|
أم أن هذه هي نفسها
حوارات د. السعداوي بأفكارها المتكررة وأسلوبها الهجومي الذي يلغي الآخر؟
لماذا لم تتغير د.
السعداوي رغم مسيرتها الطويلة عمرا وفكرا؟ لا أقصد أن
تغير
أفكارها كلية..
فمن حقها أن تتشبث بما تعتقده حقا.. لكن هل حاولت أن
تعيد قراءة
أفكارها وغربلتها
ونقدها ذاتيا كما يفعل كل منا في سعيه إلى التطور؟
وإذا كانت تقوم بهذا النقد الذاتي ومراجعة أفكارها
فلماذا لم تطور أسلوبها؟ ماذا استفادت إذن من حياتها
في الغرب وقراءاتها في كتب الغربيين إذا لم تترك طريقا
لمخالفها ليقول كلمته، فاعتمدت نفس الأسلوب الذي يقوم
في أحيان كثيرة على التعميم وإقصاء الآخر وردود
الأفعال والأخذ بأفكار بعض الغربيين من دعاة النسوية
دون أن تنظر في أفكار
الغربيين الآخرين
والذين أعادوا الأمور لنصابها؟
سأحاول في هذه السطور أن
أقرأ ذلك الحوار للدكتورة السعداوي مضمنة هذه القراءة
بعض أفكارها الأخرى التي اشتهرت بها والتي لم ترد في
الحوار بشكل تفصيلي، بحيث تحقق
هذه القراءة
النقدية في صحة هذه الأفكار ومدى الاتفاق أو الاختلاف
معها دون أن تخرج عن نطاق العقل والعدل اللذين نحتكم
إليهما جميعا.
نقد الأفكار:
أهم فكرتين هما ما له
علاقة بالدين وما له علاقة بالمجتمع أما ما له علاقة
بالسياسة والثقافة فسأمر عليه مرور الكرام، حيث أنه لا
يمكن إلا الاتفاق معها في
بعض أفكارها
الجريئة فيما يخص علاقة الشعوب والحكام، واستحالة وجود
ما يسمى الإبداع في العالم العربي في جو كالح كالذي
يسود أفقه وتربة استنباتية كالتي يترعرع فيها.
أولا: د. السعداوي
والدين:
تعارض د. السعداوي قيام
الدولة الدينية بحجة ( إن ربنا لا دخل له بالسياسة)،
فهي
مع إلغاء المادة
المتعلقة بالدين من الدستور المصري، وقد بينت أسباب
معارضتها
للدولة الدينية
وهو وجود أقباط، ورغم أن الأستاذ المحاور أوضح لها أن
الأقباط عاشوا في كنف الإسلام في منتهى السعادة و
الإنصاف، قالت: ليس المفروض أن يعيش أحد في كنف
أحد. وتعليقي هنا يشمل عدة نقاط:
أولا: القول بمعارضة قيام
الدولة الدينية هو تعميم، لأنه ليس كل دولة تقوم على
الدين ستكون دولة
كهنوتية كما كانت الدول الأوربية في القرون الوسطى
عندما استغل
الدين ليكون خادما
للسياسة، فتوحدت سلطة الكنيسة مع سلطة الملك، لتزيد في
معاناة الشعوب بما أن الملك حاكم مفوض من الإله؛ أما
في النظام الإسلامي للحكم فلا يوجد أي كهنوتية ولا
سلطات مطلقة، ويمكن لأصغر فرد في الدولة أن يعترض على
الحاكم، وهذا
واضح تاريخيا من
خلال العديد من الأمثلة، ومنها اعتراض عمر بن الخطاب
رضي الله عنه
وغيره من المسلمين
على الرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية،
واعتراض القبطي
على والي مصر
عندما لم يأخذ له حقه من ابنه الذي ضربه بالسوط،
ولجوءه إلى الخليفة
عمر بن الخطاب
الذي اغتنم ذلك الموقف ليعلن مبدأ أساسيا تقوم عليه
الدولة الإسلامية:(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحرارا؟)، إلى غير ذلك من اعتراض امرأة
عليه حين أراد أن
يحدد المهور، فقال بكل أريحية وتواضع: كل الناس أفقه
منك يا عمر؛
واعتراض سلمان
الفارسي عليه عندما قال له: لا نسمع ولا نطيع قبل أن
نعرف لماذا
أعطيت كلا منا
ثوبا وأخذت أنت ثوبين؟ فبين للناس أنه أخذ ثوب ابنه
عبد الله لأنه رجل ضخم لا يكفيه ثوب واحد، إلى آخر ذلك
من الأمثلة التي يضيق المجال لاستيعابها،
وكلها تأتي في
سياق الفهم الصحيح للإسلام والتطبيق الحق له وأنه
العبودية الخالصة
لله سبحانه كما
بيّن ربعي بن عامر في خطابه لملك الفرس الذي سأله: ما
الذي جاء بكم؟
فقال: جئنا لنخرج
الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله.
ثانيا: إذا كانت د.
السعداوي قارئة للتاريخ جيدا وبعين مبصرة وبعقل محايد،
فسترى أن حماية المسلمين للأقباط في مصر أو غيرهم من
أصحاب الديانات الأخرى كان ضروريا للحفاظ عليهم من بطش
الروم والفرس، والمجال أضيق من أن يتسع لذكر الاضطهاد
الديني الذي كان يعاني منه الاكليروس القبطي إبان حكم
الروم لمصر، وكيف رحبوا هم وغيرهم
بالفتح الإسلامي،
لينقذهم من براثن الاستعباد على يد الفرس والروم؛ ولا
أدري إن
كانت د. السعداوي
قد اطلعت على الفارق بين حكم المسلمين للأندلس وحكم
الغربيين له, ولا أدل من قول ول ديورانت في كتابة قصة
الفلسفة: (ازدهر اليهود في إسبانيا وجمعوا
الثروة، إلى أن
قام فرديناند بإخراج المسلمين منها نهائيا؛ وهنا فقد
اليهود في
إسبانيا الحرية
التي تمتعوا بها وعاشوا تحت ظلها تحت حكم المسلمين
المتساهل) وكذلك
ما قاله الدكتور
إدمون رباط في محاضرة نشرتها مجلة الصباح اللبنانية:
(من الممكن وبدون مبالغة القول بأن الفكرة التي أدت
إلى إنتاج السياسة الإنسانية-
الليبرالية- إذا جاز استعمال هذا
المصطلح العصري، إنما كانت ابتكارا عبقريا. وذلك لأنه
للمرة الأولى في التاريخ انطلقت دولة دينية في مبدئها،
ودينية في سبب وجودها،
ودينية في هدفها،
ألا وهو نشر الإسلام من طريق الجهاد بأشكاله المختلفة
من عسكرية
ومُثُلية
وتبشيرية، إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب
الخاضعة لسلطانهم
أن تحافظ على
معتقداتها وتقاليدها وتراث حياتها؛ وذلك في زمن كان
يقضي المبدأ
السائد فيه بإكراه
الرعايا على اعتناق دين ملوكهم).
ثالثا: أما قولها عن
جماعات الإسلام السياسي: بغض النظر عن كونها جماعات
متطرفة ورجعية. فمن العدل أن نذكر أن بعض جماعات
الإسلام السياسي قد شوهت الإسلام وكمثال على ذلك حركة
طالبان، أما إذا كان الكلام عن مصر تحديدا فقد أساءت
بعض الجماعات الإسلامية إلى الإسلام- وإن كانت تقوم
بالاعتذار عما قدمت- ومن هنا يمكننا أن نفهم
سبب نظرة د.
السعداوي لها بهذا الشكل، ولكن لا يجوز وضع الحركات
الإسلامية في سلة واحدة, فمثلا الإسلاميون في حزبي
العدالة والتنمية المغربي والتركي لا يمكن مقارنتهما
بجماعة التكفير والهجرة في مصر. بالطبع نتفق معها في
رفض الكذب والتناقض إذ تقول: فإذا لم نكن دولة دينية
فالأولى والأجدى أن نحذف المادة المتعلقة بالدين من
الدستور أساسا دون أن نكذب و نناقض نفسنا. وإن كنت لا
أوافق على حذف هذه المادة من الدستور لكنني
معها تماما في عدم الكذب والتناقض مع النفس. وأضيف: لا
بد من الإشارة إلى تسييس الدين الذي يقوم به بعض رجال
الدين، وعبارة رجال الدين لا أصل لها في الإسلام لكن
أستعملها هنا لأن هؤلاء يقومون بتخدير الشعوب
والمساهمة في خضوعهم، فأين هو الدين الذي يحكم دولنا
إذا كان يصدق على هذه الدول قول الرسول عليه الصلاة
والسلام:( إنما
أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا
عليه الحد )؟
رابعا: تقول عن الجماعات
الإسلامية: (وضعوا اسمي و غيري من المثقفين و المفكرين
الشرفاء و
المخلصين على قوائم الموت، و لو مررنا على جرائمهم
فإنها لا تعد و لا
تحص، إذا كان رأيي
يخالف رأيك فهذا ليس دافعا لقتلي، حاربني بالتجاهل أو
بالرد علي
و لكن ليس
بالتكفير و سفك الدماء كما تفعل هذه الجماعات )
أوافقها على فكرتها، فلا
يجوز إهدار دم أحد
من أجل فكرة مهما كانت، ولكن يجب نقض الحجة بالحجة،
وإن كنت لا
أوافقها على
التعميم فليست كل الحركات الإسلامية تمارس الإرهاب
الفكري، وأنا شخصيا
لست مع تلك
الجماعات التي تريد أن تبني الهرم بالمقلوب، فالرسول
عليه الصلاة والسلام لم يؤسس دولته إلا بعد أن ضمن
اقتناع الناس بما جاء به، وقد عرضت عليه قريش
السيادة والملك
فرفض، مع أنه كان بإمكانه أن يقبل بذلك ثم يفرض على
المجتمع ما يريد، لكنها إشارة منه عليه الصلاة والسلام
أن الدين لا يمكن فرضه فرضا، وهذا ما
يدل عليه قول الله
تعالى:( لا إكراه في الدين)، ولا بد للعقيدة كي تكون
راسخة من
بعدين أساسيين في
النفس: بعد فكري هو الاقتناع بهذا الدين، وبعد قلبي هو
محبة هذا الدين الذي ليس إلا دين الفطرة، كما سيظهر إن
شاء الله مع تتالي السطور.
خامسا: هناك مفكرون
ومثقفون إسلاميين لا يمانعون من الفصل بين الدين
والدولة،
بشرط أن يبقى هذا
الفصل ضمن ما يسمى العلمانية الجزئية وليس العلمانية
الشاملة،
وهؤلاء لا يوافقون
على أن يكون المتحكم في سياسة الدولة عالم دين لا يفقه
بالسياسة مثلا، وإذا سئلنا عن أولوية الشريعة أم
أولوية الحرية بالنسبة لأغلب دولنا العربية التي لا
تطبق الشريعة الإسلامية، فالجواب برأيي: لا يمكن
المطالبة بتطبيق الشريعة إذا لم يصل الناس إلى
الاعتقاد بضرورتها من خلال الحرية- خاصة بعد أن ابتعدت
المجتمعات حكومة وشعوبا عن الدين- والدليل على ذلك أن
الرسول عليه الصلاة والسلام
بقي 13 عاما في مكة ليثبت العقيدة في النفوس، ولذلك
فالآيات القرآنية التي نزلت في
مكة تتسم بالطابع التوحيدي والعقيدي أما التي نزلت في
المدنية فيغلب عليه الطابع
التشريعي والعبادي. والمثال الأوضح هو ما رأيناه بعد
الانتهاء من طالبان على يد القوات الأمريكية كيف عامل
المسلمون جثث إخوانهم المسلمين بالحرق والرفس
والتمثيل, وكيف رقصت النساء فرحا بالسير في الطرقات
بدون الشادور، وكيف هلل الشباب طربا بحلق لحاهم التي
أجبروا على إطلاقها في عهد الملا عمر أمير المؤمنين!
فالسؤال الملّح هنا: ما الفائدة من تطبيق الشريعة إذا
لم يكن ذلك نابعا من إيمان عميق بمبادئها؟!
سادسا: في كلامها عن
الوحدة والاشتراكية وأنها لم تقم أساسا، إنكار للتاريخ
فقد قامت الوحدة بين مصر وسوريا، ثم قامت الوحدة
الثلاثية بين مصر وسوريا وليبيا، ناهيك عن وحدات
إقليمية بين بعض البلاد العربية، كسوريا والأردن،
لكنها فشلت لأنها لم تقم على محور جامع وهو الإسلام،
فالثابتان هو الإسلام والعروبة وهما من مقومات هوية
الأمة ويجب عدم فصل أحدهما عن الآخر, والخطأ التاريخي
الكارثي الذي حصل هو الفصام النكد بين الإسلام
والقومية العربية التي أثبت التاريخ أنها موضة في
القرن التاسع عشر وما قبله، بينما نحن العرب نعجب
دائما بما نبذه الغرب ونأخذ به
بعد أن تبطل موضته، وما ينطبق على الوحدة ينطبق على الاشتراكية فقد
طبقت في مصر وسورية وغيرها، فخطأ ماركس أنه ألغى فطرة
حب الكسب الموجودة بشكل طبيعي في النفس
البشرية، وما يقال على ماركس يقال عن
لينين الذي أنكر الفطرة البشرية بضرورة اللجوء إلى
إله، ولو قرأت الدكتورة السعداوي كتاب د. جيفري لانج (
الصراع من أجل الإيمان لرأت كيف جرب كل المذاهب بما
فيها أن يكون إله نفسه، وكيف فشل في هذا، وأخشى أن ما
تعتقد به د. السعداوي يصدق عليه كلام السفير الألماني
المسلم د. مراد هوفمان: (أعتقد أن كثيرا من المثقفين
العرب المسلمين ما زالوا يتبعون بفخر اتجاها تقدميا،
هو بالفعل تقدمي، ولكن منذ مائة وخمسين سنة، ولكنه لا
يمثل الآن سوى هامش سفلي في صفحة تاريخ العلم).
وبالمناسبة هو ينتقد القوميين العرب والحركات
الإسلامية في آن واحد
إذ يقول: ( ضاقت
وسئمت الشعوب الإسلامية – التي غربتها القوى
الاستعمارية عن
تقاليدها ودينها-
من حكوماتها المستقلة التي غالت في إبعادها عن جوهر
دينها، ولو لم
تفرض حكومات الاستقلال الحلول المستوردة الفاشلة لما
رفعت الشعوب شعار "الإسلام هو
الحل"؛ ومن الناحية الأخرى لم تضع الحركات الإسلامية
برامج فعالة ولم تستطع تأمين
وجود قانوني لها في معظم الدول الإسلامية) "خواء الذات
والأدمغة المستعمرة – مراد هوفمان"
ثانيا: د. السعداوي
والمجتمع:
أولا: مقولة الأنثى هي
الأصل- وهو اسم أحد كتب د. السعداوي- فكرة خاطئة من
الناحية العلمية، فعلم الجنين لا يظهر أن الجنين يبدأ
أنثى، بل إن أي جنين يحمل
إمكانية تحوله إلى
الذكر أو الأنثى، ويمكن شرح هذا الأمر بطريقة علمية
مستمدة من
كتب الاختصاص:
الخطوة الأولى في التميز
الجنيني الجنسي هي تأسيس الجنس صبغيا، ثم تأتي الخطوة
الثانية وهي تمايز
الأقناد ( الغدد التناسلية) الذي يتم تحت تأثير الصبغي
الجنسي،
والخطوة الثالثة
هي تمايز الأجهزة التناسلية الداخلية وتظاهر الأعضاء
الجنسية
الخارجية تحت
تأثير الهرمونات المفرزة من الغدد التناسلية.
تحمل الغدد التناسلية
الأولية القدرة على التحول إلى خصية أو مبيض وتسمى
لذلك
bipotential، فاللب في هذه الغدد يتحول إلى خصية، بينما يتحول القشر فيها إلى
مبيض. تحول الغدد التناسلية إلى خصى يتم تحت التأثير
الفعال للصبغي الجنسي الذكريY
الذي ينتج مستضد
يؤدي إلى تطور اللب وتراجع القشر. وهذا المستضد يدعى
the Y induced histocompatibility antigen
أي مستضد االتوافق النسجي المحرَّض بالصبغي
Y
وفي غياب
الصبغي
Y
تتحول الغدد
التناسلية الأولية إلى مبيض. وبذلك يتم تكون المبيض
بعد
أسبوعين من الوقت
الذي يتم فيه تكون الخصية.
إذن تبدأ الفروق بين
الجنسين منذ الحياة الجنينية بتمايز الغدد التناسلية
التي تبدأ بإفراز الهرمونات فيفرز هرمون الذكورة
التستوسترون من الخصية، بينما في غياب
مستضد التوافق
النسجي المحرَّض بالصبغي
Y
يبدأ المبيض بإفراز هرمون الأنوثة
الاستروجين، وهذان
الهرمونان هما سبب الفروق الجسدية والنفسية بين
الجنسين، والتي قد لا تكون ظاهرة في الطفولة الأولى
كثيرا لكنها تتوضح في الطفولة المتأخرة ومع
القرب من سن البلوغ عندما تنشط الغدد التناسلية لتعطي
كل من الذكر والأنثى صفاته
الجسدية وطبيعته النفسية.
وفي الحقيقة هناك فروق
جوهرية بين الجنسين، فعلماء التربية والنفس يصنفون
الاستقلال الفكري كخاصة ذكورية، بينما يضعون الحساسية
كصفة أنثوية، ويبينون أن
هاتين الصفتين إن
وجدتا في شخص واحد ذكر كان أو أنثى فهما مؤهبتان لوجود
الإبداع مستقبلا، ولكن الحساسية لدى الأنثى تشرح لماذا
هي بطبيعتها عاطفية أكثر، ووجود الاستقلال الفكري لدى
الرجل يوضح لماذا هو بطبيعته عقلاني أكثر. وإن كان من
الضروري الاعتراف بوجود استثناءات لهذه القاعدة وبأن
كلا منا بداخله بعض الصفات الأنثوية ولو كان ذكرا،
وكذلك بعض الصفات الذكرية ولو كان أنثى، وهذا بحكم
أننا جميعا من نفس واحدة، وبحكم وجود الهرمونات
الذكرية والأنثوية في جميع الأشخاص.
وتظهر بعض الفروق بين
الجنسين بوضوح في الطفولة المتأخرة من الناحية الحركية
في
لعب كل من البنين
والبنات في هذه المرحلة، وهذا ما يؤكد عليه أطباء
نفسيون عرب
وغربيون: ( ألعاب
البنين تتصف بالخشونة وتتسم بالتعبير العضلي مثل كرة
قدم وعسكر وحرامية واستغماية، أما ألعاب البنات فتتسم
بالدقة والتناسق في الحركات والتوافق
الحركي مثل الرقص
الإيقاعي ونط الحبل والحجلة)
أما إن المجتمع يزيد من
تأسيس هذه الفروق فلا يمكن لأحد أن ينكر هذا الكلام،
لأن
التربية لها دور
كبير في تشويه الفطرة وكذلك لها دور في تهذيبها، وما
يقوله علم
النفس هنا حقيقي:
( يتم تقرير جنس الطفل بصورة بيولوجية، ولكن لا يتم
تقرير الدور
الجنسي للطفل،
ويتم تعليم الدور الجنسي، ويتعلم الولد أو الفتاة
بصورة رئيسية كيف يتصرف كذكر أو أنثى بناء على
التأثيرات الأبوية، وتأثيرات الأقران، وتأثيرات وسائل
الإعلام ). وقد بينت الدراسات أن عدم تعليم الدور
الجنسي للطفل يؤدي إلى تشوهات
نفسية غالبا حيث
قد يميل الطفل الذكر إلى ألعاب البنات وزي البنات
مثلا، ولكن هذا له تأثيره في المستقبل إذ ينشأ غالبا
ولديه ميول جنسية مثلية، وهذا أمر موثق بأبحاث
غربية- وأنا لي
شخصيا بعض الخبرات العلاجية مع هؤلاء المثليين وذكرت
بعض الحالات التي لجأت
لي في كتابي ألف باء الحب والجنس؛ لذلك يجب تنبيه
الطفل إلى جنسه
وخصائصه المختلفة عن الجنس الآخر، وليس كما تقول د.
السعداوي في بعض كتبها أن يترك الطفل على راحته.
ثانيا: لماذا يعدد الرجل
زوجاته ولا تعدد المرأة أزواجها؟ وتتساءل د. السعداوي
لماذا لا أتزوج
أربعة رجال؟
التعدد طبيعة في الرجل
لسببين:
سبب اجتماعي: فذكور
الحيوانات جميعا أقل من الإناث لأسباب مختلفة ليس
أقلها اقتتال الذكور فيما بينهم للحصول على أنثى، وما
ينتج عن هذا من فقد لضعاف الذكور،
فلو لم يكن في
تركيب الذكر استعداد فطري أن يلقح أكثر من أنثى واحدة
لظلت كثير من الإناث متعطلات عن وظيفة الإنجاب، بينما
الأنثى في طبيعتها ليست بحاجة إلى الالتقاء مع أكثر من
ذكر للحفاظ على وظيفتها البيولوجية، ومن ثم لم يركب
الله فيها فطرة
التعدد؛ وفي
الإنسان يكون عدد الرجال أقل بسبب الحروب.
سبب نفسي: إن المرأة هي
عنصر الإثارة في الجنس وليس الرجل، لأن الدلال والغنج
صفات أنثوية، ومن
هنا كان الرجل أكثر تعرضا لوقوعه في فتنة الإغراء
والإثارة, فلرجل البدائي يمكن أن يلتقي جنسيا مع أي
امرأة فاتنة أو مثيرة بالنسبة له، يقول العالم النفسي
تيودور رايك: (إن الحاجة إلى تغيير الموضوع الجنسي
عموما أقوى لدى
الرجال منها لدى
النساء، فعند المستوى الثقافي المتدني لا يترتب على
اختيار الموضوع
أي فارق ذلك أن
الحاجة الجنسية يمكن إشباعها جيدا مع موضوع محدد كما
يمكن مع موضوع
آخر، أما في أطوار
أعلى من التطور فإن الموضوع الأفضل يتم البحث عنه)
بينما طبيعة المرأة لا تسمح لها بأن تمنح نفسها لرجل
إلا إذا كانت تحبه، ولذلك كانت المرأة أكثر إخلاصا في
الجنس من الرجل، يقول تيودور رايك: ( وعموما فإن
النساء لا يتخيلن أن
العلاقات الجنسية
مع رجال كثر سوف تمنحن الإشباع، وهن يملن إلى توحيد
متطلبات احنان مع متطلبات الحاجات الجنسية، هذه
الحاجات التي لا تستيقظ في الغالب إلا بعد اهتمام طويل
وشديد برجل مهتم بهن أيضا). ويقول: ( يبدو أن الكثير
من النساء مخلصات رغما عنهن، ذلك أن شيئا ما يمنعهن من
الخيانة، ولقد قررت امرأة فتية حانقة من زوجها
أن تستسلم لعروض
أحد المعجبين فذهبت إلى شقته، ولكن بينما هي تصعد
الدرج اكتشفت
أنها قد حاضت في
غير موعد دورتها).
لذلك ندرك لماذا لا يقاوم
الإسلام تعدد الزوجات إذ أنه يملأ حاجة نفسية
واجتماعية، لكنه يهذبه بأن يبيح للرجل نظريا الزواج من
مثنى وثلاث ورباع وفي نفس الوقت يضع قيودا على ذلك مما
يجعل الرجل زوجا لامرأة واحدة على الأغلب. أما في
الغرب فإن إنكار ميل الرجل للتعدد داخل إطار الزواج
أدى إلى تعدد الخليلات، وهذا ما تترتب عليه نتيجة أسوأ
وهي ممثلة في تعدد الشركاء الجنسيين لدى المرأة؛ إذ
أصبحت
المرأة مساوية
للرجل في خروجها للعمل واستقلت اقتصاديا عنه، فأرادت
أن تتساوى معه
بكل شيء حتى لو
كان على حساب فطرتها وطبيعتها، فتعلمت أن لا تستقر في
علاقاتها
العاطفية، وبعد أن
كان الحب هو حياة المرأة أصبحت تجرب اللقاء الجنسي مع
أكبر عدد من الرجال بحجة اختيار زوج المستقبل، ثم
تعودت ذلك حتى أصبح الجنس أهم من الحب في
حياتها بكثير،
وبذلك تخلت عن فضيلتها الفطرية واكتسبت رذيلة الرجل
الفطرية في التعدد والتي سعى إلى تهذيبها الدين
والخلق. وكذلك فقد أنكر الغرب فضيلة الحياء الفطرية في
الرجل والمرأة على السواء، فلو رجعنا إلى قصة آدم
وحواء عندما انتهكا أمر الله وأكلا من الشجرة المحرمة
فبدت لهما سوآتهما، أخذا يخصفان عليهما من ورق شجر
الجنة ليسترا عورتيهما مع أن الله لم يأمرهما بذلك،
ومن هنا فالحياء فطرة في
النفس البشرية
ولكنها أكبر وضوحا في المرأة منها في الرجل، فالرجل
خشن بطبعه وهو بذلك منطقي مع مهمته التي خلق من أجلها
في السعي في الأرض وطلب الرزق، والدين يهذب هذه الفطرة
في الرجل أيضا؛ ولكن المرأة أنكرت فطرة الحياء فيها
عندما تحررت من كيانها الأنثوي وصارت تشارك الرجل في
جرأته بالطلب، بل سبقته إلى ذلك وأصبحت تطلبه
قبل أن يطلبها،
بينما كان التمنع والمقاومة عاملا هاما في جذب الرجل
إليها، لأن
الرجل بطبيعته لا
يهوى المرأة إلا إذا كانت بالنسبة له سرا من الأسرار،
ويؤكد هذا ما يقوله تيودور رايك عن الاستجابة
الانفعالية للحب عند الرجل عندما تتمنع المرأة
قبل أن تمنحه
نفسها:( إن الرجل الذي كان متطفلا مرة والذي نظرت إليه
المرأة
باعتباره رجلا ما
يحتفى به الآن كضيف وصديق. الأيدي التي رفضته ممدودة
إليه، وحيث
وجد الممانعة
والمقاومة من قبل تبذل له آيات الثناء والتقدير).
وهكذا خسرت المرأة
مكانتها في قلب
الرجل، وهي المكانة التي تجعله مخلصا لها.
ومع انتشار حمى الهوس
الجنسي لم يعد للمرأة أي قيمة معنوية بل تحولت إلى جسد
مرغوب وحركات مثيرة، فهي فتاة الإعلان تستخدم لترويج
سلعة قد تكون عطرا للرجل،
فيريك المشهد كيف
أن المرأة تلحق الرجل تبعا لرائحته، مع أن الفطرة أن
يطلب الذكر
الأنثى وتمنّعها
معزز لها ليطلبها أكثر. وكذلك هي الفتاة التي تجلب
الزبائن في
المحلات التجارية،
وهي سكرتيرة المكتب التي تريح رئيسها والمراجعين
بمنظرها الأخاذ،
وهي في بعض
القنوات الفضائية المذيعة الكاسية العارية التي لا
ترتدي إلا ما يعرّي
ويصف ولا تلبس إلا
ما يغري ويكشف، وبذلك أصبحت سلعة جنسية في التلفاز كما
هي في
السينما وعلى
الانترنت وأفلام الفيديو.
وما تدعو إليه د.
السعداوي من عدم استعمال المرأة تجاريا باستغلال
أنوثتها والنظر بدل ذلك إليها كإنسان غير ممكن في رأيي
إذا لم تعد المرأة إلى طبيعتها
وفطرتها في
الحياء، فكيف نريد أن يعاملها الرجل كإنسان وهي مظهرة
لمفاتنها، وهذا ما
يقودنا إلى
التفصيل في موضوع الحجاب.
ثالثا: لماذا الحجاب
للمرأة؟ تقول د. السعداوي: الحجاب للجارية
المرأة هي عنصر الإثارة
في الجنس، والتنويع في الجنس هو فطرة في الذكور- لا
يعني
هذا أنه ليس من
الممكن تهذيبها- خلاف فطرة الأنثى التي لا يمكن أن
تمنح نفسها إلا
لمن تحب- لا ينفي
هذا أنه من الممكن تشويه هذه الفطرة- وأؤكد من وجهة
نظر نفسية بحتة أن الرجل لا يمكن أن يثير المرأة
الطبيعية ولا يستطيع أن يغريها إلا إذا كانت تحبه
وتدرك أنها محبوبة له، وهذا ما يقوله العالم النفسي
تيودور رايك: ( يمكن للرجل أن يمتلك المرأة جنسيا،
لكنها لا تعود إليه إلا في الحب. وحقيقة أن الرجل يريد
الجسد وأن المرأة لا تستطيع فصله عن الحب ليست بالسبب
الوحيد للصراع بين الجنسين،
وإنما هو واحد من الفروق الأساسية التي غالبا ما تخلق
الصراع) ويقول: (تريد النساء
أن يكن محبوبات قبل أن يستسلمن، وما يزال حذرهن تجاه
الرجل يجعل الإحجام والتأخير
ضروريين). إذن المرأة الطبيعية لا تثار إلا إذا استطاع
الرجل أن يملك قلبها فيبدد
إحجامها بالتعبير عن حبه لها، وليس كما هو الرجل الذي
لا يحتاج إلى جهد كبير لإثارته ، وأنا أنصح الدكتورة
السعداوي بقراءة هذا الكتاب واسمه ( الحب بين الشهوة
والأنا) لأنه يبين من الناحية التاريخية الفروق
البيولوجية والنفسية بين الرجل والمرأة، والكتاب هو
للمحلل النفسي تيودور رايك الذي خالف بعض أفكار فرويد،
الذي
جعل للجنس المحل الأول في تكوين الإنسان مما يجعل
دراسته ممكنة كأي حيوان آخر، وليس
بأن له قيمة مميزة عن الكائنات الأخرى.
وقد تعرض حجاب المرأة
لمناوشات عديدة من بعض المستشرقين الغربيين وبعض
المثقفين العرب, والمفارقة في الأمر أن هؤلاء المثقفين
يريدون أن يقفوا سدا مانعا في وجه العولمة الثقافية
دون أن يعلموا أن هذه العولمة التي يحاربونها ما هي
إلا امتداد
لمرحلة التغريب
التي سبقتها والتي تعرضت فيه الأمة العربية لهزات في
العقيدة
وارتكاسات في
الثقافة، لذلك لا بد من التذكير بقول المستشرق جب:( إن
مدارس البنات
في الشام هي بؤبؤ
عيني )، وإذا كان أعداء الدين والإنسانية يركزون على
رفع القرآن
من بين أيدي
المسلمين، فإن همهم أيضا هو نزع الحجاب عن رؤوس النساء
المسلمات،
فالقرآن هو أصل
العقيدة الإسلامية، والحجاب هو مرتكز الهوية
الإسلامية، فإذا زال
الحجاب انعدمت
الهوية الإسلامية وسهلت السيطرة على العالم العربي
والإسلامي ثقافيا،
يكون مدخلا لانعدام العقيدة تدريجيا، فحجاب المرأة
المسلمة هو أقوى الحصون في
الثقافة العربية الإسلامية التي إذا تمت السيطرة عليه
فقد هوت بعدها كل الحصون
الأخرى بسهولة تامة.
وإذا كنت أتفق مع د.
السعداوي بأن المرأة تشترك مع الرجل في سائر المعاني
الإنسانية، فإني أختلف معها في جزئية هامة، وهي أن
المرأة تمتاز عن الرجل بما أودع فيها من مظاهر الأنوثة
وعوامل الإغراء التي جعل الله منها سبيل متعة متبادلة
بينهما، فلتلاقي الرجل مع المرأة في أي عمل إنساني أو
اجتماعي أو حضاري لا بد أن لا
يشوش دور المرأة
كأنثى على هذا التلاقي، وهذا لا يكون إلا بفرض الحجاب
الشرعي الذي يبرز مهمته وغايته، بأن يخفي مظاهر الفتنة
والإغراء المعبرة عن أنوثتها، وليس أن
يكون حجاب الرأس
دون أن يترافق مع حجاب التقوى – كما تقول د. السعداوي
عن المحجبة التي تغمز بعيونها للرجال – ومن الطبيعي أن
ما يدخل في معنى إبراز المفاتن أمر نسبي
وله درجات متفاوتة، كما أن ما يدخل في معنى الافتتان
بهذه المفاتن أمر نسبي أيضا،
لأن طبائع الرجال تختلف وظروفهم التي تبعث على التأثـر
وعدمه متنوعة، ونظرا لهذه
الحقيقة التي لا مجال لنكرانها تضع الشريعة الإسلامية
أحكامها لمعالجة الوقائع
والكليات دون النظر إلى الفوارق النسبية في الجزئيات،
وصفة كل القوانين هي الشمول والعموم، فمن أجل ذلك كان
لا بد للشارع من أن يضع حدا لمعنى الحشمة المقبولة طبق
الغاية التي شرعت من أجلها، ألا وهي أن تختفي المثيرات
الجنسية والمفاتن الغريزية عن أبصار الناظرين من
الرجال فلا يستثيرهم شيء منها إلى تحرش أو إيذاء، ولا
يبصروا من المرأة إلا ندا لهم في الخدمة الإنسانية
وشريكا لهم في الجهود الاجتماعية.
وفي القرآن آية كريمة
بينت سبب الحجاب وهي:( يا أيها النبي قل لأزواجك
وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك
أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله
غفورا رحيما). هذه
الآية تصلح لكل زمان ومكان، فليس الحجاب للجارية، ولكن
الحجاب نزل للتفريق بين الحرة والجارية، وليس معنى عدم
وجود الجواري أن تلغى مشروعية الحجاب ، لأن الحكمة منه
واضحة ( ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين ) أي أن تعرف
المرأة
التي تخفي زينتها
من تلك التي تظهرها، ففي إظهار الزينة والمفاتن لن
يستطيع كل
الرجال أن يكونوا
ملائكة بحيث يكونون قادرين على أن لا يؤذوها بأنظارهم
أو كلامهم
أو أي شكل من
أنواع التحرش. ولذلك أنا شخصيا أفضل أن يستبدل اسم
الحجاب بلفظ الدرع،
لأنه يقي المرأة
سوء نظرات بعض الرجال وكلماتهم.
وما تذكره د. السعداوي من
أن المرأة تبقى محتشمة ولو لم تغط شعرها، فإذا كنت
أوافقها على أن
بعض النساء كذلك، لكني أسأل: كم من النساء أو الفتيات
يمكنهن الظهور
بالشكل التي تظهر
به د. السعداوي نفسه؟ هي تعلم أن مظهرها الذكوري منتقد
كما هي
أفكارها، فكم
امرأة تقبل أن يظهر شعرها كما هو دون أن تعتني به ودون
أن تضيف بعض
الماكياج إلى
وجهها لتبدو أجمل؟ قد يكون جواب د. السعداوي أن كثيرات
يغطين رؤوسهن
ولكن يضعن مساحيق
الزينة على وجوههن، والجواب أن هذا بالطبع ليس الحجاب
المفروض،
فالحجاب ليس له
شكل محدد إنما يختلف باختلاف أعراف البلد، وإذا كانت
البلاد الغربية لا تجد أن غطاء الرأس ضروري بحكم
العادة، لكن يمكننا أن نقارن حجم الإباحية
الموجودة في بلاد
الغرب بحجمه في بلادنا ثم يمكننا السؤال: هل من
الضروري أن نسير خطوة بخطوة في طريق التردي الإنساني
والانهيار الأخلاقي الذي يعيشونه؟
رابعا: عمل المرأة،
والقوامة، ومسؤولية الرجل والمرأة في التربية:
عمل المرأة دون مراعاة
لفطرتها الأنثوية أدى إلى خشونتها مما تعارض مع مهمتها
الأساسية في الحياة وهي الأمومة التي أنكرتها الحضارة
الغربية على المرأة، فلا يوجد
مسؤوليات محددة
لكل من الرجل والمرأة تتوافق مع طبيعته وفطرته، إذ
بينما تعمل المرأة خارج البيت ترى الأب يقوم بدور جليس
الأطفال مع أن هذا ليس من طبيعة الرجل
المحب للحرية
والكاره للقيود، وهذا ما يقوله تيودور رايك (إن الرجال
يحبون أن
يشعروا أنهم أحرار
ويكرهون أن يدركوا أنهم مقيدون ببلاهة إلى قيد واحد)،
ويؤكد هذا ما يقوله أنيس منصور:( المرأة أم بفطرتها،
وليس كالرجل الذي تعلمه المرأة كيف يكون أبا). عدا أن
المرأة الطبيعية هي نبع العاطفة والحساسية في الكون،
فلا يستطيع الأب
التعامل مع المخلوق الحساس ( الطفل) كما تستطيع الأم.
وبذلك فقد عرض الغرب أنوثة المرأة للدمار وأقصاها عن
إمكانية التفرغ لرعاية أولادها وأداء واجب تربيتهم,
والأمومة في المرأة الطبيعية فطرة تكاد تقارب غريزة حب
الذات أحيانا أو تزيد عليها.
والإسلام يؤكد على إعادة
المرأة للوضع الطبيعي أي للدور الذي خلقها الله له
كزوجة وراعية لبيت
زوجها، وكصاحبة مهمة مقدسة لا يمكن أن يسلبها أحد منها
وهي
المهمة التي تجعل
الجنة تحت قدميها، فإنسانية المرأة أولا وأخيرا لا تتم
إلا إذا كانت هي نبع العطاء في أسرتها؛ وكما أن الدور
الأساسي للرجل هو في طلب الرزق والسعي
في الأرض لا يقلل
من مهمته الأخرى في العناية بشؤون أطفاله لينشؤوا
أسوياء النفسية
أقوياء الشخصية؛
كذلك فإن الدور المقدس للمرأة لا يعني أن لا تهتم
بأمور مجتمعها
وتبقى حبيسة البيت
لا تعلم ما يدور في العالم الخارجي حولها، بل إن في
خروج المرأة
للعمل صقل
لشخصيتها وزيادة في تجاربها وخبراتها، ومساهمة في
تنمية مجتمعها.
لكن لا يمكن أن نتجاهل
المشكلة الناجمة عن عمل المرأة المشترك مع الرجل بدون
ضوابط، وما جره
الاختلاط بشكله الحالي من مآس وخراب بيوت؛ كما أنه
يكفي استقلال
المرأة عن الرجل
ماديا لتشعر أنها لم تعد بحاجة لقوامته عليها وأن
كونها تنفق على
البيت فلها الحق
في أن تكون القوامة بيدها؛ وهنا يجدر القول أيضا: إن
شعور الرجل
أحيانا ليس بأفضل
من شعور المرأة إذ هو يظن أن هذه القوامة هي قوامة
تحكّم وتسلط فيستغل هذا الحق ليزيد من تضييق الخناق
على المرأة فتصبح هي ومالها رهن تصرفه، أما
الحقيقة فالقوامة
هي مسؤولية ورعاية؛ قال تعالى: "الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى
النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ
أَمْوَالِهِمْ" (النساء: 34)، فهذا التفضيل (بعضهم على
بعض) هو بسبب حاجة المرأة للأمان النفسي في كنف الرجل
وليس الحماية الجسدية فقط، ولا يمكن لحياة أسرية أن
تقوم على أسس صحيحة إذا لم تكن المرأة تشعر بأن رجلها
قادر على حمايتها والإنفاق عليها، وهذه الأفكار في
الحقيقة تشكل عقدا منتظما في المنظومة الإسلامية التي
تبنى
على التراحم بين الزوجين وليس على التعاقد كما هو
الحال في الغرب.
والتفضيل هنا هو من
الجهتين فالرجل مفضل للإعالة والسعي في الأرض، والمرأة
تفضله في إدارة شؤون البيت والعناية بالأولاد، ولا
ينكر هذا أي عاقل. أما إذا عملت المرأة
فيجب أن يتم إنفاق
المرأة العاملة برضاها وبما تتفق هي وزوجها عليه فكما
لا يحق لها
أن تعمل بدون
موافقة زوجها، كذلك لا يحق له أن يجبرها على الإنفاق،
وينبغي على
الزوج إذا كان
ملتزما حقا بسنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أن
يساعدها في
البيت حتى لو لم
تكن تعمل، وخاصة إذا علمنا أن رسول الله عليه الصلاة
والسلام كان
في مهنة أهله فإذا
حضرت الصلاة قام إلى الصلاة، كما وصفته السيدة عائشة
رضي الله
عنها، ويجب على
الزوج أن يعلم أن حق القوامة يعني المسؤولية الكاملة
عن الزوجة والأولاد ، وليست هذه المسؤولية مسؤولية
مادية فقط، فلا يكفي أن ينفق عليهم، لكن يجب
متابعة كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، هذا فيما يتعلق
بالأسرة؛ أما ما يجب على المجتمع، فهو أن يهيئ للمرأة
عملا يتناسب مع طبيعتها الأنثوية، لأن طبيعة الأنثى
تجعلها أكثر حساسية من الرجل، هذا بشكل عام، ولذلك فمن
المعلوم أن ضغط العمل يؤثر على أعصاب المرأة أكثر،
ويأتي ضغط أعباء المنزل وتربية الأولاد ليكون كل ذلك
فوق رأسها، فمن أين يكون لها القدرة لتلعب أمام زوجها
دور المرأة المتفرغة له وللأولاد؟
إن الواقع أقوى من أن
نغفله فيجب أن نعترف أن أمورنا الحياتية أصبحت أخطاء
متراكمة بعضها فوق
بعض، وإذا كانت المرأة في المنظومة الإسلامية لا تعمل
لتنفق على
أسرتها، إنما
لتساعد في تنشيط مجتمعها وتنميته فكريا وسلوكيا، فلا
بد من الإشارة إلى تأثرنا بالمنظومة الغربية الذي أدى
إلى وقوع المرأة والرجل والأطفال كلهم
ضحايا، فالمرأة
مجبرة على العمل كي تساعد في حمل الإنفاق وسبب هذا أن
المدخول
العائلي الواحد
أصبح أقل بكثير من المصروف، هذا عدا أن كثيرا من
الكماليات أصبحت للأغلبية العظمى منا في حكم
الضروريات، وزاد الطين بلة أن المال العام لم يعد
مشتركا في البلاد
التي طبقت الاشتراكية بل عبرت هذه الاشتراكية عن نفسها
بكونها رفاهية الطبقات الحاكمة، ومن وبال الرأسمالية
أنها تزيد الغني غنى والفقر فقرا،
فكلها منظومات
بشرية طبقها الغرب، وكلما دخلوا حجر ضب دخلناه، وليس
لنا منجى إلا
بفهم الإسلام وأنه
شريعة الله الخالدة لتنظيم جميع نواحي حياتنا طبقا لما
شرعه
الله، وليس طبقا
لمصالح البعض أو رؤى البعض الآخر.
خامسا: لماذا لا ينسب
الأولاد لأمهم؟
ليس عرفا كما شرح الأستاذ
المحاور، بل هو أمر من القرآن (ادعوهم لآبائهم هو
أقسط عند الله)
لأن النسب للأم معروف بدون أن يكتب ولا يحتاج إلى
توثيق فالطفل يولد
من رحم الأم، ولا
تستطيع أم أن تخفي نسب ابنها إليها إلا إذا ولدته
بالخفاء ثم رمته في الشارع، أما الأب فيستطيع إنكار
أبوته للطفل وهو بعد نطفة في رحم أمه، ولذلك عدم
النسب للآباء يؤدي إلى فوضى ما بعدها فوضى، ولننظر إلى
الغرب، فهناك كثير من
العائلات التي تقوم على الأم وتسمى تلك النسوة
بالأمهات العازبات، بعد أن يتهرب الأب من المسؤولية،
وتبقى الأم هي التي تعاني داخل البيت وخارجه، فماذا
كسب الغرب من هذا الأمر؟ طبعا لم يظهر الحوار أن
الدكتورة نوال السعداوي تشجع على العلاقات الجنسية
قبل الزواج كما يظهر للقارئ في كتبها السابقة، مع أن
الأستاذ المحاور وجه لها هذا السؤال، ولعلها تراجعت في
هذا الأمر بعدما لاحظت أن نظرياتها في الفرق بين الرجل
والمرأة جنسيا نظريات غير صحيحة، بحكم الصيحات
المتعالية في الغرب من أجل تقييد
ممارسة الجنس تحت رباط الزواج المقدس.
كلمة أخيرة يجب أن تقال:
في الإسلام وحده نؤسس لعلاقة سوية بين الرجل والمرأة
بعيدا عن جهالة الجهلاء في اقتصار نظرتهم للمرأة على
أنها أداة للجنس وآلة للإنجاب،
وبعيدا عن مآثم
الحضارة الغربية التي تورطت أيضا ونزعت عن المرأة
الصفة الإنسانية وحولتها إلى جسد مثير أو آلة صماء
خالية من مشاعر الرقة والحنان.
نقد الطريقة والأسلوب:
1- الفخر والاعتداد بالنفس والشعور بالتفوق: عندما
تحكي عن أسرتها وتكوينها, فأول مرة أقرأ لها أن أمها
من الثوار وما كتبته سابقا كان يعطي انطباعا عن
والدتها
أنها أمية أو محافظة وليست ثورية،
وتكرر الفخر مرة أخرى بجمل مثل: (ليس مستغربا أن
ينجب المتمرد على
الأزهر و المؤسسة الأبوية من تتمرد عليهما هي الأخرى)
و (أنا من
الرواد ) إذ يقلل
هذا الفخر من قيمة المثقف الذي يجب أن يتحلى بالتواضع
الحقيقي
وليس الزائف. وعن
مقارنتها نفسها بطه حسين وغيره تقول: أنا أهم من طه
حسين، لقد كان
رحمه الله وزيرا،
ولعب دورا سياسيا و ثقافيا سليما، وسأعلق هنا على
كلمتها "سليما" فالحق أن طه حسين لم يلعب دورا سياسيا
وثقافيا سليما، بل ساهم بشكل كبير في
تردي العرب في
مستنقع الهوى الغربي، وهذا يتضح في قول البروفسور
إدوارد سعيد:(وبقدر ما يسع المرء أن يصدر تعميما
كاسحا، فإن الميول المعاصرة في الشرق الأدنى تسير على
هدي النماذج الأوربية والأمريكية، وحين قال طه حسين عن
الثقافة العربية إنها أوربية لا شرقية، فقد كان يسجل
هوية النخبة الثقافية المصرية التي كان هو إحدى
أعضائها المتميزين تميزا كبيرا، ويصدق الشيء ذاته على
النخبة الثقافية العربية
اليوم).
لذلك أوافقها على أن
(نجوم) العهود المختلفة بعد الثورة يختلفون من عهد
لآخر لا وفق العطاء الفكري و الثقافي للأمة بل برضا
السلطة عنهم.
وتقول: (أنا أعلم في
القرآن أكثر من الشيخ الشعراوي رحمه الله) ما دليلها
على
هذا القول الأخير؟
هل لأنه الشيخ الشعراوي لم يكتب في مقارنات الأديان
كما تقول؟ وهل حقا أن القرآن لا يمكن أن يفهم دون أن
تقارنه بالكتب الأخرى, كما تقول د. السعداوي فكيف
فهمه إذن الصحابة والتابعون من أمثال ابن عباس والحسن
البصري وغيرهم وشرحوه للناس؟
2- لانطلاق بالأحكام من
تجربة شخصية فقط: ( زوجي د/ شريف حتاتة مكث 10 سنوات
في السجن في عهد عبد الناصر وخرج دون خدش )، فهل قرأت
د. السعداوي كتابا مثل "البوابة السوداء" الذي يمنع
النوم أن يقترب من أجفان من يقرأه بسبب الكوابيس
المزعجة الناجمة
عما يحويه ذلك الكتاب من تعذيب للناس في سجون عبد
الناصر؟
3- الانطلاق من أحكام مسبقة: ( هذا هو التفكير الديني
الذي أرفضه، حدية الأبيض
أو الأسود). من أخبر د. نوال السعداوي
أن التفكير الديني حدي بهذا الشكل؟ أين علمها بالقرآن
الذي وصفت نفسها به؟ القرآن ينهانا عن خطيئة التعميم
بقوله سبحانه عن أهل
الكتاب: (ليسوا
سواء ) وقوله ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بدينار
يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بقنطار لا يؤده إليك إلا
ما دمت عليه قائما ) وقوله عنهم أيضا:( وإن من
أهل الكتاب لمن
يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله
لا يشترون
بآيات الله ثمنا
قليلا )، وما ينسحب على أهل الكتاب ينسحب على أي فئة
أو جماعة،
فحدية الأبيض
والأسود ليست فكرا دينيا إنما هو فكر عامي تقليدي،
والقرآن ثورة ضد
التقاليد الجاهلية
والعادات المذمومة.
4- عدم التمييز بين كتب السنة الصحيحة الثقة مثل
البخاري ومسلم، وبين كتب
التاريخ مثل الطبقات الكبرى لابن سعد، لذلك لا يؤخذ بما أوردته عن
الرسول عليه
الصلاة والسلام بخصوص أن إحدى زوجاته
ذكّرته بالعدل، وكيف يمكن قبول هذا والأحاديث
التي وردت عنه عن
العدل كثيرة جدا وكيف يفعل هذا مع زوجاته وهو القائل:
( إن
المقسطين عند الله
على منابر من نور: الذين يعدلون في حكمهم وأهلوهم وما
ولوا)
رواه مسلم. ومما
هو
مشهور عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: اللهم
هذا قسمي في ما
أملك فلا تلمني
فيما لا أملك )، ومعناه الخاص هو أنه يقسم بين زوجاته
بالعدل كل شيء
إلا المحبة لأنها
ليست مما يُملك.
5- إنكار النصوص القرآنية وضرورة الاستناد لها وفهمها
الخاطئ لها، مما يظهر د. السعداوي في تناقض كبير ففي
كتب سابقة لها كانت تذكر أن الإيمان بالله ما هو إلا
كحاجة الطفل الصغير لأمه فإذا كبر انتفت هذه الحاجة، وكذلك إذا وصل
الإنسان إلى العلم استغنى عن وجود الله، هذا لم تظهره
في حوارها هنا، لكنها تقول إن الدين ليس
نصا، فما هو الدين برأيها؟ وإذا كانت
تؤمن بالله وبأنه العدل كما تعلمت من جدتها فهل من
العدل أن تبقى مقتنعة بأفكار إلحادية أكل الدهر عليها
وشرب؟ الدين ببساطة هو
الدليل المرشد
للإنسان في حياته ليقيمها مع إخوته من بني البشر على
أساس من العدل والإحسان، لأن العقول البشرية تعجز عن
التوصل إلى الاتفاق بهذا الخصوص بسبب الاختلاف الذي هو
سنة الله في الكون، لذلك كان لا بد من وجود نصوص يستند
إليها
البشر في تعاملهم
بعضهم بعضا، ولا يعني هذا القول عدم الفهم المتطور
للدين بحيث يلبي حاجة الناس في جميع الأزمنة والأمكنة.
وفي سؤال ورد لها تبين
أنها تميل إلى "ترنخة" القرآن، فلا قدسية للنص بالنسبة
لها، وهذا مرفوض، فالنص الإلهي مقدس لكن فهمه البشري
غير مقدس، ولذلك فإنه يجب
إعادة هذا الفهم
لتطوير الشريعة الإسلامية، ومن هنا تنبع الدعوات
المختلفة التي
تنادي إلى تجديد
فهم القرآن والحديث بشكل يمكن معه إثبات مرونة التشريع
الإسلامي
وصلاحيته لكل
الأزمنة والأمكنة.
ويدخل ضمن ذلك فهم بعض
الآيات بشكل خاطئ إذ تقول إن الحج عادة وثنية، وأنها
فهمت عدم فرضية الحج لأنه ( من استطاع إليه سبيلا) فهو
كلام مردود لأن الحج مشروط
بالاستطاعة، فلا
يعني هذا أنه ليس فرضا، لكنه فرض مقيد بالاستطاعة،
وليس كما تقول
د. السعداوي.
إضافة إلى أنه ليس عادة وثنية بل أول من قام به النبي
إبراهيم عليه
السلام وتبعه فيما
بعد من سموا بالحنيفيين أما الوثنيين فقد أدخلوا على
الحج ما ليس
فيه. فهل د.
السعداوي قارئة للتاريخ من مصادر موثوقة أم أنها تفضل
تاريخا مزورا؟
أما قولها عن العبادة أن
عملها عبادة و.. و.. عبادة، فهذا لا شك فيه إذا صلحت
النية، لكنني أنصح أن تطلع على كتاب مثل (الاعتكاف
عودة إلى الذات) للعالم النفسي البريطاني لدكتور
أنتوني ستور لعلها تدرك ضرورة الاعتكاف أحيانا بدون
عمل سواء كان بواسطة التأمل
meditation
الذي يؤدي إلى الشعور بالجمال ، أو بالعبادة التي تجعل
الروح خاشعة في محراب الجلال، ومن الشعور بالجمال
والخشوع للجلال يمكن للإنسان أن يصل للكمال، وبالكمال
وحده يمكن أن يكون التطور حضاريا وإنسانيا، وليس كما
هو الحال في الحضارات التي أنكرت وجود الله.
نشر في موقع إيلاف
خريف عام 2003
|