الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) سيرة لا تستحق الكتابة
 
 
 

كتّاب السير الذاتية في عالمنا العربي قلة, والكتب التي قرأتها لمفكرين عرب يحكون قصة حياتهم لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة, وإذا قارنّا ذلك بما يجري في العالم الغربي من تنافس في كتابة أي تجربة شخصية أو أسرية أو اجتماعية لوجدنا الفارق عظيماً, ليس من حيث الكمّ فحسب بل من حيث الكيف أيضاً, فالإنسان الغربي بشكل عام يَنشأ على الصراحة وجرأة التعبير عن الرأي وشجاعة الاعتراف بالفشل وتقبّل الخسارة بروح رياضية, ناهيك عن رغبة بعض الغربيين في إفادة الناس من تجاربهم الشخصية وهو الأمر الذي يشكِّل دافعاً كبيراً لكتابة أي تجربة, يضاف إلى ذلك المنفعة المادية من مردود مبيعات الكتاب الذي قد يغني عن العمل في أواخر أيام الحياة.

أما في عالمنا العربي فإن انعدام أو قلة السير الذاتية مرجعها إلى الثقافة العامة التي يسودها جوّ من عدم الثقة في الآخرين الذي لم يعتادوا على تقبّل أخطاء غيرهم, وذلك بسبب انعدام تقبّل النفس بعد الوقوع في الخطأ, مع أن القدرة على تجاوز العثرة واستعادة التوازن تكمن في هذا التقبل؛ وعلى الطرف المقابل لقلة السير الذاتية للكبار في السن نجد اندفاع بعض الشباب لقصّ حكاياتهم الفردية, وقد يكون في بعض قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب, ولكن ضعف بعضها الآخر يبقى ثاوياً في عجزها عن الإحاطة بكل العوامل التي تكوٍّن الملحمة الحقيقة للتجربة؛ والسبب في هذا الضعف مردّه غالباً إلى أن روح الشباب لا تخلو من الجسارة ذات الوجه الآخر المتمثّل بالتهوّر, سواء أكان ذلك في خوض التجربة بحدّ ذاتها أو في التسرع بسردها قبل أن تنضج أبعاد الشخصية التي تمنح الشخص القدرة على التحليل بشكل موضوعي دون الوقوع في فخّ التحيز للذات وإلقاء التهم على الآخرين؛ وللأسف فإن ما يحصل غالباً هو أن يعزو كاتب السيرة الذاتية فشله إلى غيره لأنه لم يستطع الإحاطة بالظروف التي مرّوا بها سواء كانت ظروفاً نفسية أو اجتماعية, مع أن الموضوعية تتطلّب أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين قبل الحكم عليهم.

كثيرون يظنّون أن تجارب حياتهم تستحق السرد مع أن العكس هو الصحيح إذ تخلو مذكّراتهم مما يلفت الانتباه؛ وقد تابعت برنامجاً للأطفال فوجدته قد عبّر عن ذلك بطريقة كوميدية, إذ يتفّق أهل البلدة على أن يتبرّع كل واحد منهم بكتاب لإنشاء مكتبة, فيأتي كل منهم بما اختار, سوى شخصين أحدهما هو البقال الذي لا يملك أي كتاب فلا يجد ما يحضره إلا دفتر الحسابات, والآخر هو دمية على شكل طفل طائر يأتي بكتاب هو مجرّد غلاف, فيسأله أمين المكتبة عن هذا الكتاب الذي لا يحوي شيئاً, فيجيبه أنه يتبرّع بسيرته الذاتية للمكتبة حتى وإن كانت لا تحوي شيئاً؛ ولا أعلم إذا كان معدّ البرنامج يشير إلى نوع من الأدب يشبه دفتر البقال أو يومئ إلى بعض السير الذاتية التي تماثل يوميات الأطفال!

نشر في القافلة الأسبوعية/ أرامكو 28/11/2006

د. ليلى أحمد الأحدب

 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2006 تصميم وتطوير موقع الثريا |