|
العربية. نت
تؤمن الكاتبة والطبيبة ليلى الأحدب أن المثقف الحقيقي
هو "رسالي وليس رسوليا" يعيش لتصبح ثقافته جزءاً من
شخصيته ومن أخلاقه، يستخدمها للرقي بنفسه وتصرفاته،
قبل أن يسعى للمساهمة بارتقاء مجتمعه بما يملكه من
أدوات ثقافية، ومهما اختلفت الآراء والاجتهادات حول
كتاباتها إلا أنها تبقى بنظر الكثيرين صاحبة "قلم
مؤثر" يسحرك بسلاسته ورشاقة أسلوبه وإبداع صوره وهو
يأخذك معه في رحله مع وجدانياته, لحروفه طعم خاص،
متميز ولاذع.
تعبر عن آرائها وقناعاتها بوضوح وتنافح عن حرية الفكر
والتعبير بقوة دون اعتداء على "مقدسات الآخرين أو
استلاب آرائهم" ورغم اتهامها بالـ "التطاول والسخرية"
من الصحابة, ووسمها بالعلمانية, فإنها لا تحبذ الدخول
في "مهاترات مع أناس يجتزؤون من نصوصها ما يشاؤون"
ليرضوا أحكاما مسبقة دون "تدبر أو تمعن".
1-
كيف تحب ان تصف أو تعرف الدكتورة ليلى الأحدب نفسها وتقدمها للقراء؟ أو بما بمعنى
آخر كيف ترين نفسك في مرآة الذات؟
إنسانة من بني البشر.. لديها تجارب كثيرة في الحياة
بعضها الأليم.. وبعضها المليء بالفرح.. صادقة وواضحة
مع نفسها ومع غيرها.. لذلك أشد ما تكرهه هو الكذب
والتظاهر والادعاء والتناقض والنفاق..
تحب الحياة والناس وتشعر بمعاناة الآخرين... ولذا تحب
أن تساعدهم ليحيوا حياة أفضل... دون أن تتدخل في حياة
أي إنسان... ودون أن تفرض رؤيتها على أحد.... ربما
لإيمانها بحرية الإنسان في الاختيار ولأن شعورها
بالاستقلال صميمي ونابع من ذاتها..
لديها رسالة منطلقاتها القرآن الكريم والسنة الصحيحة
والعقل الناضج والفطرة السليمة.... وشعارها:(العقل
والإيمان شرطا التحضر والتطور.. والعزيمة والعمل
والمثابرة هي الأركان)؛ علماً بأن مفهوم المثقف
الرسالي غير مفهوم المثقف الرسولي, فهي لا تملك حقائق
مطلقة غير ما ورد في محكم الوحي من ثوابت الإيمان
الستة وأركان الإسلام الخمسة والقطعيات الأخلاقية
والاجتماعية التي لا خلاف عليها؛ لذلك فهي تنادي دائما
بالتفريق بين الحقيقة المطلقة وبين الحقيقة النسبية
المتغيرة بغية الخروج من الارتهان لإسار التقليد
والنجاة من فخ التغريب.
2-
مهنة الطب كان خيارا أم اضطرارا.. ولماذا اخترت
التخصص في مجال الطب النسائي تحديدا؟
جواب هذا السؤال متعلق بالجواب السابق, فلم يضطرني أي
ظرف أو أي شخص لدراسة الطب, بل اتجهت إليه بنفسي لأنه
كان طموحي منذ الصغر أن أكون (دكتورة) وكان أمل أبي
رحمه الله الذي كان مصابا بمرض قلبي, وقد تُوفِّي قبل
تقديمي لامتحانات الثانوية العامة... أما سبب اختياري
لتخصص النساء والولادة فقد ذكرت في إحدى مقالاتي سبب
عدم رغبتي بدراسة طب الأطفال لأني بكيت لمنظر الأطفال
المرضى في مستشفى الأطفال الذي زرته وأنا في السنة
الأولى للطب مع صديقتي التي تكبرني بخمس سنوات وكان
لديها حالة طفل تتابعها؛ أما عندما وصلت إلى السنة
السادسة وهي سنة عملية كلها وليس فيها دراسة نظرية حيث
يقسمون لنا السنة إلى مراحل أو (ستاجات) لقضاء ثلاثة
أشهر مثلا في قسم الجراحة ومثلها في الباطنية ومثلها
في التوليد.. وجدت نفسي في القسم الأخير لأني أخفف
آلام المرأة الحامل أولا وأساعدها على الحصول على
مولود جديد ثانيا؛ وهذه الميزة: مشاهدة الحياة ومظاهر
الفرح التي تُخلق من بين المعاناة وآلام المخاض كان
لها وقع السحر في نفسي خاصة مع تكرار التجربة وتنوعها
وخطورتها.
3-
ليلى الأحدب صاحبة قلم مؤثر.. ما هي العوامل الشخصية
والموضوعية التي ساهمت في تشكيل قلمك؟
أشكرك على هذا الإطراء, وإن كان من الصعب الإحاطة بكل
هذه العوامل, خاصة أنها قد تُفهم على أنها مديح للذات؛
وعلى كل حال فيمكنني أن أركز على عدة عوامل: منها حبي
للقراءة وشغفي بها منذ نعومة أظفاري فأنا أقرأ منذ سن
صغيرة جدا ربما قبل بلوغي ثلاث سنوات, ولا أذكر متى
تعلمت القراءة وكيف! وكان لقبي في العائلة "فأرة
الكتب" وكنت أقرأ كتباً أكبر من مستواي بكثير لكن حب
المعرفة والاستطلاع كان دافعي وراء قراءتي كل ما تقع
عليه عيناي, وخاصة أني البنت الصغرى في عائلة كبيرة
وهناك فرق كبير في العمر بيني وبين إخوتي الكبار مثلا
عشرين سنة وأكثر, فكانت الكتب والقصص في مكتبة أي منهم
بمثابة كنز بالنسبة لي؛ إضافة إلى حرص والدي رحمه الله
على تعليمنا القرآن وتفسيره وتجويده, وقد منحني ذلك
حصيلة لغوية متميزة وثقافة إنسانية غنية ومفاهيم دينية
وافية؛ وفي المدرسة كان تفوّقي في كل المواد بما فيه
مادة اللغة والإنشاء واضحا, ولا أزال أذكر أني فقدت
دفتر الإنشاء لصف الثالث الإعدادي؛ ووجدت أن مدرسة
اللغة العربية قد احتفظت به لتقرأ ما أكتب على الصفوف
الأخرى.
إضافة إلى تنوع قراءاتي في كل الموضوعات الدينية
والاجتماعية والنفسية والسياسية سواء بالصحف أو
المجلات أو الكتب, مع وجود دافع التغيير والتنوير خاصة
مع إحساسي بالتخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية
ونسبته إلى الإسلام, فجزء من مهمتي الكتابية تقع في
منطقة تبرئة الإسلام من التهم التي ألصقها به أعداؤه
وأكدها الحمقى من أبنائه.
4- كيف تقيّمين تجربتك كمستشارة اجتماعية للرد على
مشاكل القراء في موقع إسلام أنلاين؟
هي تجربة جميلة وممتعة ومفيدة لي وللقراء, وخاصة أنه
بحكم الوعي الذي منحني إياه الله سبحانه ونتيجة
لقراءاتي الكثيرة وتجاربي الوفيرة في الحياة فقد كنت
أستطيع أن أكتشف شخصية السائل من خلف حجاب الانترنت,
وأتجاوب معه بكل طاقتي, وأفتح نوافذ أمل في نفسه
وأعمّق من إيمانه بالله, والآن يعرفني كثير من الشباب
والفتيات بمنهجي العقلي والإيماني في حل المشكلات
وكثير منه يتصل بي أو يراسلني - سواء من رواد موقع
إسلام أنلاين أو من الذين قرؤوا كتب أسئلة محرجة
وأجوبة صريحة بأجزائه الثلاثة- لا لشيء إلا ليخبرني
أنه استفاد كثيرا من طريقة تعليمي للسائل كيف يفكر
بمشكلته وكيف يحدد أولوياته وكيف يختار بين الحلول
المطروحة والتي تتفق مع واقعه, ومعلوم أن الحلول التي
أطرحها بعيدة عن المثالية والتنظير وهو ما يقع به بعض
الذين يعيشون في ذاتيتهم وينطلقون من تجربة شخصية
محدودة.
5-
لديك كتاب عن الثقافة الجنسية (ألف باء الحب والجنس)..
ما الذي دفعك لتأليف مثل هذا الكتاب وما الذي يميزه عن
غيره من الكتب التي تعنى بالثقافة الجنسية ؟ وإلى أي
مدى نعاني من (أمية جنسية) في مجتمعاتنا العربية
الإسلامية وهل هناك فوارق في تلك الثقافة بين الجنسين
في عالمنا العربي؟
كتاب (ألف باء الحب والجنس) وضعته لمساعدة الآباء
والأمهات والمربين كيف يتعاملوا مع أولادهم وبناتهم
لتنشئتهم تنشئة عاطفية جنسية سوية, وقد ذكرت دافعي في
مقدمة الكتاب وهو أن الناشر السيد علاء الدين آل رشي
ذكر لي أنه يعدّ سلسلة بعنوان (ما لا نعلمه لأولادنا)
وقد أنجز منها الجزء الأول بمعية بعض الكتاب والمربين,
فوعدته أن أعد الجزء الثاني وأن يكون في مجال التربية
العاطفية والجنسية فهي أخطر ما لا نعلمه لأولادنا
حقيقة؛ ولذلك فإن الكتاب تربوي يتألف من عدة فصول
أهمها ضرورة التربية الأخلاقية والعلاقات الأسرية
الجيدة ووجود الحب بين الأبوين ومراعاة الحياء واختلاف
الفطرة بين الجنسين في التربية دون المغالاة فيها,
وأهمية التقييم الذاتي الإيجابي للطفل والمراهق,
والنمو العاطفي والانفعالي والجسدي, وكذلك مفهوم الحب
والجنس من الناحية النفسية والدينية, والتربية الجنسية
بما فيها الإجابات على أسئلة الأولاد الجنسية, ودور
المدارس والإعلام في التثقيف الجنسي للناشئ وكيفية
حمايته من التحرش الجنسي, إضافة إلى ملحق مترجم عن
منهج علمي جنسي, وملحق مترجم عن صيرورة الحب.
الشطر الثاني من سؤالك على قدر عال من الأهمية لكننا
لا نستطيع أن نسميها أمية جنسية بل هو جهل جنسي أو
اختلاط مفاهيم ثقافي وسببه فيما أعتقد عدم تكامل أدوار
المؤسسات التربوية بما فيها الأسرة والمدرسة والإعلام
والمسجد, بل على العكس إن رسائل مزدوجة ومعايير
متناقضة تصل إلى أولادنا وبناتنا من هذه المؤسسات, مما
يؤجج لدينا موضوع الفصام الاجتماعي؛ وتتمة سؤالك عن
الفارق في الثقافة الجنسية بين الذكر والأنثى هام
أيضا, لأن لدينا إشكالية مخيفة في هذا الأمر, وهو أن
معلومات الفتى يستقيها من الأصدقاء وأفلام البورنو
ومجلات البلاي بوي وما شابه؛ وغالبا ما يسمح له
المجتمع بذلك بل حتى إن الخطيئة الجنسية مغفورة للذكر
في غالبية مجتمعاتنا العربية, وهذا له تداعيات خطيرة
لا مجال للتبحر فيها هنا, لكن بشكل عام فإن الازدواجية
هي الطامة الكبرى في المجتمعات العربية؛ ودرهم وقاية
خير من قنطار علاج, والوقاية تكون بتذكر أننا قدوة
لأبنائنا في السر والعلن واعتبارهم أصدقاء لنا, سواء
كانوا بنين أو بنات, وتربيتهم منذ الطفولة على الدين
المعتدل والخلق الاجتماعي النبيل, , ولا بديل عن
الحوار معهم لمعرفة احتياجاتهم ومساعدتهم في حل
مشكلاتهم.
