الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) عندما تختلّ القدوة
 
 
 

كثير من تصرفات الأبوين بحاجة إلى المراقبة والانضباط بحكم أنهما قدوة لأولادهما, فالطفل يتعلّم بالتقليد والمحاكاة منذ نعومة أظفاره, ولا ريب أن التربية الأسرية هي التي عليها الاعتماد في تكوين الفرد بشخصية سوية, حيث أن التكوين الأساسي للشخصية يتم في المرحلة الأولى من الطفولة.

ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع هو مشهدان كلاهما في قمة التناقض إذ يتلبس الأب بشخصيتين في نفس الوقت أمام أولاده؛ فالمشهد الأول كان في الأيام الأخيرة من رمضان حيث يحرص كثير من الناس على أداء الصلوات في المسجد لكسب الأجر من صلاة الجماعة, وكنت عائدة من عملي بعد أذان العصر فأراد السائق أن يجتاز تقاطع أحد الشوارع الفرعية مع شارع فرعي آخر, وإذا بأحد المصلين في المسجد الكائن على إحدى زوايا التقاطع قد ترك سيارته في مركز التقاطع تماما مما جعلنا نتوقف عشرة دقائق تقريباً ريثما ينتهي صاحب السيارة من أداء صلاته, ولدى ركوبه لسيارته انتبهت أنه يصطحب ثلاثة من أطفاله معه, وبدت الابتسامة على وجوههم ربما بسبب مرافقتهم والدهم لأداء صلاة الجماعة إذ يشعر الطفل بسعادة عندما يُعتبر فرداً من مجموعة كبيرة كما في جماعة المصلين, ولكن المشكلة أن هذا الأب الذي يحسّ بسعادة أطفاله لم ينتبه إلى أنه ارتكب خطأ في حق المجتمع؛ وإلا فماذا يعني تأخير المارة الآخرين عشر دقائق عن بيوتهم بالنسبة له؟ وهكذا فإن هذا الأب الذي يبدو قدوة حسنة لأولاده في أداء الصلاة الجماعية ظهر لهم كقدوة سيئة بسبب عدم احترامه لحقوق الغير وأوقاتهم.

أما المشهد الآخر فقد حدث البارحة مع ابني الذي تأخر السائق عليه في المدرسة فتبّرع والد صديقه بأن يوصله بسيارته إلى منزلنا, ولأول وهلة قد يبدو للقارئ أن واجبي شكر ذلك الرجل لكن لا أعتقد أن رأيه سيكون كذلك إذا علم أن ابني لن يعيد تلك التجربة ثانية بسبب كمية الشتائم التي كالها ذلك الرجل للآخرين في الشارع, فأي قدوة يشكّل ذلك الرجل لولده إذ يساعد بعض الناس من جهة ولكنه يشتم بعضهم الآخر من جهة أخرى؟

إذاً القصتان متقاربتان بالمضمون والمعنى وإن اختلفتا بالشكل والمبنى, فالرجل الأول يقتصر الدين عنده على الشعائر, بدل أن يكون الدين هو المعاملة, وفي الحديث الشريف ما يأمره بإماطة الأذى عن الطريق لكنه استبدل ذلك بوضع سيارته في طريق الناس, بينما الرجل الثاني عامل ابني بالإحسان في الوقت الذي أساء إلى غيره من الناس؛ والعبرة في القصتين أن هذا التناقض لا يقتصر مردوده الوخيم على الأب فحسب بل يتجاوزه إلى الأبناء الذين لا يستطيعون تفسير هذا التناقض بحكم سنّهم الصغيرة لكنهم قد يستطيعون تبرير كثير من التناقضات التي سيقومون بها مستقبلا ما داموا لن يجدوها مختلفة عما نشؤوا عليه وإن تنوعت صورها في كل مكان وزمان.

ليلى أحمد الأحدب

نشرت في القافلة الأسبوعية/ أرامكو السعودية بتاريخ 7/11/2006

 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |