وصلتني رسالة من قارئة صغيرة بعمرها كبيرة بوعيها تطلب مني أن ألفت النظر
إلى أهمية القراءة في حياتنا, كان ذلك في رسالتها الأولى حيث أبدت صاحبتها
همة عالية جعلتها لا تبالي بتهامس زميلاتها في المدرسة حول حبها للمطالعة,
بل استطاعت أن تكسب بعضاً منهن ليشاركنها هوايتها؛ أما رسالتها الثانية مع
بداية العام الدراسي فقد كانت مثقلة بالإحباط بعد أن مرّت أمام مكتبة
المدرسة فوجدتها مقفلة, ولما سألت عن السبب علمت أن أمينة المكتبة في إجازة
طويلة, وقد أغلقت المكتبة في غيابها إلى أجل غير مسمى.
ذكّرتني رسالة هذه الفتاة المتضّمنة أهمية المكتبة في المدرسة بما قاله لي
ابني عن ضرورة وجود المكتبة في كل بيت بعد أن استغرب عدم وجودها في منزل
أحد أصدقائه؛ فللقراءة دور كبير في تكوين شخصية الإنسان لأنها إبحار في
عقول الآخرين وأفكارهم لا يكلِّف إلا القليل من المال, بل تكاد الكلفة تكون
معدومة في أيامنا هذه مع انتشار المعلومات على شبكة الانترنت؛ وإن كانت
الشبكة العنكبوتية لا تستطيع مجاراة الكتاب من حيث رائحته المميزة وملمسه
الأخاذ ومنظره البديع؛ لذا يمكن التنبؤ بعدم استطاعة الانترنت زحزحة الكتاب
عن موقعه في صدور محبيه على الأقل, وبذلك تبقى مقولة شاعرنا المتنبي (وخير
جليس في الأنام كتاب) صحيحة لدى كثيرين.
ربما تغني الانترنت عن الكتاب أحياناً أو غالباً, لكن يبقى الكتاب لا منافس
له في حلبة القرب من قلب محبّه؛ فأنت تستطيع أخذ الكمبيوتر المحمول إلى
السرير ويمكنك أن تضعه في حضنك خاصة أن اسمه بالانكليزية متعلّق بالحضن؛
لكنك لا تستطيع احتضانه – مجازاً- كما تفعل بالكتاب, وإن كنت أخشى أن يصبح
كلامي هذا مجرد زعم في المستقبل, خاصة مع ما أعلنه بعض الباحثين عن تحوّل
الصحف العالمية كلها إلى النمط الالكتروني واختفاء الشكل الورقي خلال بضعة
عقود قليلة.
على كل حال ليست أولوية السؤال بخصوص تنافس الورق والتكنولوجيا, لكن السؤال
المهم هو عن تنافس الكتاب - ورقياً كان أم الكترونياً - مع الوسائل
الإعلامية الأخرى لاسيّما المرئية منها, حيث أصبحت الصورة هي كل شيء
تقريباً, وخاصة في عالمنا العربي الذي يتميز أفراده – بشكل عام- بتأثّرهم
الشديد بما يرون أو يسمعون, أما القراءة فهي دائماً بحاجة إلى ملكة
المحاكمة العقلية التي لا تخضع للشعور الآني والتأثر الانفعالي؛ لذلك إذا
أردنا تكوين مجتمعٍ يعتمد على عقله أكثر مما يعتمد على عاطفته أو على الأقل
يستطيع أن يوازن بينهما فليس ثمة مفرّ من تحفيز الناس صغيرهم وكبيرهم على
القراءة بكل الوسائل الممكنة, شرط أن يكون طموحنا ليس وجود مكتبة في البيت
أو المدرسة فحسب, بل انتشار المكتبات العامة في كلّ المدن بدل تحوّلها إلى
مجمّعات للتسوق وأماكن للأكل والترفيه فقط.
نشرت في القافلة الأسبوعية / أرامكو السعودية
14/11/2006