الصفحة الرئيسية
  

 خارج السرب (حوارات) حوار د. ليلى الأحدب - جريدة الوطن العُمانية

 

حوار حول قضايا الثقافة والحداثة

 
 

* هل  تعتقدين بأن على الثقافة العربية أن تختلف عن الآخر وعن الماضي  وأن تشكل  خصوصية تستعين بالمرجعيتين ولا تخضع لهما ..؟

** أعتقد أن الجواب بنعم يجب أن يكون أمرا مفروغا منه، فإذا اعتبرنا أن الحضارة تتألف من قسمين : مدنية وثقافة، فالمدنية هي البنيان المادي العلمي للمجتمع، أما الثقافة فهي البنيان المعنوي الروحي الجمالي له، ولا بد أن يكون لهذا البنيان الثقافي ميزاته الخاصة التي تجعله مختلفا عن غيره من المجتمعات، ولكن هذه الخصوصية لا تعني عدم التناغم مع العصر.

 لقد تكلم كثير من المفكرين عن هذين الاتجاهين: الاستلاب نحو الآخر أو الاستلاب نحو التاريخ، فمالك بن نبي رحمه الله ذكر في بعض كتبه أن العالم الإسلامي يتهاوى بين فكرتين: فكرة ميتة وهي الفكرة التي خذلت الأصول وانحرفت عن مثلها الأعلى ولذا ليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصلية؛ وفكرة مميتة وهي الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافية بعدما فقدت جذورها التي بقيت في عالمها الثقافي الأصلي، وفي هذه وتلك خيانة أفكار تجعلها سلبية وضارة.

نحن في الجانب المادي للحضارة تابعون للغرب شئنا أم أبينا حتى بتنا متطفلين على مائدة الحضارة بعد أن كنا صناعها وبُناتها المهرة، وهذه رغم أنها حقيقة مؤلمة، لكنها لا تبرر لنا التبعية العمياء في الجانب المعنوي للحضارة أي في الجانب الثقافي فلا يصح أن نقلد أسلوب حياة الغرب أو أن نأخذ بنمطه الاستهلاكي أو إعلائه لقيم المتعة والمادة على حساب القيم الجوهرية الإنسانية الحقيقية.

ثقافتنا العربية تستمد أصولها وقوتها من منبع الروح، فالأرض العربية هي مهبط كل الديانات السماوية، هذا من الناحية التاريخية، وكان لنا على هذه الأرض حضارة سطعت شمسها وأنارت العالم القديم كله، وهذا من الناحية الجغرافية، ولنتذكر أن عنصر تلك الحضارة ووقودها الأساسي هو الإسلام، وأقصد هنا الإسلام الحضاري الذي جمع كل الديانات الأخرى تحت رايته في أخوة إنسانية فريدة؛ وكي يكون المشروع الثقافي النهضوي للأمة العربية مشروعا حضاريا يجب أن لا يغفل هذه الحقيقة، فنحن كما ينبغي أن نماشي عصرنا ومتغيراته يجب أيضا أن لا نتجاوز إطار الثوابت المتماسك والتي هي تحديدا القرآن الكريم والحديث الصحيح سندا ومتناً.

وهنا أمر مهم تجدر الإشارة إليه أننا مع عصر الإنترنت أصبحنا نشهد انفتاحا ثقافيا ليس له مثيل من قبل، وحري بنا أن نطلع على الثقافات الأخرى ونحتك بها ونأخذ منها ونعطيها، وأنا أرى أننا إذا كنا فعلا واثقين من أنفسنا ومن صلاحية ثقافتنا ومن عالمية رسالتنا، فيجب أن نخرج من حالة الدفاع عن النفس أو التقوقع على الذات، ونظهر للغرب أن لدينا أيضا ما يفتقده هو، فتخلي الغرب عن البعد الروحي للإنسان أدخله في متاهات لن يجد حلا لها إلا بالرجوع إلى إنسانيته.

 

* ازداد  الجدل  حول  الحداثة بين المفكرين العرب فما الذي  يمكن أن نأخذه  وما الذي  نرده  بخصوص  ضغوط  الغرب  على الوطن العربي  للأخذ  بالحداثة..؟

** الحداثة هي حصاد موروث فني وفلسفي تشكل عقب الثورات الكبرى التي قامت في أوروبا وهي الثورة الصناعية والتي أفرزت الماركسية، والثورة الفرنسية التي مهدت للخروج على كل سائد ومألوف، والثورة العلمية التي هزت أركان الكنيسة واستبدلت الولاء لها بالولاء للعلم.

إذن الحداثة بكل طروحاتها وأشكالها لا تخلو من أثر الحضارة والثقافة الغربية، ولعل من الواجب تحديد أهم السمات الرئيسية التي تتميز بها الثقافة الحداثية ألا وهي المادية واللاغيبية والإلحاد، فالطبيعة والخالق سيان، والمفهوم الديني عائق للفكر والإنتاج ومقيد لحرية الإنسان واستقلاله الذاتي - هكذا  يعتقدون-  ثم الثورية والروح النقدية المتواصلة ومنح العقل والعلم سلطات مفوضة للحكم على الأمور؛ وكذلك الإنسانوية والروح الاستكشافية فالإنسان مصدر وأساس كل قيمة، والكون اللامتناهي من حوله مسرح للخلق والإبداع الإنساني بدون حد أو قيد.

هنا يجب أن نتذكر أن إعلاء قيمة العقل وأهمية الإنسان أمر أساسي في منظومتنا الفكرية الحضارية، فديننا  الإسلامي  دين العقل وأجدادنا سبقوا الغرب في وضع المنهج العلمي التجريبي، والإنسان مميز عن سائر المخلوقات، والطبيعة كلها مسخرة له ومكوناتها ليست مستغلقة على الفهم بل خاضعة لمجهر التأمل والبحث؛ فهذا كله لا مانع أن نأخذه من الغرب فهو بضاعتنا ردت إلينا، وما علينا أن نتبينه فقط هو أن العقل ينتهي دوره عندما يصل لما وراء العقل، وهنا الفرق أيضا بين الحداثة وما قبل الحداثة في أوروبا، فرغم أن فولتير مثلا من الذين مهدوا للثورة الفرنسية بفكره وبسخطه على الكنيسة، لكنه كتب عن حدود العقل البشري في موسوعته الفلسفية، كما كتب عن شعوره بارتباطه بإله واسع الحكمة، وهزأ ممن يقارنون القدرة البشرية بالقدرة الإلهية، ونعى على صديقه الملحد هولباخ رفضه الكلي للدين. ثم إن عدم وضع أي حدود للإيجاد البشري تظهر نتائجه الآن بمحاولات استنساخ البشر والتي إذا نجحت ستؤدي إلى غياب مفهوم الإنسانية كليا، لذلك مع التأكيد على ضرورة عدم وضع أي قيد على الإبداع والإيجاد فإن الفاصل بين الإبداع واللاإبداع هو مردوده ونتاجه، فلا يمكن أن نعتبر الإفساد في الأرض إبداعا مثلا حتى لو كان خلقا وابتكارا.

من الجدير بالذكر أن الحداثة انتقدت في بلادها التي نشأت بها، فلقد ارتأى عالم الاجتماع فوكو أن الحداثة أفرزت نظم الاستبداد واستعباد الشعوب وازدواجية المعايير، ولذلك دعا إلى تطوير أنماط جديدة من التفكير والسلوك والمشاعر تنبني على التكاثر بدل الاختزال والتوحيد، وعلى التقابل بدل التماثل، لأن هذه الأنماط القائمة حاليا تجعل العالم كله تابعا للغرب، ويتبدى هذا واضحا في آخر تجليات الحداثة ألا وهي العولمة. ومن وجهة نظر المفكر د. طيب تيزيني فإن الحداثة تفصح عن كونها وعيا أيديولوجيا مراوغا مخاتلا، يراوغ على وظيفتها (الاستشراقية) بحيث تبدو هذه الوظيفة تأكيدا على ضرورة إلحاق الشرق (اللاعقلاني) بذاك الغرب، وما ذلك إلا في سبيل (تمدينه وتحضره) ؛ هذا رأي نقاد الحداثة أما من وجهة نظر مؤيديها فهي ذات وجهين: وجه إيجابي دينامي تقدمي واعد بأسباب الرخاء والاكتفاء غير المسبوق، ووجه سلبي مظلم لما تنطوي عليه من مشكلات اجتماعية ونفسية وثقافية حادة. بالنسبة للمجتمعات العربية فإن ركوب موجة العصر شيء لا بد منه، فليس ثمة أماكن للجوء أو الانسحاب أو الهرب، والجديد لولا الحاجة إليه لا يؤخذ، والقديم لولا انتهاء صلاحيته لا ينبذ. ولكن على المجتمعات العربية التي تخوض غمار هذه التجربة أن لا تقبل بالمضي في طريق الحداثة والتحديث تحت أي ضغط، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى زيادة آلامنا ومشاكلنا وتشوهاتنا، بينما يختلف الأمر عندما نأخذ ما نأخذه ونحن واعين لاختلاط السلبي فيه بالإيجابي، متذكرين سياقه التاريخي الذي نشأ فيه، مستوعبين أن لنا خصوصيتنا وثوابتنا التي يجب أن لا نتخلى عنها، فمع وجود الوعي تصل الأمة إلى مستوى الإنتاج المعنوي والفكري والثقافي، ومنه تستطيع أن تصل إلى مستوى الإنتاج الاقتصادي والمادي.

 

* ما رأيك بالنزعة الحداثية في الأدب والفن..؟ وكيف كان تأثيرها  على مثقفينا وعلاقتهم بموروثنا اللغوي والأدبي والجمالي..؟

** لا يمكن فصل النزعة الحداثية في الأدب والفن عن سائر المسائل الفكرية والثقافية والاجتماعية المتعلقة بها. وإحدى وسائل تعريف الحداثة هي أنها خروج على التقاليد والتراث، فقد خرجت الحداثة الأدبية والفنية في القرن التاسع عشر عن الأنماط التي كانت سائدة قبله، وبخاصة الواقعية والرومانسية، والحداثة في الأدب والفن لا تعني رفض الماضي فحسب، بل إنها تعلي الفردانية على الكيان الاجتماعي، وتفضل اللاوعي على الوعي الذاتي، وتعبر عن فوضى العصر واضطرابه وعن سيطرة مبدأ (اللايقين)، ولذلك دلل أرنولد توينبي على علامات ثلاث تميز الثقافة الغربية وهي اللاعقلانية والفوضوية واللامعيارية. فالحيرة والارتياب هي من العلامات المميزة للحداثة الأدبية والفنية. وبهذا الأسلوب تتحول الحداثة إلى نقيضها، فبينما هي في نزعتها أساسا تعلي من قيمة الإنسان نرى أنها تجعله مستنفذا إنسانيا وفنيا وجماليا؛ وإذا كانت الحداثة قد أتت تحت عباءة مجموعة من التيارات الفنية الأدبية، من الانطباعية إلى السريالية، فإنها أفضت برأي بعض المفكرين إلى (تحطيم كل ما هو إنساني) وإلى هدم لكل القيم الإنسانية التي كانت سائدة في الأدب، إضافة إلى أنها قادت الفن إلى ظلمات الفوضى واليأس. وإن ارتباط بعض أبرز ملامح الحداثة ـ الفنية والأدبية تحديدا ـ بسلسلة من النعوت السلبية (الفوضى، التشظي، العبث، العدم، اليأس، التدمير... الخ) كانت سببا للشكوى من مثل هذه (السلبيات)، وما يمكن أن تخلّفه من آثار تضرّ بالمبادئ والأفكار والقيم والأساليب والأشكال الأصيلة السائدة للجمال؛ وهذه الشكوى ليست وليدة الساعة، فالصحفية والكاتبة غادة السمان أوردت في أحد مقالاتها القديمة ما يراه السائح في معرض الفن الحديث بباريس من جنون ـ على حد تعبيرها ـ مثل لوحة لرسام كلها سوداء تماما، ولوحة لآخر كلها بيضاء تماما، ولوحة اسمها (غامق فوق البني) وهي فعلا لون غامق فوق لون بني شاسع. وتحدثت عن القرف في الفن الذي شاهدته في متحف الفن الحديث بروما حيث عرض الفنان الإيطالي مانزوني (فضلاته) بعد أن عبأها في علب كونسروة خصيصا للسياح الأميركان، وعلى جدران المتحف صورة في مرحاض بيته. وممن أشاروا إلى ذلك أيضا كان المفكر مالك بن نبي رحمه الله إذ ذكر أنه في معرض للرسوم الزيتية أقيم في لوس أنجلوس نالت الجائزة الأولى لوحة بعنوان (مقهى لاوس) كانت ببغاء عوراء أنجزتها حين تركها صاحبها تتخبط بالألوان بالقرب من قماشة الرسم، ولم يكن لهذا الخداع في الإطار الفني الناتج عن العصر السوريالي أن يحدث لو لم تحرِّف القوانينُ الجمالية التي شوهتها السوريالية مقاييسَ الجمال لدى المحلفين المشرفين على الجائزة.

لقد تركت الحداثة أثرا ذهنيا ونفسيا لدى بعض المثقفين العرب الذين أدرجوا أنفسهم في رهان التقليد للغرب؛ لذلك فهي رغم أنها تعبر عما يجول في نفس الأديب أو الفنان من اضطراب ورفض وقلق، لكنها لا تُروي تطلعات الأمة ولا تزيد من وعي المجتمع، مع أن هذين الأمرين من أولويات عمل المثقف، لأنها كشجرة غريبة اجتثت من فوق أرضها الأصلية وزرعت لدينا بدون جذور؛ عدا أنك ترى بعض شعراء أو أدباء الحداثة يعتمدون ألفاظا مفسدة لذوق القارئ، ويصرون على تراكيب مغرقة في الغموض، ويخرجون عن كل قواعد اللغة، بينما التحديث الحقيقي عندما يكون حتمياً، فإنه يجب أن يكون استجابة لحاجة الأمة، موصولا بموروثها الأدبي، مستثمرا كل طروحات التجديد في مختلف الآداب، ممنعا ضد كل أنواع التلوث الفكري، مذعنا بطواعية واحترام للثوابت، وإذا كان كونفوشيوس حكيم الصين يقول:(إذا أردت أن تصلح المجتمع فأصلح اللغة)، فإن قواعد لغتنا العربية هي من الثوابت التي يجب أن لا تمس لأنها اللغة التي فضلها الله على كل اللغات الأخرى، فجعلها لغة القرآن الكريم، وهذا أكبر دليل على صلاحيتها وقدسيتها، فلماذا نفسد اللغة إذا أردنا أن نصلح المجتمع؟!

 

* هل تعتقدين بوجود قصور في الحركة الثقافية العربية للتصدي للاستحقاقات المترتبة على الواقع العربي..؟

** كلنا يعلم أن الوطن العربي خضع وما زال خاضعا للهيمنة الغربية، ويبدو لي أن الخروج من إسار هذه التبعية ممكن إذا أتيح للمثقف أن يبث الوعي فيروض العقول والنفوس التي تتمترس خلف ركام الماضي وردوم التقاليد، وينبش المسكوت عنه ويفعل المفكَّر فيه.

