الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) أيها السعوديون.. أحبكم فاسمعون
 
 
 

بعد إقامتي لفترة تزيد على عشر سنوات في المملكة العربية السعودية تنقلت فيها بين مناطقها المختلفة من القصيم إلى الرياض إلى جدة, وتعايشت مع أنماط مختلفة من البيئات التي تتراوح بين الريف والمدينة, وتآلفت مع أنواع متنوعة من الثقافات التي تتباين بين البدو والحضر, وعانيت خلالها الأمرين من بعض المواطنين وغيرهم من المقيمين, وعاينت - رغم معاناتي- طيبة أفراد آخرين, لا أستطيع أن أقول إلا أني أحب السعوديين, ولا أتمنى إلا أن يكون هذا البلد الكريم الذي نعمت بخيراته بلدا آمنا تعمه المحبة ويظله الاستقرار; وكي لا يظن بعضهم أني أبدأ مقالي هذا بالمدح لأنهيه بالذم, فإني أقول وبصدق أني لا أعرف إذا كانت السعودية بلدي الأول أم بلدي الثاني بعد سورية, فلا فرق عندي بينهما ولا أشعر إلا أني بين أهلي في كليهما, ولذلك أشعر بأن كل ما يصيب هذا البلد الآمن يصيبني شخصيا, وكيف لا وأنا أتمثل دائما قول الشاعر (فلا هطلت علي ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا).

لقد تساءل معظمنا مواطنين ومقيمين لماذا حدث ما حدث? ما المبرر لهذه الأفعال الشائنة التي يعزوها فاعلوها إلى الإسلام مع أن الإسلام يحرم القتل والإفساد في الأرض بشكل يكاد يكون مساويا لتحريم الشرك بالله, فالشرك ظلم للنفس, أما قتل النفس فهو ظلم للمقتول وظلم للقاتل الذي سيلقى جزاؤه في جهنم, وإذا كان قتل النفس الواحدة يعتبر كقتل الناس جميعا فكيف بمن يقتل الأبرياء ويسفك الدماء في شهر الخير والنماء? أعاد بعض الشجعان السبب إلى خلل في الفكر والأيديولوجية لدى هؤلاء المجرمين, فمنهم من رد على المبررين, ومنهم من أنكر على المؤدلجين; والحقيقة أن الإرهاب يبدأ بالفكر وينتهي بالسلوك, والإرهاب الفكري متغلغل عند شريحة كبيرة خاصة من الشباب المراهقين الذين يمكن تفعيلهم بسهولة ليكونوا قنابل موقوتة تنفجر في أي زمان وفي أي مكان. من هذا الإرهاب الموجود علاقة المسلمين بأهل الكتاب, وقد أثرت في مقالة سابقة أسئلة حول ما إذا كان المقصود بالمشركين الذين يتوجب إخراجهم من جزيرة العرب هو أهل الكتاب من نصارى أو يهود, وبينت بالأدلة أنه لا يمكن أن يكون أهل الكتاب هم المشركين; وأضيف هنا آيتين من القرآن الكريم واحدة تخص المشركين وأخرى تخص أهل الكتاب, فالأولى تقول: (ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن) بينما تقول الثانية: (اليوم أحل لكم الطيبات, وطعام أهل الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم, والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم), فمن هاتين الآيتين يسهل الاستنتاج أن المسلم لا يحل له أن يتزوج مشركة كما في الآية الأولى, بينما يحل له أن يتزوج كتابية كما تدل الآية الثانية, ومن هنا فإنه من السهل بمكان معرفة أن هذه غير تلك, أي أن المشركة غير الكتابية, والسؤال المطروح هنا: كيف يتزوج المسلم السعودي كتابيةً كما يبيح القرآن ثم يسمح لأحد أن ينفي زوجته خارج جزيرة العرب? كيف يسمح الشرع للمسلم أن ينشئ علاقة من أخص العلاقات الإنسانية وأشدها حميمية مع كتابية عبر رباط الزواج المقدس, ثم يأمره بالتبرؤ منها? كيف يمكن أن يكون أخوال أولاده كتابيين ثم يرفع في وجههم السلاح لأنهم كفرة? كيف يكون الزواج بحكم الشرع مجالا لدمج الأسر الكتابية بالمجتمع من خلال أواصر المصاهرة ثم يأتي من يبيح لنفسه بأن يقول أن الكتابي مشرك يجب إرهابه ونفيه في الأرض?! الأمر أشد إيلاما من هذا عندما يتعلق الأمر بزواج السعودي من مسلمة غير سعودية, وهو ما دعاني لكتابة هذا المقال, فلي صديقة غير سعودية متزوجة من سعودي منذ ما يقارب عشرين عاما ولها منه أولاد وبنات وحاصلة على الجنسية السعودية, وللأسف فإن أولادها يشكلون أزمة في حياتها حاليا بسبب مراهقتهم العنيفة وتأثرهم بأفكار المؤدلجين للإرهاب, ومن ذلك أنهم لا يحبذون تعاملها مع جارتها المسيحية, ويعتبرونها تتقرب من كافرة, وهذا كله بفضل أفكار بعض أساتذتهم في المدرسة, وقد تعلم هؤلاء الأولاد شيئا من النفاق الموجود عند جميع الإرهابيين, فهم يلعبون مع صديقهم المسيحي متى كانوا بحاجة إلى من يلاعبهم, ولكنه ما ان يبتعد عنهم حتى يتداولوا بينهم لقب كافر ليصفوه به, وأقول (جميع الإرهابيين) لأننا رأينا كيف استفاد كثيرون منهم من أميركا وما تبيحه لغير الأميركيين من الدراسة والعمل على أرضها, ومع ذلك فقد كان هؤلاء المجرمين يبتسمون في وجه زملائهم وأساتذتهم ومديريهم, لكنهم يخفون وراء ابتساماتهم نية الغدر بهم وبمواطنيهم, فكيف يكون المسلم غادرا?? أنا والله لا أدري!! وصديقتي تخشى على أولادها من هذا الحقد الذي يغلي في عروقهم أن يمتد ليؤذي أحدا من الأبرياء ولذلك هي تمارس يوميا عمليات غسيل لأدمغتهم المشبعة بالأفكار الخطأ عن علاقة المسلم بأهل الكتاب, أو حتى بالمشرك إذا لم يكن محاربا. البارحة اتصلت بها لنمارس معا رياضتنا المسائية في المشي, لكنها كانت تبكي على الهاتف, قالت لي: أنا متعبة جدا.. حالتي النفسية صفر!! قلت: خيرا يا آمنة ما الأمر? قالت: أولادي يعتبرونني أني كافرة لأني لم أعد أغطي وجهي, وأحد أبنائي يقول لي: لقد مرغت سمعتنا في الوحل, فهذا صديقي يقول لي: أمك حولت أمورها إلى ( الدعارة )!! صديقتي هذه تعمل لتملأ وقت فراغها ولتنشر الوعي في مجتمعها, ولكن ابنها يقول لها غاضبا: اكشفي وجهك في العمل, واجلسي مع زميلك كما تريدين, لكن هنا حيث السكن والجيران يجب أن تتقيدي بالدين والشرع فلا تخرجي من دون غطاء وجه ولا تكلمي أحدا من الرجال!! سألتْه: أي شرع هذا الذي يجعلك عبدا لأصدقائك فتخشاهم ولا تخشى الله? وعن أي دين تتكلم وأنت لا تصلي إلا إذا دفعتك للصلاة دفعا?? وأي شرع هذا الذي يجعلك تدين أمك بالكفر رغم أنها حملتك وهنا ووضعتك كرها? إذا كان دينك يأمرك بأن تعبد الله عندما تريد, وتعبد الناس عندما تجد مصلحتك في ذلك, فلك دينك ولي دين!كانت آمنة بركانا متفجرا من الحزن والغضب البارحة, تحكي لي وتبكي مصابها في أولادها, دعت عليهم أن يبتليهم الله بزواجهم من فاجرات ليعرفوا قدرها كأم فاضلة وإنسانة شريفة, قالت لي: أختهم الكبرى تدعو أن تتزوج من يهودي أو كافر أو أن لا تتزوج أبدا وذلك أفضل من أن تتزوج شخصا يحمل أفكارا بائسة كأفكار إخوتها.. أختهم الصغرى والتي لم تبلغ سن المحيض بعدُ إذا أخرجت رأسها من باب البيت إلى الشارع دون أن تكون قد لفته بالطرحة, فإنهم يقولون لها ببساطة وسخرية: طبعا.. أو لست ابنة أمك!! قلت لآمنة: هوني عليك... اشرحي لهم بهدوء أن ما يعتنقونه من أفكار ليس لها أساس شرعي, فقد كان عليه الصلاة والسلام يسلم على النساء ويحادثهم ويحادثنه, وكانت المرأة في العهد النبوي تشارك الرجل في الدعوة والجهاد والبيعة والتجارة دون أن يخل ذلك كله بفضيلة الحياء التي حضنا الشرع عليها رجالا ونساء. اشرحي لهم أن غطاء الوجه ليس إلا تقليدا لم تنزل به آية ولم يوجد له أصل في حديث, فالأصل هو غطاء المفاتن ومنها الشعر والنحر, وأما الوجه فلا بد من كشفه لتعرف المرأة من هي وما أصلها وما فصلها.. قولي لهم إن غطاء الوجه هذا لا يساعد على معرفة المرأة فقد تمر مع صاحبها أو عشيقها من أمام أخيها أو زوجها ولكنه لن يعرفها لأنها تغطي وجهها.. قولي لهم إن التقوى في القلب وليست في أي موضع آخر, فحتى غطاء الرأس المسمى بالحجاب لن يمنع المرأة أن تفعل ما تشاء إذا لم يكن لها من تقواها ما يحجبها عن الفعل الشائن.. أخبريهم أن حياء المرأة لا يتنافى مع ثقتها بنفسها وإثبات وجودها في كل مجال يرفع من شأن دينها ودنياها... تذكرت ذلك الشاب المتزوج حديثا وقد دخل عيادتي هو وزوجته, فإذا به يكلمني بدلا عنها وكأن الله قد ربط على لسان المرأة, فلذلك تحتاج إلى ناطق باسمها, فما كان مني إلا أن طلبت منه أن يلتزم الصمت لتتكلم هي, فقال لي أنها تستحي, فقلت: يمكنك الخروج وسنرى إذا كان هناك ما يمنعها من الكلام, فخرج, وتكلمت العروس التي تستحي أن تقول أنها حامل, وكأنها ليست حاملا من زوجها! ولا أدري لماذا ضيعنا فضيلة الحياء الحقيقي وخلطناها بالخجل المذموم? المشكلة الأكبر أنها ما إن خرجت من عيادتي إلا عاد الزوج بمفرده يسألني عن أوضاع الجماع المناسبة في الحمل, فنظرت إليه نظرة نكراء, وكأن زوجته »حرمة« وأنا لست كذلك, وطلبت منه أن يكف عن أسئلته ولتأت هي لتسألني ما تريد, وأغلب الظن أنه كان يعتقد أن معنى كوني غير سعودية ولا أضرب السواد على وجهي فأنا لا أمانع أن يتحدث معي رجل وجها لوجه بمواضيع كهذه; وحقيقة أني لا أمانع من الإجابة على أي سؤال إذا كان بشكل طبيعي وغير مخل بالحياء وغير مستفز, ومما أزعجني أن هذا الرجل كان يكلمني منذ البداية وينظر في اتجاه آخر, وكأنه إذا نظر إلي فإنما ينظر إلى الشيطان, فلماذا يفهم هذا وأمثاله أن الغض من البصر لا يكون إلا بهذه الطريقة المتخلفة?? ألا يمكن أن يفهم أن الغض من البصر غير إغماض البصر أو غير لوي الرقبة إلى جهة غير جهة المرأة? وكيف يمكن لمن تُمثِّل الشيطانَ في نظره أن تكون طبيبة لزوجته? بل كيف يمكن للمرأة الشيطان أن تكلم الرجل الملائكي البريء عن أوضاع الجنس دون أن تخشى من عواقب هذا الفعل على براءته المزعومة وعذريته المفقودة?! مع ذلك فقد أتى استنكاري لسؤاله بنتيجة طيبة, رغم أن زوجته لم تعد لتسألني ذلك السؤال »الآثم« لأن الرجل عندما قدم إلى عيادتي مرة أخرى كان أكثر تهذيبا يقدم رجلا ويؤخر أخرى, وربما يصلي صلاة الاستخارة قبل أن ينطق بأي حرف!!تذكرت أيضا ما حدثني به أحد الناشرين عن المواقف العجيبة التي تعرض لها في معرض الكتاب الذي أقيم في جدة مؤخرا, ومن ذلك أن كتابي ألف باء الحب والجنس وهو الجزء الرابع من سلسلة ما لا نعلمه لأولادنا قد نهي عن عرضه في رمضان, رغم أن الكتاب لا يحوي إلا تربويات فيما يخص تنمية عواطف الناشئ وتعديل غرائزه وكيفية الإجابة على أسئلة الأولاد الجنسية وحمايتهم من التحرش الجنسي, وحكى لي كيف أتاه أحد ذوي اللحى الكثة والأثواب القصيرة وطلب منه أن يرفع الجزء الأول من السلسلة بسبب وجود صور فوتوغرافية لأطفال صبيان وبنات على الغلاف بحجة أن وجوه هؤلاء الأطفال الجميلة قد تفتن بعض النساء والرجال!! أدرك أن بعض من يقرأ لن يعجبه هذا الكلام, ولكنني كطبيبة أعرف أن العلاج لا يكون نافعا وجذريا إلا بالتشخيص الحقيقي للحالة المرضية, ولا يفيد ما يفعله بعض الذين يلبسون مسوح الأطباء, دون أن يملكوا الجرأة على وصف الحالة بدقة, ودون أن يحسنوا أي طريقة علاجية سوى المراهم الملطفة; بينما لا يمكن علاج الخراجات المتقيحة إلا بشقها وإخراج صديدها واستئصال ذيفاناتها, وما أكثرها في الفكر الإرهابي الذي بات يهدد أمننا وسلامتنا جميعا!!

موقع إيلاف 20/11/2003

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |