|
عندما أفكر في كل الأدوات والآلات التي أراها حولي في المنزل وفي العمل ينتابني
شعوران متناقضان: شعور بالإعجاب حدّ الانبهار بتلك العقول التي صنعت هذه الوسائل
لتجعل حياتنا أكثر راحة وأسرع إنجازا وأسهل تناولا؛ لكن ما إن أتذكر أنه ليس لبني
قومي أي فضل أو دور في تصنيعها فما هم إلا متطفلين على الحضارة الغربية ومنتجاتها
حتى يراودني الشعور الآخر وهو إحساس عارم بالحزن لحالنا, فقد استسلمنا لهذا التطفل
في دعة وراحة بال, وباتت ذروة طموح أحدنا أن يكون له من استخدام وسائل التكنولوجيا
الحديثة نصيب فلا يتفوق زميله عليه بالقدرة على امتلاكها واستعمالها ولا تتباهى
الجارة على جارتها بما غصّ به منزلها من هذه الأدوات؛ وإذا تجاوزنا الأفراد
المستهلكين لنصل إلى التجار المستوردين فإن أكثر ما تسعى إليه غالبيتهم هو بقاء
الحال على ما هو عليه كي تستمر تجارتهم وتزدهر, ولو أنصفوا في تطلعاتهم وجعلوا
الإيثار لا الأثرة رائدهم لقدحوا أذهانهم في كيفية الاستثمار في صناعة هذه الآلات
مما يسهم في تقليل نسبة البطالة في بلادهم من جهة ويزيد أرباحهم على المدى الطويل
من جهة أخرى.
الأغنياء بدؤوا منذ فترة قريبة باستثمار أموالهم في
التعليم الأهلي ومنه التعليم الغربي, ولا مجال
للمقارنة بين مناهج التعليم العام والتعليم الأجنبي من
حيث مسايرة الأخيرة للتطور المعرفي والعلوم العصرية
وفتحها آفاق البحث أمام الطالب وتحفيزها للذهنية
التساؤلية باستمرار وهي الذهنية التي تؤهل الفرد ليكون
مبدعاً منتجاً في مجتمعه لا متّكلا على غيره ولا
مقلّدا لسواه؛ لكن ما يؤخذ على المناهج الأجنبية أنها
تتبع الفلسفة الغربية التي تنكر وجود الفروق بين الذكر
والأنثى, بينما مناهجنا تكرّس هذه الفروق لدرجة تطغى
على المصلحة من وجودها, فالاختلاف بين الجنسين مفيد في
التكامل وليس كما تظن الحركات النسوية الغربية التي
تنظر إليه على أنه أداة للتصارع, ولا كما هي نظرة
مجتمعاتنا التقليدية التي لا ترى من هذا الاختلاف إلا
استعلاء الذكر ودونية الأنثى.
وبما أن حديثنا عن مناهج التعليم الغربية وكيف تعزف
على وتر إلغاء الفروق بين الذكر والأنثى فإن المثال
الذي يحسن ذكره هنا هو درس في القراءة للصف الثالث
الابتدائي إذ تتباهى فتاة أمام زميلها بأنها تعرف كل
ما يعرفه, ومن ذاك أنها تعرف أسماء لاعبي كرة البيسبول
المشهورين وتحتفظ بصورهم, ومن ذلك أنها تستطيع أن تقود
الدراجة الهوائية بيد واحدة أو بدون الاستعانة باليدين
مطلقاً؛ ومغزى الدرس المباشر هو منح الفتاة ثقتها
بنفسها, ولكن طريقة عرض الدرس ربما تمنح معنى غير
مباشر هو تعزيز المفهوم الخاطئ بأن التماثل هو أساس
العلاقة بين الذكر والأنثى لا التغاير وهذا التماثل
يعني بالضرورة وجود التنافس, وهو في الحقيقة عكس فطرة
الله, فالله سبحانه يقول:(وليس الذكر كالأنثى) مما
يعني أنهما مختلفان لا متماثلان ولا أحدهما أفضل من
الآخر وذلك ليكمل كل جنس الجنس الآخر فتبقى الحياة
وتستمر.
إذاً هذا الاختلاف في الهوية الجنسية يؤدي إلى تنميط
اجتماعي ضروري لتكامل أدوار الجنسين مستقبلا كأب وأم,
لكن إهمال توكيدها في نفوس الناشئة في الغرب أدى إلى
تكون جنس ثالث يزداد عدده يوما بعد يوم, وهو الأمر
الذي يرفع نسبة الميول المثلية الجنسية في المجتمع,
وحتى إذا لم يؤثر على الطبيعة الجنسية للشخص فإنه
سيؤثر على دوره الاجتماعي, فتختلط الأدوار في مؤسسة
الأسرة, إذ تصبح المرأة مكلفة بالعمل والإنفاق مثلها
مثل الرجل, وقد تتخلى عن دورها الفطري المقدس في
الأمومة للأب الذي يقوم بدور جليس الأطفال, وهو ما
يعاكس فطرة الذكر الذي لا يعشق قيمة في الحياة كقيمة
الحرية, وكما يقول عالم النفس تيودور رايك:(إن الرجل
بطبيعته يكره أن يكون مقيداً ببلاهة إلى شيء ما), ولا
يعني هذا الكلام عدم وجود بعض الأشخاص – ذكورا أو
إناثا - الذين يحسنون لعب الدورين, لكنهم الاستثناء من
القاعدة, والاستثناء لا يقاس عليه, ومثلهم كاستثناء
أيضاً ذاك الذي يستطيع لعب دور الشريك الآخر دون دوره
الأصلي, ولله في خلقه شؤون.
مما يزيد الطين بلة في الغرب هو وجود المدارس
المختلطة, وهو أمر قد لا يكون له آثار سيئة إذا اقتصر
وجود الجنسين معاً في قاعة الدرس وفي المدارس
الابتدائية فقط, لكنه عندما يمتد لدروس الرياضة
والفنون فإنه ينعكس بتأثيرات مشوهة على فطرة الاختلاف
بين الجنسين, فالفتاة عندما تعتاد التعامل مع الفتى
كأنها مثله فسوف تأخذ منه الطبيعة الخشنة بل والفظة
أحياناً وستتنكّر لطبيعتها اللطيفة, بينما سيسرق هو
منها طبيعتها في النعومة, ولا غروَ أن يقول أهل
الأمثال:(الطبع يسرق من الطبع شيئاً فشيئاً), وإذا بنا
أمام فتيات مسترجلات وفتيان مخنثين, وقد كان مما يعيبه
الأمريكيون الأوائل على بعضهم بعضاً وجود رجال بشعور
طويلة ووجود نساء ذوات شعر قصير, وسبب هذا الاستنكار
أن هذه المظاهر الخارجية تنعكس رويدا رويدا على
الداخل, فيتكوّن جنس ثالث يتعذّر تصنيفه اجتماعياً,
أما الآن فقد غاب هذا الاستنكار الفطري لصالح تقبل
الآخر المختلف حتى لو كان شاذاً عن الفطرة.
هذه الفروق بين الذكر والأنثى لم تغب من المجتمعات
الغربية تماماً, لكن النزعة باتجاه تغييبها تسارع
تواترها مع ارتفاع أصوات دعاة النسوية وبما أن أكثرهم
من النساء فقد سيطر مصطلح "الجندر" على أنه النوع
البشري فيختفي جنس الشخص وهو المقصود من الكلمة لغوياً
وطبياً لتقسيم الناس حسب جنسهم, لأن هذا التقسيم ضروري
من أجل المحافظة على البعد الأسري والذي يعتمد على دور
المرأة الأساسي كأم, إذ لا توجد أسرة حقيقية بدون
أبوين من جنسين مختلفين, عكس الصيحات المضادة للفطرة
والتي يعلو ضجيجها في المجتمعات الغربية مؤكدة على
حقوق الشواذ في الزواج وتكوين الأسرة على أساس جنس
واحد, والحل المطروح لعدم الإنجاب في تلك الأسر
المشوهة هو إما تبني الأطفال أو الاعتناء بحيوان أليف
(pet)
أو الاستنساخ وهو حل مستقبلي مطروح للنقاش خاصة أنه
وبالنسبة لدعاة النسوية يثبت تفوق الأنثى التي تحمل
بويضتها إمكانية التكاثر عكس الذكر الذي لا يمكنه
إجراء الاستنساخ بعيداً عن الاستعانة بأنثى تتبرع
ببويضتها التي يتم إفراغها من محتواها لتحمل محتوى
إحدى خلاياه الجسدية.
رغم هذا السوء فإنه مما يحسب للغرب اعترافه بمشكلاته
والسعي إلى إيجاد حلول لها, ومن ذلك دعوة بعض الدول
الغربية وعلى رأسها أمريكا إلى فصل البنات عن البنين
في المدارس بسبب تفشي بعض الظواهر السيئة وخاصة في
المرحلتين الإعدادية والثانوية حيث أن حمل المراهقات
يلقي ظلالا مخيفة على المجتمع الغربي, فهو يعتبر حملا
عالي الخطورة من الناحية الصحية كما أن وجود طفل دون
أب هو بمثابة عبء ثقيل على مستقبل المراهقة فتسعى
للتخلص من هذا الحمل غير المرغوب إما عن طريق الإجهاض
غير الآمن أو بالحل الذي يحمل وبالاً أشد, أعني
الانتحار خاصة إذا كانت العلاقات الجنسية خارج الزواج
محرمة في إطار ديانة الأسرة التي تنتمي إليها
المراهقة؛ وفي أحسن الأحوال يبقى الطفل مع "الأم
العازبة" وهو مسمى غربي بالتأكيد لكنه – للأسف - بدأ
ينتشر حتى وصل إلى بعض مجتمعاتنا العربية, لذا سمعنا
بوزارة في بلد عربي تخصص معونات للأم العازبة تفوق
بعشرة أضعاف ما تخصصه للمرأة المطلقة, مما جعل فقهاء
ذلك البلد يعترضون على القرار حيث أنه يشجع ضمناً على
إنشاء علاقات غير شرعية, ما دام الابن غير الشرعي يلقى
من الحفاوة ما لا يلقاه الابن ذو النسب المعروف.
هذا المثال الأخير الذي أتيت به عن مجتمعاتنا العربية
هي كي أوضح أن كلامي حول مشكلات المجتمعات الغربية
فيما يتعلق بالذكر والأنثى لا يعني أننا بدون مشكلات
بل على العكس لقد أضفنا لمشكلاتنا الناجمة عن
الاستغراق في التقليد مشكلات أخرى ناجمة عن الافتتان
بالتغريب, ومع ذلك فإننا كثيرا ما نسوّغ لأنفسنا أن
تأخذ السيئ من حضارة الغرب وهو كمن يضع قدمه في
المنحدر فلا يدري في أي مرحلة ستكون الهاوية, وذلك
بدلا من أن نختار الأفضل من ثمارها كالتقدم العلمي
الذي يصعد بنا إلى مصاف الأمم المتطورة.
نشر في مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة التربية
والتعليم في المملكة العربية السعودية
عدد شوال 1427 |