الصفحة الرئيسية
  
 خارج السرب (مقالات) التثقيف الصحي.. مسؤولية مجتمع
 
 
 

دخل عيادتي ومعه ابنتاه, وقبلهم دخلت الممرضة وبيدها ملف للابنة الكبيرة والبالغة من العمر 15 عاما. طلب من ابنته أن تجلس وبقي واقفاً هو والابنة الصغرى, فأشرت إليه أن يتفضل بالجلوس, فامتنع موضحاً لي أن الصغرى ستدخل إلى عيادة الجراحة ويمكن أن يُنادى عليها في أي وقت, وهو إنما دخل مع ابنته الكبرى ليشرح لي شكواها من الألم في أحد الثديين, فانتقلتُ إلى الفتاة موجهة إليها بعض الأسئلة, ثم قمت بالكشف عليها وطلبت تصوير أشعة فوق صوتية لزيادة الاطمئنان بعد إذ لم أجد ما يشير إلى أي آفة عضوية, فما كان من الأب إلا أن صارحني أن الصغرى ستدخل إلى عيادة الجراحة مع أن لديها نفس الشكوى لكن في الثديين معاً, فنظرت إلى الطفلة التي لم تتجاوز عشر سنوات, وتأملت وجهها الذي يضجّ بالحيوية وشعرت بروحها التي تتدفّق بالنشاط, مما جعلني أرفض تقبّل وجود مشكلة في الثديين تحتاج طبيباً جراحاً, ولما سألت الأب عن رؤيتها للدورة الشهرية خاصة وأن بعض الفتيات في المملكة قد يحصل لديهن بلوغ بهذا العمر, نفى أن تكون ابنته قد بلغت سن المحيض, لكنه أضاف: المشكلة يا دكتورة أنها تشكو من كتلة مؤلمة في كلٍّ من الثديين خاصة إذا لمستْهما أو ضربها أحد على منطقة الصدر بقصد أو غير قصد, فطلبت منه أن يحوّل ملفها لعيادتي مانحةً إياه الأمل بأن يكون حلّ مشكلتها لديّ, فرحبّ بالفكرة, ودخلت الصغيرة لغرفة الكشف ورفعت قميصها عن صدرها, فإذا بعلامات البلوغ الثانوية واضحة في الثديين وذلك بتشكلّ ما يمكن تسميته برعم الثدي في كل جهة, فعدت للأب موضحة له أن ما يظنه مرضاً أو كتلة في صدر ابنته ما هو إلا بنية طبيعية تدل على اقترابها من سن البلوغ.

في الحقيقة هالني هذا الجهل من الأب, للدرجة التي جعلتني أتجاوز ما عوّدت نفسي عليه من الفصل  بين مهنتي كطبيبة ومهمّتي ككاتبة بعد أن اعتدت على عدم الخلط بين الأدوار التي تقتضيها الحياة في المستويين الخاص والعام, ووجدتني أنصح الأب باقتناء كتابي التربوي (ألف باء الحب والجنس) كي يساعده وزوجته على احتواء كلّ التغيرات التي تطرأ على أولادهما وبناتهما سواء كانت عاطفية أو جسدية؛ وبعد أن غادر عيادتي طفق في ذهني سؤال يتردد: هل هذا الرجل هو الأب الوحيد الذي يحتاج تثقيفاً جنسياً؟ وهل إن الثقافة الجنسية هي الوحيدة الغائبة في المجتمع أم أن لدينا نقصاً كبيراً في كل ما يمتّ بصلة للثقافة الصحية؟

لا يخفى على أحد من المهتمين نسبة ارتفاع البدانة في المملكة بسبب العادات الغذائية الخاطئة خاصة من ناحية استهلاك الغذاء الغني بالدهون والنشويات والسكريات وهو ما ساهم في وصول داء السكري إلى الحد الوبائي تقريباً بعد أن تجاوزت نسبته  25% وإذا نظرنا للجيل الأصغر سناً فلا يخفى سوء التغذية لديه بسبب استبدال الأطعمة المفيدة برقائق البطاطس والمكرونة الخاصة بشرق آسيا (الأندومي وما شابهها), والشوكولاتة والآيس كريم, إضافة إلى الزيادة في استهلاك العصائر والمشروبات الغازية وغيرها بدل الحليب واللبن مما يؤدي إلى البدانة غير المترافقة مع بنية سليمة, وكثيرا ما تراجع عيادتي مراهقات لديهن فقر دم ونقص حاد في الكالسيوم, ناهيك عن عدم ممارستهن للرياضة مما يزيد السمنة التي تؤدي مع ما سبقها من العوامل إلى الإصابة بمرض التهاب المفاصل التنكسي (الروماتيزم) وهو مرض يمكن تقبّل حدوثه بعد الأربعينات من العمر, أما إصابة فتيات به وهنّ بعمر الورود فهو كارثة, إذ كيف تستطيع هذه الفتاة القيام بمسؤوليات الزواج مستقبلا بمفاصل محدودة الحركة؟ وماذا عن الحمول المتكررة والولادات المتتابعة بدون فواصل راحة؟ من يخبر النساء – ومعهن الرجال – أن الحمل ليس حالة فيزيولوجية دائماً وإنما يتحوّل إلى مرض إذا كان سيجعل الوهن – وهذا تعبير قرآني - حالة ملازمة لجسد المرأة وليس حالة مؤقتة؟ من يخبر الناس أنه ليس زواج القرابة هو الذي يعني صلة الرحم دائماً مادام يحمل معه خطر تشوهات الأجنة وتكرر الإجهاضات وحالات إعاقة في بعض المواليد؟

أما بلاء الخادمات فهو آفة اجتماعية كبرى, ولست هنا بصدد الدخول في التأثيرات الثقافية للخادمات اللواتي يحملن ثقافاتهن المختلفة وينقلنها إلى أولادنا, لكن لا بد من التنبيه إلى أن الاعتماد على الشغالة يزيد في نقص حركة المرأة, مما يرفع نسبة البدانة من جهة ويمنع تركّز الكالسيوم على العظام الذي يترسّب في المجاري البولية مشكّلا الحصيات, هذا من جهة ومن جهة أخرى يساهم كعامل نوعي في هشاشة العظام وهي مرض منتشر بكثرة بين النساء في المملكة, وينعكس هذا المرض بارتفاع تعرض العظام للكسور مما يعني زيادة الاعتماد على الشغالة بالتالي, فبدل أن تكون خادمة واحدة كافية إذا بالبيت يصبح بحاجة لخادمتين: واحدة لمساعدة المرأة التي تحددت حركتها كليا أو جزئيا بسبب الكسر, وواحدة للمهام المعتادة في البيت.

حدِّث ولا حرج عن ازدياد حالات كسل الغدة الدرقية والتي تؤدي في المرأة الحامل إلى مواليد تعاني من "الفدامة" والذي كثيرا ما يترافق بإصابة المولود ببعض التخلف العقلي, والسبب هو نقص الغذاء باليود دون أن نبرّئ زواج القرابة من المسؤولية بدرجة أو بأخرى, وبعيدا عن اختصاصي في أمراض النساء والولادة لا يمكن تجاهل كثرة الأمراض التنفسية المترافقة مع العادات الصحية السيئة من تدخين وما شابه, والتي يزيدها تلوث البيئة وخاصة في مدينة جدة والتي تسمى – مجازاً- عروس البحر, ناهيك عن الأمراض المنتقلة بالعدوى من الوافدين خاصة المعتمرين والحجاج من الجنسيات المختلفة.

هذا غيض من فيض المشكلات الصحية التي يجب التنبيه لها وتضافر كل الجهود لمنع تفاقمها وتقليل انتشارها, وإلا فإنها لن تعني فقط تأخراً صحياً, بل سترتدّ بأطياف مختلفة من التخلف الثقافي والاجتماعي والتربوي والنفسي, وبالطبع لا ينقص العاملين في حقل الطب أو في مجال المستشفيات الثقافة الصحية المناسبة وهم الذين يشكلّون غالبية المطلعين على هذه المقالة التي غايتها التركيز على دورهم في التوعية, وإذا كنا قد تعلمّنا في أدبيات الطب عدم التدخل في حياة المريض الخاصة, فباعتقادي أنه من واجب الطبيب تقديم النصيحة أحياناً حتى لو لم يطلبها المريض دون أن تتحول النصيحة إلى موعظة ودون أن تترافق بشعور استعلاء على المريض, وفي نفس الوقت ليست المهمة ملقاة على عاتق الطبيب أو الطاقم الطبي فقط, بل لا بد من تحركات على المستويين الرسمي والأهلي لإعلاء أهمية صحة الفرد, وإذا كانت وزارة الصحة تساهم بكثير من المحاضرات والدورات التثقيفية بين الحين والآخر, فإنه من الممكن تفعيل دور العاملين في المراكز الصحية ومراكز الأحياء مشاركة مع كل التجمعات الأخرى بما فيها المدارس والجامعات والجمعيات الخيرية وأماكن العمل في القطاعين العام والخاص, لأن من وصايا النبي الكريم:(كن عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالثة فتهلك) فإذا كان الجهل والمرض هما أساس الداء فإن عدم الشعور بالمسؤولية هو ثالثة الأثافي.

مجلة همس البحر / عدد أبريل

صادرة عن مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |