|
لا شك أن من أهم الأزمات الحالية المحيقة بالأمة العربية الإسلامية والتي تبدت
إرهاصاتها في بعض البلاد العربية هي تدخل أمريكا في تغيير المناهج الدراسية, الأمر
الذي دعا بعض المثقفين العرب والمسلمين للوقوف في وجه هذا المد التغريبي على اعتبار
أن التغيير يجب أن يكون من الداخل لا أن يكون مفروضاً من الخارج؛ والغريب في الأمر
أنه برغم كل الاستلاب الفكري والضياع الثقافي، والتفكّك السياسي، والتخلّف
الاجتماعي، والتهميش الحضاري الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية, فما يزال هناك
من يخطط لإبادتها تراثاً وحضارة وفكراً وعقيدة وثقافة, والسبب يكمن برأيي في شيء
واحد, هو خوفهم من مصدر قوة هذه الأمة وعزتها ألا وهو الإسلام, وأقصد هنا الإسلام
الحضاري الذي لا ينفي الأديان الأخرى بل يحتويها جزءاً من منظومة الإسلام نفسه
}ولو
شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم{.
ودور الإسلام في عزة الأمة العربية قرره عالم الاجتماع الفذ ابن خلدون عندما أفرد
فصلا في مقدمته أسماه :(العرب قوم لا يصلحهم إلا الدين).
وبما أن لي تجربة في هذا المنحى فأود أن أدلي بدلوي
لعل في رأيي بعض فائدة, إذ إن أولادي يدرسون في مدارس
عالمية والمقرر هو منهاج أمريكي بحت, ويكفي دليلاً على
تطور هذه المناهج وتقدمها أنني عندما أدرِّس ابني
الرياضيات، وهي المادة التي كنت أتعاطاها كما يتعاطى
المحب خمر محبوبه, أرى نفسي عاجزة عن مواكبة هذه
النظريات الجديدة في الرياضيات، رغم أنه منهاج الصف
الثاني الإعدادي وليس الثالث الثانوي مثلاً, وقس على
ذلك باقي المواد من علوم وفيزياء وكيمياء وغيرها..
لذلك رغم تعالي صيحات الرعب من تغيير المناهج التي
تلوِّح به أمريكا في وجه كثير من البلدان العربية, لا
أرى شخصياً ما يبرر هذا الرعب, فمناهجنا أساساً ضعيفة
وبعيدة عن التقدم العلمي؛ وأحسب أن مصدر الخوف الكامن
لدى البعض ليس ناجماً عن تطوير هذه المواد العلمية،
بقدر ما هو نابع من تغيير المواد التي لها علاقة
مباشرة بتاريخنا وحضارتنا وثقافتنا؛ إذ يمكن لتغيير
المناهج أن يمسح الذاكرة الجماعية، ويجعل الجيل العربي
المسلم نسخاً متكررة مشوهة الفطرة، مسلوبة القدرة،
دونما حاجة إلى إجراء أي عمليات استنساخ وطرقها
المعقدة!
نحن أمام تحدٍ شديد, ولكنه لا يرعبني البتة لأنني
أقتنع تماماً بالآية القرآنية الكريمة
}
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في
الأرض
{؛
عدا أننا لن نستطيع وقف مد العولمة, ويجب علينا أن
نبني السدود في وجه الطوفان بدل أن نقف في وجهه,
والتحدي الفعلي هو أن نثبت أن رسالتنا عالمية, وإذا
كان القوميون العرب يصرون على شعارات
«
أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة
»
ثم يتبعون ذلك بأن أهداف هذه الرسالة هي
«وحدة
.. حرية .. اشتراكية»
فهذا قد أثبتت الأيام خطأه لأننا لم نجد وطناً عربياً
متفرقاً ولا خاضعاً ولا مخلخلاً اقتصادياً وسياسياً
واجتماعياً, كما حصل بعد رفع تلك الشعارات, فأين
الوحدة, وأين الحرية, وأين الاشتراكية؟! ونحن نعذر
القوميين المخلصين بالطبع، إذ إن التاريخ سلسلة متصلة
الحلقات, وقد كانت تجربة إعلاء القومية العربية فترة
فرضتها نزعة العالم كله آنذاك باتجاه القومية, أما
الآن فالنزعة الحالية هي العالمية.
ورسالة العرب الحقيقية قد بينها القرآن الكريم بقوله:
}وإنه
لذكر لك ولقومك وسوف تسألون{
أي إن القرآن رفع من شأن العرب
عندما نزل بلسان عربي مبين, والرسالة هي رسالة الرحمة
والإنسانية المتمثلة بالرسالة الخاتمة للرسالات
السماوية. وها نحن في عصر السماوات المفتوحة والفضاءات
غير المحدودة فهل نستطيع أن نثبت فعلا عالمية وإنسانية
رسالتنا كما يجب؟
أهم مقومات فهمنا لرسالتنا أننا يجب ألاّ نخاف من أي
ثقافة أخرى, وهو المؤشر الوحيد برأيي على مناعتنا التي
تجعلنا واثقين من صلاحية دورنا حتى يرث الله الأرض ومن
عليها؛ ومن الواجب أن ننقل لأولادنا لقاحات المناعة
هذه، ونغرس فيهم مقومات الثقة بالذات، والإيمان بدور
للإسلام لا بد أن يضيء الكون في وقت قريب؛ ويحضرني هنا
ما ذكره د. مراد هوفمان السفير الألماني المسلم في
كتابه (الإسلام كبديل):
«إن
الإسلام كان إبان الصراع بين العالم الغربي والشيوعية
يستطيع أن يعدّ نفسه الطريق الثالثة المباينة لهما,
أما اليوم فإن الإسلام يطرح نفسه بديلاً لكلا النظامين»
بعد أن دخلت البشرية في متاهات الضياع, فبرغم تقدم
الغرب مادياً واقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً, لكنه
على الجانب الآخر، أي الأخلاقي والاجتماعي والأسروي
مفكك إلى أبعد الحدود, والحضارة الغربية تتبدى أزماتها
العميقة يوماً بعد يوم, ولا أدل على ذلك مما قاله
أندريه مالرو عن القرن الواحد والعشرين إنه
«إما
سيكون روحياً
أو لن يكون»
أي قد لا يكون هناك قرن على الإطلاق؛
علماً بأن الأخلاق في المجتمع لا وجود حقيقي لها من
دون الدين, وهذا واضح في قول فولتير:
«
لا بد للبلد ليكون صالحا أن يكون له دين, أريد من
زوجتي وخياطي ومحامي أن يؤمنوا بالله، وبذلك يقل غشهم
وسرقاتهم لي؛ وإذا كان لا وجود لله فيجب أن نخترع إلها».
لكن بما أن الثقافة لا تؤخذ فقط من كتب الدين, فسآتي
بأمثلة من كتب القراءة للمنهاج الأمريكي, وكيف يمكننا
أن نتعامل معها في توضيح خطئها أو تأكيد صوابها؛ ومن
ثمّ تثبيت اللقاحات المناعية القوية في نفوس أطفالنا,
فبالأمس القريب سألني ابني البالغ من العمر 11 سنة عن
الله سبحانه وتعالى، وبيَّن لي كيف يتخيل ببراءة
الأطفال صورة الله سبحانه، وأنه يشبه البشر- تذكرت
عندها سبينوزا الفيلسوف اليهودي الذي تبرأ منه الكنيس
اليهودي بسبب إلحاده خاصة عندما نشر أفكاره عن الله،
وأن المثلث إذا تخيّل الله لقال: إنّه ذو ثلاث أضلاع -
فأفهمت ابني أن هذا لا يجوز بحق الله سبحانه، وإنما
علينا أن نؤمن بالله، وأنه نور على نور، لأن عقولنا
قاصرة عن إدراك ذات الله وضربت له المثل بعيوننا التي
لا تستطيع أن ترى البعيد، وأفهمته أن ما كتب على غلاف
كتاب القراءة الأمريكي للصف الرابع:
(seeing is
believing)
ينحصر في ما تستطيع عيوننا أن تراه أما ما وراء ذلك
فيجب أن نؤمن به إذا وصلنا عن طريق الخبر الصادق الذي
يستحيل تكذيبه سواء كان القرآن الكريم أو السنة
الصحيحة.
فهذا مثال عن التغريب الذي يمكن لأمريكا أن تخضع
مناهجنا التعليمية له, فمعنى العبارة التي كتبتها
بالإنكليزية أن يرفع الإيمان بالغيب من نفس التلميذ,
فكيف يؤمن بالله إذا لم يكن يراه, وكيف يؤمن بالجنة
والنار والملائكة وغير ذلك إذا لم يكن يراها؟ ومن
الطبيعي أن يتأثر به الطفل إذا كان الأهل غير واعين
لما يبث في عقول أطفالهم, لكن في نفس الوقت لا بد من
التأكيد للطفل على أن هذه العبارة صحيحة تماماً في كل
ما له علاقة بالعالم الذي يقع تحت إمكانية الإدراك
بحواسنا المختلفة؛ لأن هذا يساعد على الخروج من المأزق
الذي وقع به كثير من المسلمين بين عالم الغيب وعالم
الشهادة, إذ يخلطون بين ما يمكن تغييره، وبين ما يجب
الرضا به على أنه قدر من الله سبحانه.
هذا في منهاج السنة الرابعة أما في السنة الخامسة
فيوجد قصة عن طفل بعمر 11 سنة احتبس في مركبة فضائية
مع أصدقائه, وأخذ ينتظر وصول النجدة بالنظر عبر شاشة
الكمبيوتر في غرفة القيادة, وفي نفس الوقت ضحّى من أجل
أصدقائه فامتنع عن الطعام لأنه شعر أنه لن يكفيهم, وهو
أكبرهم ويستطيع أن يحتمل الجوع, فهذه قصة رائعة في
التضحية ونكران الذات من كتاب أمريكي, لكن أين الخلل؟
الخلل أن البعد الإيماني غائب, كما هو في غالبية مناحي
الحياة في الثقافة الغربية, وما قمت به أنا هو أني
ذكرت لابني أن هذا الطفل الرائع بأخلاقه ينقصه شيء هام
ألا وهو اللجوء إلى الله والدعاء. إذن يجب أن يكون
الأهل واعين للمشكلة، ومهيّئين أنفسهم للتعامل معها
بدل رفضها, فالمنهاج غني بالقصص الجميلة التي تعزز
قيماً إنسانية خالدة, لا يمكن أن نجدها في مناهجنا
العربية التي تعتمد على التلقين بدل التكوين، وتكرس
حالة الظلم، واغتنام النفوذ لزيادة الحسابات في البنوك
السويسرية من قبل بعض المتحكمين المتسلطين, وكمثال على
هذه القصص قصة صانع أحذية قروي قام بصنع حذاء أحمر أو
جزمة ( بوط ), واقترحت زوجته أن يهديه للملك, ولما
أراد أن يصل للملك اعترضه كل من الحارس على سور
المدينة، وحارس القصر، وحاجب الملك الخاص بالترتيب,
ولم يسمح له أي واحد منهم بالمرور إلا بعد أن سأله عن
غرضه من الملك، وطلب منه رشوة ثلث الهدية التي سيعطيه
إياها الملك, فرضي صانع الأحذية, ولما دخل على الملك
قبل الأخير هديته، وسأله عن المكافأة التي يريدها,
فصرح صانع الأحذية أنه يريد تسعاً وتسعين جلدة,
واستغرب الملك هذا الطلب لكنه طلب من رئيس وزرائه أن
يعاقبه بجلده تسعًا وتسعين جلدة خارج المدينة, وخرج
الاثنان من المدينة, وفي هذه الأثناء كان صانع الأحذية
يشير لكل من الحراس الثلاثة أن يتبعه ليعطيه ما وعده
به, وتبعهم أناس كثيرون، وقبل أن يخضع صانع الأحذية
للعقوبة/المكافأة سأل كلاً من الرجال الثلاثة أمام
رئيس الوزراء إن كان ما يزال مصراً على إبرام العهد
الذي اتفقوا عليه فأجابوا بنعم, فطلب من رئيس الوزراء
أن يجلد كلا منهم ثلاثة وثلاثين جلدة, وعلت هتافات
الجماهير بحياة صانع الأحذية الذكي الحر, ولما وصلت
الضجة للملك هنأ صانع الأحذية على ما فعل، وكافأه كما
يستحق, ومن هذه القصة يتعلم الأولاد شيئين:
أولهما:
أن ما يدور خارج قصر السلطان أو الحاكم لا يصل إلى
أذنيه دائماً بسبب الأشخاص الانتهازيين النفعيين الذين
يحرصون على أن يندسوا في صفوف الحاشية المزوقة
المزورة.
وثانيهما:
أن على الشخص ألاّ يسكت على الظلم؛ وهذا ما لا نجده
في مناهجنا.
أما مكمن الخطر في هذه المناهج عدا ما ذكرته في تغييب
البعد الإيماني والعقدي فهو ما له علاقة بتشويه الفطرة
وتجميل القبيح, وسأضرب ثلاثة أمثلة مما تحويه كتب
القراءة الأمريكية:
المثال الأول:
قصة امرأة تعيش مع أولادها تربي غراباً في حديقة
بيتها, وتعتني به كما يُعتنى بالحيوان المدلل, والقصة
تنتهي بعودة الغراب لأصله وهو رفضه أن يكون
pet
أي أن يكون حيواناً أليفاً, كما
أوحى إليه أصدقاؤه الذين كانوا ينادونه كل صباح ليعود
إليهم ففعل واستجاب لهم؛ لكنها تعزز في الطفل مفهوماً
بطريقة غير مباشرة, وهو أن الغراب بنعيقه الشنيع
ومنظره القبيح يمكن أن يكون حيواناً مفضلاً وطيراً
مدللاً.
المثال الثاني:
قصة يرويها كاتب على لسان صرصور يربيه طفل في علبة
كبريت, فيحكي الصرصور كيف انتقل من القرية المفضلة إلى
المدينة, حيث وجد أن التحضر على أعلاه، والذي تبدى في
صداقة القط والفأر في بيت أناس دخل الصرصور مطبخهم,
والقصة لا تخلو من الطرافة لكنها لا تخلو أيضاً من
مفهوم قد يتبناه الطفل، وهو أن الصرصور يمكن أن يكون
حيواناً مدللاً يُعتنى به وتتم رعايته كالحيوانات
المدللة.
المثال الثالث:
قصة عن طفل يربي في قفص حيوان ( الوزغ أو البرص )
ويعتني به كما يعتني طفل آخر بالقطة أو بالعصفور, ولا
أذكر أحداث القصة بالتفصيل إلا أن لها معنى من ضمن
معانيها وهو أن الوزغ وهو الحيوان قبيح المنظر يمكن أن
يصبح حيواناً جميلاً مدللاً أيضاً.
فهذه القصص ومثيلاتها تؤدي إلى تشكيل نظرة مختلفة
للجمال لا تمت للجمال بصلة, وهذا الأمر له تداعياته
الخطيرة, فبداية الشذوذ تبدأ من تفضيل القبيح على
الجميل؛ ولكن إذا كنا صريحين فيجب أن نعترف أنه كما
يغيب البعد الغيبي عند بعضنا كذلك فإن هذه النظرة
موجودة لدى عدد منّا برغم أنهم لم يدرسوا المناهج
الأمريكية، ولم ينشؤوا وملء عيونهم غراب كريه، أو
صرصور نتن، أو وزغ قبيح!
كمثال على ذلك ما قرأته من بعض القصائد العربية "الحداثية"
تستعمل ألفاظا تستجدي القبح من قعر كل معنى مقرف, أو
مقالات لا ترى مثلبة في النيل من الذات الإلهية
مثلاً, مما يجعلني أرى أن خوفنا على ثقافتنا العربية
(الأصيلة) من أمريكا وحدها ليس هو كل شيء, وهذا له
حديث آخر.
أما نهاية حديثي هنا فهو أننا إما أن نبدأ بتربية
أولادنا أن يكونوا أحراراً من كل عبودية إلا لله جل
وعلا, وإلا فإنه لا مناص من الحرية على الطريقة
الأميركية والتي تؤدي إلى فساد ما بعده فساد، وضياع
أشبه بما ذكره القرآن عن قوم موسى عندما تاهوا في
الأرض أربعين سنة حتى ينشأ جيل يعتاد الحرية، وليس
كالجيل الذي نشأ على الذل في أرض الفراعنة! |