6-
بدأت منذ سبتمبر 2003 في كتابة مقال أسبوعي لجريدة
الوطن والتي تملك صفحة رأي تعتبر بنظر الكثيرين أقوى
صفحات الرأي في الصحافة السعودية؟ كيف بدأ الأمر؟
ولماذا اختارت هذا النوع من الكتابة (المقالة
الصحفية)؟
اختارني رئيس التحرير الحالي الدكتور عثمان الصيني بعد
أن قرأ لي بعض المقالات المنشورة على الانترنت, وأنا
أذكره باسمه لأنه إنسان يستحق التقدير والاحترام,
ولمساته واضحة في جعل صحيفة الوطن أكثر تميزا وجرأة
سواء مقالات الكتاب أو التحقيقات أو الأخبار العالمية
والمحلية وبالأخص كشف بعض المسكوت عنه في المجتمع
السعودي. أما سبب اختياري للمقالة الصحفية فهو أن
مهنتي أساسا طبيبة أي أنا لست صحفية كما قد يظن البعض,
كما أن كتابة المقالة تهيئ لي إمكانية بحث مواضيع
متنوعة اجتماعية أو ثقافية ونقد بعض العادات
الاجتماعية وإلقاء الضوء على بعض الإشكالات الناجمة عن
عدم القدرة على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة.
7
- ما هو رأيك بالانتقادات الموجهة لكتاباتك من حيث
كونك علمانية أو تجعلين العقل حاكما على الدين مثل
رفضك لحديث أكل الجن للعظم مع أنه مروي في البخاري,
أو حتى السخرية من بعض الصحابة (أبي بكرة في مقالك هل
النساء ناقصات عقل ودين)؟ وما رأيك بشكل عام بما يكتب
عنك في بعض مواقع الانترنت الأصولية؟
ما ذكرته خلال أجوبتي السابقة
يرد عني تهمة العلمانية لأنه من الواضح أن للدين أثر
كبير في تكوين شخصيتي, والعلمانية لا تجعل الدين أساسا
في حل مشكلات الفرد والمجتمع كما هو منهجي, وسأسمح
لنفسي أن أذكر قصة إنسان لجأ لي لحل مشكلته في الأرق,
وهو من بلد عربي ويحمل جنسية غربية وعمره 60 سنة, وذكر
لي أنه لا يمكنه النوم بدون حبوب منومة,
وبما أنه رجل واعٍ فقد ربط ذلك بتجربة أليمة حدثت معه
وهو في عمر ثلاثين, إذ اعتُقِل نتيجة ظلم سياسي وسُجن
في غرفة لا تتجاوز مساحتها 30 مترا مربعا ومعه خمسين
شخصا تقريبا, فصعبت عليه نفسه إذ كيف وهو المثقف يحصل
معه هكذا؟ وفي نفس الوقت كان النوم مستحيلا فبقي ثلاثة
أيام لم يغمض له جفن, ثم أصيب بعدها بنوبة هيستريا
حادة وصراخ واهتياج على كل السجناء الآخرين فاقتيد إلى
المستشفى ومن ثم أفرج عنه, فسافر إلى دولة غربية حيث
أكمل دراسته ونال جنسيتها, والمشكلة التي لم تفارقه
منذ خروجه من السجن أي خلال ثلاثين عاما أنه لا يمكن
أن يأوي إلى فراشه للنوم إلا ويتذكر حادثة سجنه وصراخه
ومعاناته؛ وهو يبحث عن حل لعلاج الأرق, فتكلمت معه
كثيرا ثم وصفت له الصلاة والقرآن وذكر الله لتطمئن به
نفسه {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فقال لي: (يا
دكتورة هذا الكلام لا ينفع معي.. أنا علماني وعندما
ذهبت إلى الغرب أعجبتني طريقة تفكيرهم فنبذت كل ما له
صلة بالدين), فحاورته في ذلك وقصصت عليه شيئا من خبرتي
مع العلاج بالإيمان حتى أقنعته وأعرته كتاب لجيفري
لانغ (حتى الملائكة تسأل) وأعاده إلي وأخبرني أنه أصبح
أفضل من قبل, وطلب مني شيئا من إنتاجي الفكري؛ ثم
تغيرت حياته تبعا لذلك 180 درجة بفضل الله سبحانه, وهو
إذا قرأ ما يُكتب عني فسيسخر من هؤلاء قائلا: أيتها
العلمانية كيف عالجتني من العلمانية؟!
أما حديث الجن فقد ذكرت في إحدى مقالاتي أن منهاج
الفقه للصف الأول الابتدائي جاء فيه أنه لا يجوز
الاستجمار بعظم لأنه طعام الجن, وذكرت أن هذا الحديث
ليس مناسبا لسن الطفل الصغيرة فلا فائدة ترجى منه سوى
إخافة الطفل من الجن كما حدث مع ابني؛ عدا أن فقه
الاستنجاء والاستجمار ليس هو ما ينفع الجيل فيما
أعتقد, ولذلك وضعت مناهج دين متوازنة ومناسبة لكل سن
على حدة ومتناسبة مع الزمن الذي نعيشه. وبالنسبة
للصحابي أبي بكرة رضي الله عنه, فقد نقلت ما كتبته
الزميلة ثريا الشهري, وهي لم تسخر من أي صحابي جليل,
وإذا أردنا أن نشنّع على الشهري أو الأحدب في تقييمهما
لهذا الحديث فمعنى ذلك أننا يجب أن نشنّع على عالم
كبير هو الشيخ محمد الغزالي الذي رفض الأخذ بهذا
الحديث لأنه حديث آحاد, ولذلك قرّر الغزالي أن المرأة
يحق لها الولاية العامة؛ ومع ذلك فأنا أعتقد أن رؤية
الغزالي رؤية حالمة بالنسبة للمجتمعات العربية التي ما
زالت تحت سن الرشد ولا يمكنها أن تقبل بامرأة لتكون
رئيستها؛ علماً بأن مفتي السعودية السابق الشيخ عبد
العزيز بن باز رحمه الله عندما سئل عن بنازير بوتو وهي
رئيسة وزراء باكستان سكت ولم ينكر ذلك؛ وعلى كل حال
فهؤلاء الذين يحاولون أن يشوهوا سمعتي باقتطاع مقولات
لي من سياقها, يؤدون لي معروفا كبيرا:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان
حسود
8-
ترفضين غطاء الوجه في مقالك (أيهما
أحق أن يتبع التقليد أم الشرع؟ )
وتعتبرين أن منع الحجاب في فرنسا أمر داخلي؟ كيف
تنظرين فعلا إلى قضية الحجاب، وهل فعلا منع الحجاب في
فرنسا الذي لا يتضمن بالأساس غطاء وجه أمر خاص
بالحكومة الفرنسية؟
لم أُقدم على ذكر موضوع غطاء الوجه في مقالي المشار
إليه إلا بعد أن كثر تنكّر الإرهابيين بالعباءة وغطاء
الوجه, فأشرت إلى أنه - أي غطاء الوجه - ليس ثابتا
شرعيا بل هو أمر مختلف عليه, وأوردت الشواهد من القرآن
الكريم والسنة الصحيحة والتي تدل على أنه لم يكن
معروفا في مجتمع مكة والمدينة المنورة؛ بل كانت بعض
النساء العربيات - أي البدويات - يستخدمن النقاب, ولم
ينكر الرسول عليه الصلاة والسلام على من غطت وجهها,
فلذلك لا يحق لي الإنكار على من تستخدمه لكن أيضا لا
يحق لمن يعتقد بمشروعيته أن ينكر على من لم تغطي, وقد
ناقشت هذا الأمر في عدة مقالات كان آخرها مقال (حجاب
المرأة بين العقل والنقل) نقلته العربية.نت مشكورة من
جريدة الوطن السعودية؛ أما إن الحجاب في فرنسا أمر
داخلي فهذا ليس قولي بل قول فضيلة شيخ الأزهر, ولقد
كتبت مقالا ونشرته في موقع إيلاف بعنوان:(وما يزال
النفاق مستمرا.. حلال على بني يعرب حرام على غيرهم)
أوضحت فيه رفضي للنفاق والازدواجية وبيّنت رأيي في
حجاب المرأة وهو أنه عبارة عن الخمار الذي يستر الشعر
والعنق, والجلباب الذي يستر مفاتن الجسد الأنثوية كما
هو واضح من الآية 31 في سورة النور والآية 59 في سورة
الأحزاب, وذكرت أن هذا النوع من الحجاب الخاص بالمرأة
المسلمة يختلف عن حجاب نساء النبي عليه الصلاة والسلام
وهو الاحتجاب الكامل عن أعين الرجال لأنهن ممنوعات من
الزواج بعد وفاته؛ وفي المقال نفسه أشرت إلى النفاق
العربي الذي يريد فرنسا أن تعترف بالإسلام وحجاب
الفتاة المسلمة في بلد أقل ما يقال عنه أن ثقافته غير
إسلامية بينما لم نسمع صوتا يشجب قرار تونس بمنع
الفتيات والنساء المحجبات من العمل والدراسة مع أن
تونس بلد جامع الزيتونة؛ ومع ذلك فأنا لم أغفل الإشارة
إلى خطأ فرنسا التي ترفع شعارات الحرية والمساواة
والإخاء في الوقت الذي يخدم فيه قرار منع غطاء الشعر
التوجهات المعادية لحوار الثقافات والتعايش بينها, بل
لقد كتبت مقالة خاصة في صحيفة الوطن لدعم الفتاة
الفرنسية التركية الأصل سينيت دوجاني التي اختارت أن
تحلق شعرها لأنها منعت من دخول المدرسة بالحجاب. ويبقى
أن أضيف أمرا هاما هو أن اختلاف الرأي بين علماء الدين
الإسلامي في موضوع الحجاب وهل يشمل غطاء الوجه أم لا,
أثّر سلبا على قضية الفتيات المحجبات الفرنسيات - وعلى
غيرهن من المحجبات في الغرب - ولو وُجد اتفاق بين
علماء المسلمين لكان الصوت الرافض داخل فرنسا لهذا
القرار أعلى وأقوى مما سمعناه, فمن تعتقد أن غطاء
الوجه مثله مثل غطاء الشعر ستعتقد أن من تكشف وجهها هي
سافرة مثلها مثل من تكشف شعرها؛ فلماذا ترفع صوتها
مطالبة بحق الفتاة الفرنسية المسلمة في غطاء الرأس؟
9- في عدة مقالات ذكرت أن التشدد الديني يمنع المرأة
من أخذ دورها الكامل في المجتمع كانسان منتج وله
اعتبار؟ ولكن وفي ظل المفاهيم الضبابية في الخطابات
الإسلامية المتعددة والمتضاربة احيانا حول وكل خطاب
يصف نفسه بالاعتدال أو يقدم نفسه على انه يعكس الصورة
الحقيقية للإسلام؟ إلى أي مدرسة تنتمي د. ليلى الأحدب
وهل لديك تعريفك الخاص للتشدد؟
أنا أنتمي إلى مدرسة تفهم الإسلام بمقاصده وغاياته
الكبرى وأنه الدين الذي يلبي حاجات الإنسان الفطرية
ويساعده على بناء المجتمع الكوني وإقامة الحضارة
الإنسانية, فهو لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكا لكنه
أيضا لا يبيح له أن يكون حيوانا, هذا على صعيد الفرد
وعلاقته مع نفسه, أما من حيث علاقته مع الأفراد
الآخرين فمدرستي هي المدرسة الحضارية التي تعترف بأن
التنوع والاختلاف سنة كونية لذلك لا ترفض الآخر بل
تتفهم دوافع وجوده وتتقبلها, وعندها يمكنها أن تستفيد
منه دون أن تسعى لإلغائه, بل تتلافى أخطاءه؛ وهي
المدرسة التي تعلّمنا فيها من النبي عليه الصلاة
والسلام أنه رحمة مهداة وكيف يتعامل مع المسلم العاصي
بفتح باب التوبة له, وكيف يتعامل مع غير المسلم
المختلف في حالين اثنين: حالة المختلف المسالم وحالة
المختلف المحارب؛ أي نكره المعصية لا العاصي ونكره
الكفر لا الكافر المسالم, وكيف يتعامل أولا وأخيرا مع
الواقع فمكانة النبي في مكة المكرمة غير مكانته في
المدينة المنورة, ففي الأولى كان داعياً إلى الله
وسراجاً منيراً, وفي الثانية - أي بعد التمكين السياسي
للمسلمين ووضع وثيقة التفاهم مع اليهود الموجودين في
المدينة- كان كذلك لكنه كان أيضا رئيسا سياسيا وقائدا
عسكريا؛ ومن هنا أستطيع أن أشرح مفهومي للتشدد بأنه
الاتجاه الذي يتعامل مع الإنسان بوصفه ملاكا يجب ألا
يخطئ وإلا فإنه يستحق الإهانة والكراهية والنبذ- وهذا
عكس تعامل نبينا مع المخطئ الذي فتح للمخطئ باب التوبة
على مصراعيه- كما أنه الاتجاه الذي يخلي الدين من
الرحمة, على سبيل المثال فإن آيات الرحمة في القرآن
أكثر من آيات العذاب, والحسنة بعشرة أمثالها والسيئة
بمثلها, وعلى العكس من ذلك فإن التشدد يقوم على
الترهيب لا الترغيب ولا على الموازنة بينهما؛ أما من
ناحية علاقة الإنسان بغيره فالمخالف في وجهة النظر
المتشددة هو كافر دون محاولة فهم السعة والرحمة في
الاختلاف بالفروع بين المسلمين ودون محاولة إدراك سنة
الله في اختلاف الأصول بين المسلمين وغيرهم من أصحاب
الديانات الأخرى, وأما المرأة في الرأي المتشدد فهي
أحبولة الشيطان ولذا يجب أن تكون حبيسة البيت ولا تخرج
من بيت أبيها إلا لبيت زوجها إلا للقبر, دون تذكر
عبارات مقدسة مثل (رفقا بالقوارير) و(من آياته أن خلق
لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة
ورحمة)؛ وبكلمة واحدة فإن التشدد هو الذي يسلب عن
الإسلام الصفة الإنسانية الحضارية التي ترفعه إلى
المكانة الحقيقية بوصفه ديناً صالحاً لكل زمان ومكان
وذلك من حيث كونه ديناً عالمياً قادراً على الحوار
والتعايش مع الأديان الأخرى وعلى توليد حلول حقيقية
وواقعية لكثير من مشكلات البشرية المستعصية.
10-
ما هي نظرتك إلى مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة؟
لما كان الإسلام قد ساوى بين
الرجل والمرأة في المسؤولية أمام الله عز وجل وفي
الثواب والعقاب, كان لا بد أن تتبع هذه المساواة
مساواة أخرى في الحقوق التي تهيئ للقيام بالمسؤولية
الأدبية والمادية,
وقد أتحفنا الفقهاء - كابن رشد وابن القيم وغيرهما -
على مر العصور بأقوال تؤيد أن الحقوق والواجبات للرجال
والنساء هي نفسها ما لم يوجد استثناء بنص شرعي, ولذلك
فإن مساواة المرأة بالرجل هي الأصل, والاختلاف واقع
فيما فيه أمر
شرعي, والاختلافات في الأحكام الشرعية بينهما قليلة
جدا وتتفق مع فطرة الرجل والمرأة ومع استقامة الحياة
الأسرية والاجتماعية, وبرأيي فإن هذه الاختلافات في
الأحكام الشرعية تنضوي تحت بندين اثنين: أولهما قوامة
الزوج على زوجته في الأسرة وما يستدعيه ذلك من كون
الذكر له نصيب الأنثيين لأنه هو المنفق على الأسرة في
حال زواجه, وله حق الطلاق لأنه هو من يقدم المهر
بمقابل حق الخلع للمرأة؛ وثانيهما حجاب المرأة في
المجتمع الذي لا يعني حجب المرأة عن المشاركة
الاجتماعية؛ ولكن لا بد من الإشارة إلى الفهم الخاطئ
لموضوع القوامة الذي ألغى مفاهيم المودة والرحمة التي
تكلمت عنها, وإلى التركيز على دور المرأة في الفتنة
الذي غيّب دور الرجل في غض البصر.
11-
باختصار ما هي أهم مقومات النجاح لمؤسسة الزواج من جهة
نظرك؟
بعد التأكيد على الاختيار الواعي القائم على وجود صفات
معنوية كالأخلاق والدين بالدرجة الأولى ثم صفات مادية
كالجمال والمال التي تأتي بالدرجة الثانية, فإن الزواج
لا بد أن يقوم أيضا على القناعة العقلية والمحبة
القلبية بين الفتاة والشاب المقبلين على الزواج, وهذا
ما يمكن فحصه في مرحلة الخطوبة مع الأخذ بعين الاعتبار
رضى الأهل ومباركتهم للزواج, وكذلك شعور الخاطبين
أنهما قادران على تحمل مسؤولية إدارة مؤسسة الأسرة
التي تحتاج قلوبا دافئة وعقولا واعية.
12-
هل هناك موقف انساني مؤثر في حياتك غيّر شيئا معينا في
سلوكك أو فكرك أو نظرتك لأمر بشكل جذري؟
هناك كثير من المواقف الإنسانية المؤثرة التي غيّرت
شيئا في نفسي لكني سأجيب مع إلغاء عبارة "بشكل جذري"
حتى لا يكون في كلامي مبالغة, من هذه المواقف وفاة أبي
رحمه الله وكنت حينها في السابعة عشرة من العمر, إذ
كان أول حزن عميق خبرته في حياتي, وكان من عادتي في
بداية كل صيف أن أذاكر تحت أغصان شجرة التوت الكبيرة
على سطح المنزل وتسقط ثمارها على كتابي وتلوثه بأثرها
الرائع, بينما يبقى طعمها الأروع في فمي وقتا طويلا؛
لكن بعد مرور سنة على وفاته جلست في نفس المكان فسقطت
حبة توت ممتلئة على كتابي فافتقدت ذلك الطعم وخّمَّنت
أن الشجرة حزنت على أبي.. ربما لأنه كان هو من زرعها
قبل مولدي, وهذا ما جعلني أعتقد أن النباتات لها إحساس
بشكل ما, وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن النباتات تنمو
بشكل أسرع وأفضل مع وجود الموسيقى مما يدل على أن لها
شعور وإن كان مختلفا عن شعورنا نحن.
13-
أين تجدين نفسك أكثر في الكتابة أم الطب؟
سابقا كنت أجد نفسي في اختصاص التوليد, فقد كانت لحظات
سعادة حين أمسك بمولود يريد أن يحيا رغم ضعفه, أما
الآن فعملي في العيادة فقط لكني أتواصل مع مريضاتي
بشكل طيب, أما الكتابة فهي نبع عطاء لا يمكنني أن أعيش
بدونه.
14-
هل للصداقة حيز عندك، ومن هم أصدقاء د. ليلى (
بالصفات وليس الأسماء)؟
لدي بعض أصدقاء وصديقات على الواقع, منهم من أعتبره
كالأخ أو الأخت وهو أحد اثنين:(خير أصدقائك من تكون
معه كما تكون مع نفسك) أو (أحب أصدقائك هو الذي لا
يحيجك إلى مداراة ولا يلجئك إلى اعتذار) لذلك فهؤلاء
المفضلون لديّ يعلمون أن وقتي لا يسمح لي بالمجاملات
كثيرا لكنهم يعلمون أيضا أنهم عندما يحتاجون مساعدة
فإن سيارة الإسعاف الخاصة بي - المعنوية طبعا - تكون
على بابهم دوما؛ وكلمة الصداقة بالنسبة لي مشتقة من
الصدق, وقد يظن بعضهم أن المحبة تكفي ليكون المرء
صديقا, والحقيقة أن الصداقة أيضا تحتاج وعيا كبيرا,
فكما قيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل..
15-
ما أهم وصية تحرصين على تركها لأولادك؟
وصيتي لهما الآن وهما في سني الدراسة قول رسول الله
عليه الصلاة والسلام: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله
ولا تعجز), وعندما سيغادرونني ستكون وصيتي هي وصية
لقمان لابنه: (اثنان لا تذكرهما أبدا: إحسانك إلى
الناس وإساءة الناس إليك, واثنان لا تنساهما أبدا:
الله والدار الآخرة) وبالتأكيد سأضيف عليها: لا تنساني
أنا أيضاً |