|
لا
شك
أن التربية هي أصعب المهمات في الوقت الحالي مقارنة بما كانت عليه في العهود
السابقة, فقد كانت الطريقة المتبعة في التربية هي إلقاء الأوامر, وما على الولد أو
البنت إلا الطاعة, على مبدأ "نفذ ولا تعترض" ولم يكن يسمح للأبناء بتجاوز رغبات
الآباء والأمهات حتى في أمور الحياة الشخصية كالزواج وغيره, وحتى لو أصبح الأبناء
آباء فهم يجب أن يبقوا رهن إشارة والديهم حتى الممات.
هذا بالطبع هو تكريس خاطئ لمعنى بر الوالدين, خاصة وقد
أصبحنا في عصر العولمة والثقافات المفتوحة, فيجب أن
يدرك الآباء والأمهات أن تأثيرهم في التربية لم يعد
وحيدا, وأن مؤسسات الإعلام المختلفة – خاصة المرئية –
تضع أمام أعين الأولاد قدوات مختلفة عما يرونه في
الواقع سواء في الأسرة أو المدرسة, لذا كان من واجب
هاتين المؤسستين التربويتين أن تتخليا عن أساليبها
التقليدية في التربية وأن تتفهما حاجة الأولاد والبنات
إلى التعبير عن أنفسهم بطريقة مختلفة عن الطريقة التي
تربى بها جيل الآباء والأمهات.
أهم ما يجب ذكره في هذا الصعيد هو ضرورة تقبل مناقشة
أولادنا لأوامرنا, لتتكوّن لديهم شخصيات غير سهلة
القياد وذلك كي لا يخضعوا مستقبلا لأي من المؤثرات
التي سيتعرضوا لها بحكم ابتعادهم عنا, لذا كان من
الضروري محاورة الأطفال منذ صغرهم دون الاكتفاء بأمرهم
بفعل شيء ما أو بالنهي عنه. صحيح أنه في مرحلة الطفولة
الأولى يتعلم الطفل بالتقليد حيث تكون القدوة الأحب
بالنسبة له هي الأم أو الأب, لكن لطالما سمعنا عن
أطفال حاولوا تقليد أبطال أفلام الكرتون مع عاقبة
وخيمة أحيانا كالذي فكر أن يقلد الغراندايزر أو
السوبرمان فطار من البلكونة ووقع في الشارع مع إصابات
سيئة من كسور وغيرها, وحتى نتجنب هذه العواقب يجب أن
نحاور أولادنا في كل ما يرونه أمامهم على الشاشة مثلا,
أو حتى في أي موقف حياتي مختلف عن المعتاد, والحوار هو
الذي يجعل الأولاد قريبين منا يشعرون بالأمان معنا
عندما يصرحون بآرائهم دون خوف من غضبنا أو تسفيهنا
لهم, فنحن عندما نحترم أولادنا فإننا بدورنا نعلّمهم
كيف يحترموننا.
بالطبع فإن التربية هي مزيج من الحنان والحزم,
والمراحل العمرية كنهاية الطفولة وبداية المراهقة
تحتاج نقاشا مطولا, بعكس الأعمار الصغيرة التي يمكن
استعمال الترغيب بالقصص أو بالمكافأة كأسلوب تربوي
غالب, لكن في كل الأحوال فإن أقصر الطرق إلى قلب
الأبناء هي عندما نصغي إليهم فنشعرهم بحبنا لهم
واهتمامنا بهم, وبدورهم سيكتسبون منا ملكة الإصغاء,
وهي الملكة التي تحببهم إلى الناس, والمشكلة أننا
نادرا ما نتذكر أن الله قد خلق لنا أذنين ولسانا واحدا
لنصغي ضعف ما نتكلم, وأول من نخطئ معهم هم أقرب الناس
إلينا ألا وهم فلذات أكبادنا.
نشر في القافلة الأسبوعية / أرامكو
4/4/2006 |