الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) نبتة الأمل
 
 
 

عندما انتقلت للسكن في منزلي الجديد جاءت صديقتي العزيزة لزيارتي وهي تحمل ثلاثةً من نباتات الزينة الخضراء الطبيعية كهدية وذلك لمعرفتها بعشقي للطبيعة؛ ولكن فرحتي بالنباتات لم تكتمل إذ بدا أن الجو في منزلي لا يناسبها, وما إن مضى يومان حتى بدأت إحداها بالذبول رغم عنايتي الشديدة بها من حيث الماء والإضاءة والبرودة؛ فاتصلت بصديقتي طالبة منها أن تنقذ النبتة قبل أن تموت ففعلتْ وأرسلتْ من يعيدها, وبعد عدة أيام اتصلتُ بها لأطمئن على أحوالها وسألتها عن النبتة فبشّرتني أنها ونبتتها بأحسن حال؛ ثم ما هي إلا أيام حتى بدأت أوراق النبتة الثانية تصفَّر وتذوي واحدة تلو الأخرى, فاتصلت بصديقتي شارحة لها تأزم "الحالة الصحية" للنبتة, فوعدتني أن ترسل من يأخذها كسابقتها, وعندما تأخرت عن الوفاء بوعدها أخذ قلقي يزداد خشية أن تلفظ النبتة الجميلة أنفاسها الأخيرة.

أصبحت النبتة ذات شكل مشوّه لخلوّها من الأوراق التي تساقطت واحدة إثر واحدة؛ اللهم إلا ورقة كبيرة تشبّثت بالبقاء, ولولا هذه الورقة الوحيدة العجيبة لفقدتُ الأمل في قدرة النبتة على الاستمرار, وهو ما دفعني إلى المثابرة على منحها ما تستحقّه من العناية؛ ومضى شهر كامل على هذه الحالة كنت خلاله أتوقع أن تلحق هذه الورقة بأخواتها في أي وقت, ولكن ذلك لم يحصل, بل إن ما حدث كان مذهلا إذ ظهر ساق صغير بقرب الساق الأصلي, وبعدها بيوم أو يومين بزغ برعم في الساق الجديد ثم برعم في الاتجاه الآخر ليشكّل نبتة جديدة ملاصقة للنبتة الأم؛ ثم تبرعم رأس الساق الأصلي لتظهر أوراق صغيرة قرب الورقة الكبيرة التي بدت كأنها على استعداد لمواجهة مصير أخواتها بعد أن اطمأنت إلى أن هناك من يخلفها في مهمّة الحياة وإسعاد الناس.

مضى على هذه الحكاية الآن ثلاثة أشهر, كبرت الأوراق وتكاثرت الفروع آخذة شكلا أجمل من الشكل الأول الذي كانت عليه النبتة في أول عهدي بها, مما أوحى لي أن النبتة الجديدة أكثر تأقلماً مع جوّ البيت؛ وهو ما منحها مكانة خاصة لديّ تفوق مكانة النبتة الثالثة التي بقيت على حالها فلم تتعرّض للموت ولكنها أيضا لم تُبعث للحياة من جديد.

كثيرة هي الدلالات التي أستخلصها من قصة هذه النبتة الصامدة, ليس أوّلها أن الحياة تولد من رحم الموت, وليس آخرها أن التميز متأصّل في تحدي البقاء رغم كل أجواء الصعوبات المحيطة, وأما العبرة الفريدة فهي أن نبتة الأمل لا تعرف الذبول ما دامت جذورها ضاربة في أعماق النفس, فبالأمل وحده نحيا, وصدق من قال:(يخسر الإنسان عندما يفقد الأمل).

 

نشرت في القافلة الأسبوعية/ أرامكو

د. ليلى أحمد الأحدب

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2006 تصميم وتطوير موقع الثريا |