الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (عالم بلا نساء) هل تنحرف المرأة المعلقة؟
 
 
 

لم يترك ديننا الحنيف صغيرة ولا كبيرة في أمور الزواج والطلاق إلا أوضحها ونظمها, وهناك سور كاملة بأسماء تدل على اهتمام الشارع الحكيم بتنظيم علاقات الأزواج بعضها ببعض مثل سورة (النساء، والطلاق، والتحريم، والمجادلة), وهذا يدلُّ بالتأكيد على مدى أهمية العلاقة بين الأزواج لتكون أساساً لتوثيق عرى أسرية متينة, وما ذلك إلا لأن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع. وإذا كان الشرع يحض على الزواج فإنه لا ينكر أن هذا الزواج قد توجد ظروف تمنع من استمراره، وقد تتغير نفسية أحد الزوجين أو كلاهما، وقد يفضل أحدهما مصلحته الشخصية على مصلحة الأسرة إلى غير ذلك من الأسباب التي جعلت الطلاق مشروعاً سواء بصدوره عن الزوج أو بطلبه من الزوجة، وهو الخلع, أو حتى باشتراط المرأة في عقد الزواج أن تكون العصمة بيدها فتستطيع فك الارتباط الزوجي متى شاءت مثلها مثل الرجل. وكل هذه الأشكال أباحها الشرع لما فيها من مصلحة عامة وشخصية، أما ما حرمه الشرع فهو الظلم كما في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» وأكبر ظلم يقع على الزوجة هو حين يفارقها زوجها إلى امرأة أخرى ثم يتركها دون أن يطلقها، وذلك كي يحرمها حقها في المهر والنفقة، أو كي يمنعها من الزواج بآخر، أو كي يحيل حياتها إلى جحيم وفقر وذل.

وقد حرم الشرع عضل الزوجة أي عدم طلاقها، وعدم معاشرتها فقال سبحانه:}ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة, وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا{[النساء4/19].

 وقال جلّ مِن قائل:}وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف, ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا, ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه, ولا تتخذوا آيات الله هزوا{[البقرة2/213].

 فالآية الأولى تبين أن سبب العضل هو عدم أداء المهر أو ما يسمى مؤخر الصداق, والآية الأخرى تشير إلى هذا الأمر على أنه اعتداء على الآخرين وظلم للنفس واستهزاء بآيات الله.

 وأما سورة المجادلة فقد قصَّت حكاية إحدى الصحابيات التي ظاهرها زوجها فقال لها:« أنتِ حرامٌ عليَّ كظهرِ أُمِّي», وهذا الأمر كان متعارفاً عليه في الجاهلية فحرمه الإسلام بصورة كاملة, لكن العَضْل أبشع من الظهار وأسوأ, لأن الظهار يمنع المرأة من حقها الجنسي فقط، أما العَضْل كما نشهده الآن فهو حرمان لها من حقوقها كافة بما فيها النفقة والجماع والسفر والتنقل, ولذلك فإن العَضْل عبث بالشريعة واستخفاف بها، وتضييع لحقوق الزوجة والأولاد، وإجرام بحق المجتمع.

أما انحراف الزوجة المعلقة فهو وارد لأسباب كثيرة منها ما يعود إلى صفات نفسية قد توجد في المرأة المطلّقة والمعلّقة، كاستسهال الحرام، وضعف الوازع الديني، وعدم الثقة بالنفس من حيث القدرة على العمل الشريف، وكذلك من حيث الاستقلال المادي أو المعنوي عن الرجل , ومنها عوامل اجتماعية تشترك فيها المطلقة والمعلقة أيضاً مثل:

 1- رفضها من قبل أهلها أو رفض أولادها، فيقبل بعض الأهل بناتهم لكن بشرط أن ترمي فلذات كبدها لزوجها الظالم, وذلك إما لعدم قدرة أهلها على الإنفاق على الأطفال، أو لعدم انتسابهم إليهم كما يقول الشاعر الجاهلي:

بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا               بنوهُنّ أبناءُ الرِّجال الأباعدِ

 2- تعييرها بحالتها من قبل المجتمع كالجارات والصديقات.

3- حاجتها للمال كي تنفق على نفسها وعلى أولادها في حالة تخلي الزوج والأهل عنها وعدم وجود مورد مالي خاص بها.

4- رغبتها الجنسية وحاجتها إلى الإشباع الجنسي.

5- رغبة بالانتقام من الزوج الظالم، ولو عن طريق تدنيس جسدها بعلاقة جنسية محرمة.

6- رغبة بالانتقام من المجتمع الظالم الذي يرى القشة في عين المرأة، ولا يرى الجمل في عين الرجل.

ليست هذه الأمور مبرراً للمرأة المعلقة أو غيرها كي تنحرف، لكنها نظرة واقعية لما يحصل, والمثل العربي يقول:(تجوع الحُرَّة ولا تأكلُ بثدييها) ونحن نريد أن تبقى القيم الأخلاقية المستمدة من الشريعة الغراء هي الحاكمة، وليس قيم الجاهلية التي تظلم المرأة دائماً بينما ينجو الرجل بجلده حتى لو كان هو الظالم المسيء المعتدي.

كلمة أخيرة في هذا الشأن أستمدها من حديث للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام القائل:«ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم», فإذا كان قد أخبرنا في حديث آخر:« أن امرأة دخلت النار في قطة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»؛ فما عاقبة الرجل الذي يحبس المرأة فلا يعاشرها بالمعروف ولا يفارقها بإحسان؟ وهل المرأة قطة حتى نترك بعض الرجال لهواهم الشخصي ومزاجهم الأرعن أو أن علينا إيجاد كافة السبل الرادعة أخلاقياً واجتماعياً وقانونياً للضرب على أيديهم وجعلهم عبرة لكل متهاون في دينه وفاسد في مروءته؟

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |