الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) أسلمة المعرفة أم أنسنة المعرفة؟
 
 
 

جاء في بيان مؤتمر المثقفين في مصر رفضهم لمصطلح أسلمة المعرفة لأنه برأيهم يُدخل الإسلام فيما ليس له, فما علاقة الإسلام مثلا بعلوم الفيزياء والرياضيات وما شابهها؟ فانتقد مثقفون آخرون رفضهم هذا ونادوا بأسلمة الدنيا!

ومصطلح "أسلمة المعرفة" ليس أمرا وليد الساعة, بل ربما يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي عندما صدر كتاب "إسلامية المعرفة" عن ( المعهد العالمي للفكر الإسلامي ), ومنذ ذلك الوقت تقريبا جرت - وما زالت تجري - ندوات ومؤتمرات خاصة في بلاد الغرب بين الجاليات الإسلامية لصبغ العلوم الإنسانية بصبغة إسلامية, وعندما أقول "علوم إنسانية" فمعنى هذا بالضرورة أنها علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والنفس وما ماثلها وكل ما يخص البشر أفرادا وجماعات, حاكمين ومحكومين؛ وبهذا نكون قد أخرجنا من القضية ما تساءل عنه البعض من علوم الفيزياء والرياضيات وما شابه, إذ إنها علوم  لا يمكن صبغها بطابع ديني ما دامت اختصاصا عقليا بحتا ليس للروح فيه نصيب, ولا أعتقد أن أحدا ينكر أن النفس البشرية ليست فكرا أو عقلا فحسب, وإنما هي عاطفة وروح أيضا.

أضف إلى ذلك أن هذه الإشكالية الأولى تزول إذا علمنا أن هذه العلوم العقلية هي نتاج تمازج حضارات مختلفة عبر التاريخ الإنساني, فلا يصح أن نتنكر لتجربة الفراعنة العلمية رغم أنهم كانوا أربابا ومربوبين, كما لا ينبغي أن ننسى أن أجدادنا المسلمين أضافوا الكثير لهذه العلوم بعد أن أحسنوا هضمها وتمثلها من الحضارات الأخرى, فالتاريخ البشري هو سلسلة مترابطة الحلقات من الحضارات المتعاقبة؛ وحتى لو كانت بعض هذه الحضارات وثنية بحتة فأعتقد أنه يجدر بنا كمسلمين أن ننظر إليها على أنها حضارة لأن كلمة حضارة تشير بالمعنى اللغوي إلى  التطور الإنساني من حياة البداوة والرعي إلى حياة الزراعة والاستقرار, فكل ما نتج عن هذا الاستقرار من تأثير سواء كان محليا أو عالميا فهو ولا شك حضارة من الحضارات.

نأتي إلى الإشكالية الأخرى والتي أرى أنه ينبغي على دعاة أسلمة المعرفة تجاوزها, كما أرجو من المعارضين لهم تفهمها وتقبلها,  ألا وهي المصطلح نفسه, وهذا ما أوضّحه في أمرين:

الأمر الأول: لا أعتقد أن هؤلاء المنادين بأسلمة المعرفة يقصدون إلغاء الأديان الأخرى, لأن أغلبنا يعلم أن هذه الديانات سواء كانت سماوية كالمسيحية واليهودية أو غير سماوية كالبوذية والهندوسية تم استيعابها من قبل الفاتحين المسلمين إبان الحضارة الإسلامية الزاهية, فدخل معتنقو هذه الديانات في نظام الإسلام الحضاري ولو أن بعضهم لم يعتقد بالإسلام كدين, والوقائع هنا شديدة الوطء, والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى, ويكفي أن نضرب مثلا أن الرسول عليه الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة عند يهودي, والسؤال الذي يخطر ببالنا: ألم يكن عليه الصلاة والسلام قادرا على أن يستدين من أحد الصحابة الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما رضي الله عنهم جميعا؟! ألم يكن الصحابة الكرام على استعداد أن يفدوه بأموالهم ومهج نفوسهم؟! فلماذا فضل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتعامل مع يهودي؟! إن هذا المثل لوحده كافٍ للدلالة على أن الرسول عليه الصلاة والسلام فعل هذا لحكمة – والله أعلم – ألا وهي أن يعلِّم أتباعه أن التعامل الإنساني والتواصل الحقيقي بين البشر لا يكون إلا بأن تزول هذه الفوارق المؤدية للنزاعات الطبقية والأحقاد الطائفية؛ فها هو رسول الإسلام ورئيس الدولة يستدين من فرد من الشعب يهودي الديانة. وعلى هذا المنوال سار الخلفاء الراشدين, وكلنا يعلم قصة القبطي الذي شكا لعمر بن الخطاب الظلم الذي أوقعه عليه ابن والي مصر آنذاك وكيف جعله يستقيد بنفسه من خصمه, وقصة الشيخ اليهودي الذي رآه عمر يسأل الناس الصدقة ففرض له ولأمثاله من بيت المال؛ وكذلك قصة علي بن أبي طالب عندما احتكم وذمي إلى القاضي من أجل درع ادعى علي أنها له وأنكر الذمي, فطالب القاضي أمير المؤمنين بالبينة فلما لم يجد حكم بالدرع للذمي, مما جعل الذمي يدخل في دين الإسلام خاصة وأن الدرع كانت لأمير المؤمنين.

ومن يقرأ التاريخ جيدا يرى أن أفضل العصور للحريات الدينية كان في عصر الحضارة الإسلامية, فقد سجلت أروع الصفحات في التعاون على الخير بين أبنائها تعاونا أدى إلى خير الإنسانية وتقدمها, وكان  للتعاون بين الإسلام والمسيحية في العصر العباسي آثار عظيمة في العلم والثقافة, ويقص علينا التاريخ كيف كان يجتمع المسلم والمسيحي والمجوسي في حلقة الخلفاء ينثر كل منهم ما في كنانته من علم وأدب, والخلفاء يضفون عليهم جميعا ظلا ظليلا من الإكرام. ومن المعروف أن طبيب هارون الرشيد الخاص هو بختيشوع الذي كان الرشيد يفضله على غيره, وقد عرض عليه الإسلام فاعتذر  أنه يحب أن يموت على دين آبائه. وكان التعاون على بأساء الحياة وضرائها رغم اختلاف الأديان والعقائد من أبرز الأخلاق السائدة بين الناس في تلك العصور, حتى اشتركوا جميعا في كثير من الحروب جنبا إلى جنب؛ وقد سجل التاريخ موقفا رائعا لشيخ الإسلام ابن تيمية حين جاء إلى أمير التتار يطلب إليه إطلاق سراح أسرى المسلمين وحدهم دون المسيحيين واليهود, فأبى شيخ الإسلام رحمه الله, وقال: لا بد من إطلاق سراح هؤلاء فإنهم أهل ذمتنا لهم ذمة الله ورسوله, فأطلق الأمير سراحهم جميعا.

الأمر الثاني: إن مصطلح أسلمة المعرفة يدل على مفهوم مبهم ومعقد, فكيف يمكن أن نطلب من الإسلام - وأهله على ما هم فيه من الضعف - أن يحل مشاكل البشرية المتراكمة عبر قرون وعصور من الجهالة وعبادة القوة وغلبة المادة وهلم جرا؟!

ما أراه ملِّحا وضروريا أن يتم تغيير المصطلح إلى مصطلح أكثر شمولا وأشد قبولا, ألا وهو "أنسنة المعرفة", إذ يجب أن نعترف جميعا نحن بني البشر أن هذه العلوم المختلفة- من علم نفس وسياسة واجتماع واقتصاد وتربية وغيرها والتي تسود عالمنا الإنساني حاليا - ليست إنسانية أبدا, إنما هي نتاج أفكار ونظريات أثبت الواقع التطبيقي فشلها؛ ففي استعراض سريع للتجارب البشرية نلاحظ على صعيد علم النفس مثلا أن أفكار فرويد مثلا أودت بكثير من القيم والفضائل, إذ أعلى فرويد من قيمة الجنس على حساب العواطف الإنسانية التي ألغاها من أفكاره وكتاباته, فعزا تصرف الإنسان من المهد إلى اللحد للغريزة الجنسية التي مهما كانت قوية فلا يعقل أنها حاكمة متحكمة فينا إلى هذه الدرجة التي تخيلها فرويد, والتي أغرقت الغرب بفوضى جنسية شاملة من إباحية وشذوذ وعزوف عن الزواج وتهدم نظام الأسرة إلى آخر ذلك من الإخفاقات؛ ولا يخفى على أحد كيف تبارى تلاميذ فرويد وأصدقاؤه في دحض نظرياته, وربما هو نفسه قد تراجع في نهاية حياته دون أن يتم الإعلان عن هذا التراجع بوضوح, وهذا ما نجده منتشرا في كتب بعض علماء النفس الغربيين مثل أنتوني ستور وغيره.

عدا فرويد فإن ماركس أخطأ عندما أنكر فطرة الإنسان في حب الكسب , وكذلك فعل لينين عندما أبى أن يعترف بفطرة الإنسان في الإيمان بالإله, وعلى نظرياتهما قام الاتحاد السوفييتي السابق, وكما ثبت خطأ ماركس ولينين نظريا ثبت فشلهما عمليا, فانهار الاتحاد السوفييتي ولما يمض على قيامه مائة عام؛ ولم يكن هذا لخطأ في التطبيق فحسب بل لأن هاته النظريات قامت على غير أساس من الصحة, فالإنسان الملحد لا يمكن إذا حكَّم عقله - المجرد عن هواه النفسي وأحكامه المسبقة - في هذه المسألة إلا أن يعترف بوجود قوة مطلقة حكيمة حاكمة تدير الكون, وكلنا نعرف أن الحل الجماعي لمشاكل الغرب المستعصية في الطب النفسي ما هو إلا بالرجوع إلى الإيمان وهو ما نادت به المدارس النفسية الحديثة من أمثال مدرسة يونج وغيره؛ ومن أراد التبحر أكثر في هذا الموضوع فأنصح بقراءة السيرة الذاتية لفولتير ومطالعة إبداعاته وكيف غير رأيه من الإلحاد إلى الإيمان عبر  مسيرة حياته الطويلة, وهذا ما أثبته في كتابي (حوار الثقافات: مدخل لقراءة الآخر ونقد الذات).

من النظريات الأخرى الخاطئة نظرية مكيافيللي السياسية المشهورة من أن الغاية تبرر الوسيلة, فهذه لوحدها لم تدفع البشرية لتنهار في وادي سحيق من الظلم والكذب والخداع فحسب بل جعلت السياسة مفصولة عن الأخلاق مما أدى إلى تدهور العلاقات بين الشعوب وحكامها وكذلك بين الشعوب الغربية والشرقية أيضا, ناهيك عن نظريات إدلر في اللذة ونظريات غيره عن سيطرة القوي مثل تخيل الفيلسوف الألماني نيتشه للإنسان السوبرمان والذي يجب أن يخضع له البشر لأنه يملك من القوة والتفوق ما لا يملكه الآخرون, وقد كان لنظرياته أثر في الشعور بالاستعلاء والتفوق لدى العرق النازي والذي عانت منه البشرية في الحربين العالمية الأولى والثانية.

وكما أخطأ مؤلفو الديالكتيكية المادية ماركس وأصحابه عندما نفوا أي وجود للفكر البشري خارج الجماعة, كذلك فقد استبعد كل من أوجست كونت ودوركايم الفردَ من الدراسة الاجتماعية على أساس أن الفرد لا كيان له إلا من خلال المجتمع الذي يملي على العقل أفكاره وعاداته وتقاليده, وما على العقل إلا أن يخضع خضوعا مطلقا لمؤثرات العقل الجمعي ويأخذها مأخذ التسليم؛ وأما ما ينقض هذه النظريات فهو وجود العباقرة في كل أمة, والمبدعين الذين ساهموا في تطوير مجتمعاتهم, فلو لم يخالف كوبرنيكوس اعتقادات من سبقوه مثلا لما توصلت البشرية إلى معرفة أن الأرض تدور حول الشمس.

أما نظريات القومية فقد أدت إلى حروب باطشة خاضت في دماء الناس طويلا,  ومازال النزيف الناتج عن نظريات التفوق النازي والعنصري متجمعا في رحم الإنسانية يقذف بحمم البراكين ويهز الكرة الأرضية بالزلازل والخراب إلى يومنا هذا رغم كل التطور الحضاري المادي وعلى جميع الأصعدة.

إذن ما هو المخرج من كل هذه التخبطات؟ هل نقول كمسلمين أن الحل هو بإنزال آيات القرآن ووضعها موضع التطبيق البشري لاغيين كل هذه الخبرات في تاريخ البشرية سواء كانت خبرات صحيحة أو خاطئة؟! وكم عدد الذين سيؤمنون بهذا بعد أن فقدت المجتمعات الإسلامية هويتها الحضارية؟!

رغم اقتناعي الكبير بالإسلام كدين وصلاحيته لكل زمان ومكان, فإنني أرى أنه يجدر الاعتراف بأن تطبيق الإسلام وتمثله الخاطئ عبر قرون من الانحطاط والتخلف جعلت الكثير من المسلمين والعرب ينبهرون بالغرب وتقدمه وتطوره, ظانين أن أوربا أحسنت صنعا عندما أدارت ظهرها دينها فتم فصل العلم عن الكنيسة, وفي خطوة تالية حصل إنكار البعد الديني والروحاني, وما زال الغرب في انحدار أخلاقي رغم كل تحضره المادي, وإذا وجد من يخالفني في هذا الرأي فلست ممن يحجرون على الفكر إنما أطلب جوابا لسؤال وحيد: هل وجد انحدار في تاريخ البشرية مثل الذي يحصل الآن  بالدفاع عن حق الشواذ في الزواج من بعضهم بعضا مثلا؟؟

إن المخرج برأيي ليس في رفض الإسلام, ولكنه أيضا ليس في فرضه؛ إنما الحل في اندماج الإنسان بأخيه الإنسان لإعلاء شأن الفطرة البشرية والبحث عن العلوم الإنسانية الحقيقية ؛ وعندها قد يعترف من يريد أن يعترف بأن في الإسلام كمونا حضاريا لا حدود له, وأنه ليس إلا الدين الكامل الشامل للنوع البشري لأنه الدين الوحيد الذي ينسدل كثوب سابغ على الفطرة الإنسانية إذ يُروي أشواق البشر الروحية دون أن يلغي متطلباتهم الجسدية, ويشبع حاجة الفرد النفسية للحرية والإبداع دون أن يسمح له بتجاوزات تؤدي إلى خروقاتٍ في المجتمع وإفسادٍ في الأرض, هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى لأنه الدين الذي اعترف بكل التجارب الإنسانية الأخرى فامتلأت سور القرآن وآياته بالعبر والحث على التبصر والتفكر.

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |