الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) حين تخلو البيوت من الحب..
 
 
 

أزمات كثيرة تلك التي تنجم عن افتقاد الحوار, ولذلك كان لا بد أن يتحاور المجتمع بكافة شرائحه وفئاته وطوائفه, ولا تخفى على أحد الجهود التي يبذلها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بغية إعلاء ثقافة الحوار في مجتمع تختلف فيه التوجهات الفكرية وتتنوع المصادر المعرفية وتتناثر فيه ألوان الطيف كلها ولو بتواتر أقل وضوحاً من الأبيض الناصع والأسود الحالك.

لكن هل يمكن أن تتغير ثقافة المجتمع دون أن تتطور أساليب التربية وأنماط العادات والسلوك؟ إن المكان الأساسي لتشكل شخصية الفرد هو حضن الأسرة, وعلاقة الأبوين تنعكس على نفسية الطفل إيجاباً وسلباً, فالمحبة والتفاهم قابلين للانتشار والتشرب كما أن البغض والخصام عرضة للعدوى والتسرب, ومن علاقات الزوجين المتوازنة عقلاً وعاطفةً تنشأ الأسرة المستقرة التي هي نواة المجتمع الأولى.

بعيداً عن النظرة المتشائمة حالكة السواد والتي تكون فيها شخصية أحد الوالدين – غالبا الأب - طاغيةً مهيمنةً مسيطرةً فإن السؤال الذي يُطرح حول أسرة لا يتحاور فيها الزوجان: هل يؤثّر هذا على نشأة سوية للطفل؟ لكن الإجابة على هذا السؤال تمرّ عبر سؤال آخر: ما الدليل على أن الزوجين متفاهمان متحابان؟ والجواب: ليس صمتهما بالتأكيد؛ فالحكمة تقول: (تكلّم لأعرفك), ومع أن مقولة: (من القلب إلى القلب رسول) صحيحة فإنه كثيراً ما تختل المعايير بسبب الشدائد, وإذا كان بوسع حبيبين أن يقضيا عمرهما كله بدون لغة سوى لغة الحب فإن الزواج مسؤولية تعتريها شدائد كثيرة يهوّن من عنائها عبق الحب إذ يوجد من يخفف ببسمة ويعطف بنظرة ويواسي بكلمة, لكن أليست البسمة والنظرة والكلمة كلها لغات يمكن إتقانها وتعلّمها؟ يقول ستيفن كوفي:(الحب "الشعور" هو ثمرة للحب "الفعل". إن الحب قيمة يتم تجسيدها عبر أفعال تتسم بالمحبة. إن الأشخاص ذوي روح المبادرة يُخضعون المشاعر للقيم. الحب الشعور شيء يمكن استعادته).

إن شعور الطفل بمحبة الأبوين لبعضهما وليس محبتهما له فقط يزيد من إحساسه بالأمان, والتربية المفعمة بالحب تسير سيراً طبيعياً عفوياً دون جهود خاصة, وأكثر ما نحتاجه هو من يفهمنا ويقدرنا ويستمع إلينا بتعاطف وودّ؛ لكن في نفس الوقت يجب أن نفعل للآخرين ما نرغب أن يفعلوه لأجلنا, وهو ما ينساه أحد الزوجين أو كلاهما, وعند حصول أي فشل في الزواج فغالباً ما يتحمل الطرفان مسؤولية هذا الفشل الذي يتبدى بالطلاق العاطفي حين تخلو البيوت من الحب فيفرّ الزوج إلى أصدقائه أو تندب الزوجة حظها لزواجها من رجل لا يصغي لها أو يشكو الرجل من حديث زوجته المملّ أو يُسِّر لامرأة غير زوجته أنه يريد زوجةً تكون صديقةً تفهمه وتحاوره, وإذا سُئل: ولماذا لم يحدّد ماذا يريد قبل أن يتزوج؟ تبرق الإجابة بإشارات استفهام: كيف؟ وأين؟ ومتى؟ وأخطر الأسئلة: وهل يمكن التصريح بهذا وثقافة المجتمع لا تسوِّغ للرجل هذه "الخطيئة" فالنساء ناقصات عقل, ومن جالس النساء وحاورهن نقص عقله وزاد سقطه!

القافلة الأسبوعية - أرامكو

ليلى أحمد الأحدب

كاتبة وطبيبة ومستشارة اجتماعية

 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |