية ؟

أطالب للمرأة السعودية بالتربية المتوازن&