إن المثقف العربي يرى المعطيات الإيجابية للحداثة الغربية ويفكر فيها، لكن واقعه يفرض عليه نسقا آخر من الطاعة والخضوع، لذلك فهو يعيش حالة ازدواجية أو فصامية بينه وبين نفسه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الواقع العربي نفسه يعاني من ازدواجية اجتماعية، والمثقفون أنفسهم ينقسمون إلى تيارين كل منهما يحط من شأن الآخر، فتيار أذهلته الحداثة فنادى بالأخذ بها حتى لو كان هذا على حساب أصوله التراثية الحية، وتيار نادى بالرجوع إلى الماضي والتمسك بنموذج مستعار منه دون التفريق بين ما هو حي وأصيل ومتجدد العطاء في تراثنا وبين ما هو جامد وآني وعرضي في هذا التراث. والمشكلة الكبرى أن العلاقات بين هذين التيارين يحكمها التوتر وسوء الفهم لأن كل منهما يظن بأنه يصدر عن جملة من المسلّمات الأولية التي يعتقد في صحتها المطلقة؛ وهذه الازدواجية تضرب أطنابها في كل مناحي الحياة وتنعكس آثارها على الصورة العامة للمجتمعات العربية والإسلامية، فلم يعد لمجتمعاتنا أي هوية مميزة، وما يجمعها فسيفسائية غريبة هجينة متناقضة على صعيد المشاعر والأفكار والسلوك. ولقد تغلغلت هذه الفسيفسائية في تضاعيف الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية، وضربت الإنسان العربي في الصميم فهو لا يجد نفسه إلا أمام خيارين لا ثالث لهما إما التحديث الجاهل أو التقليد الغافل، ومهمة المثقف العربي الحقيقي أن يضع نفسه ومجتمعه وجها لوجه أمام خيار ثالث هو رفض هذا وذاك، والعودة إلى الذات الحقيقية الأصيلة والتحرر من التقليد والآبائية والوصول إلى التميز المستقل عن الآخر. وبما أن التبعية الاقتصادية والسياسية تفرض أنماطا جمة من التبعية الاجتماعية والثقافية، لذلك فإن مهمة المثقف ليست سهلة إلا إذا استطاع أن يتحرر هو أولا من عقلية الأسير، ولا يستطيع ذلك إلا من كان مسكونا بهاجس التغيير.

 

* هل  المجتمعات العربية تعيش  في مرحلة ما قبل  الحداثة..؟ ما هو المخرج برأيك..؟ وهل من ضوء في نهاية النفق نحو الأخذ بالحداثة..؟

** إذا كنا نقصد بما قبل الحداثة الفترة المظلمة التي كانت تعيشها أوروبا قبل عصور التنوير وإذا نظرنا إلى الوجه الإيجابي للحداثة وهي أنها دينامية واعدة تقوم على الرفض والنقد ولها آثارها الجيدة كالديموقراطية وإعلاء قيمة الإنسان وبناء مؤسسات المجتمع المدني فهنا تكون الإجابة على الجزء الأول من السؤال بنعم؛ ولكن إذا تأملنا وجهها السلبي والذي سيطل علينا ولا شك إذا أخذنا بها كما هي والذي من مظاهره: انهيار مؤسسة الأسرة، الأمراض النفسية نتيجة تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة، تزايد العنف والجريمة، الإباحية، تضخم قطاع اللذة والميديا وغزوها حياة الإنسان الخاصة ودورها الضخم في صياغة صورة الإنسان وطموحاته وأحلامه، تزايد الإنفاق على التسلح وأدوات الدمار الشامل، عندها فإن من الأفضل تغيير رتم ونمط هذه الحداثة. وكما يوضح د. عبد الوهاب المسيري بأن وعد الحداثة الغربية كان هو تأكيد مركزية الإنسان في الكون، ولكن تحققها تاريخيا يسير بنا كلنا بخطى حثيثة نحو موت الإنسان بل وموت الطبيعة. ويتضح هذا من خلال البعد المهم في منظومة الحداثة الغربية وهو الخلو من القيمة  value-free فتصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية، وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم علي أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل وبين الجوهري والنسبي، وأخيرا بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة، وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟

الحداثة التي تبناها العالم الغربي جعلته ينظر إلى نفسه باعتبار أنه هو (وليس الإنسان أو الإنسانية) مركز العالم، وأن ينظر للعالم باعتباره مادة استعمالية يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدما وقوة، هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخيا، وليس كما عرفت اصطلاحيا؛ ولذلك فقد يكون من الأجدر أن تحيي الأمة تراثها الخالد وتترك الموروث الجامد، فيوحد الجميع قواهم ويتعاونوا على توليد المشروع الحداثي العربي والإسلامي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة التي تحاول تجاوز الحداثة المبنية على التناقض والصراع، حتى نتوصل إلى حداثة إنسانية تدور في إطار منظومة قيمية ترى أن تحقيق السعادة لا يكون عن طريق زيادة الثروة ونهب الطبيعة واستغلال الإنسان، إنما عن طريق تبني قيم إنسانية مثل العدل والتكافل الاجتماعي والتوازن النفسي والكوني.

 
 
         
 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |