الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) ما هي واحتك في صحراء الحياة؟
 
 
 

تفرض الحياة المعاصرة علينا نوعاً من الانغماس الشديد فيها, إما لطول فترة الدوام التي تتطلبها بعض المهن أو لكثافة الانشغالات المتنوعة أو للتكسب من الأعمال المختلفة أو لأن الحياة أصبحت تلاحقنا بوسائل حديثة وإغراءات جديدة؛ وأغلبنا لا يريد أن يعيش خارج عجلة الدنيا السائرة فنحن أولاد الحياة ومن حقها علينا أن نحياها بكل زخمها, لكن أيضاً من حقنا على أنفسنا أن نعود بين الفينة والأخرى إلى ذواتنا, فعندما نجد أننا مرهقين بمتطلبات الحياة الدنيا أو غارقين بملذاتها فإنه من المفيد أن نسعى لنفض غبار هذا الإرهاق أو لانتشال أنفسنا من ذلك الغرق, كلٌّ حسب ما يفضل ويهوى؛ فمنا من يسترخي لوحده أمام التلفاز - إذا استطاع أن يهرب من نشرات الأخبار الصاعقة - وآخر يجول في عالم الشبكة العنكبوتية منفرداً, بينما ثالث لا يزال يرى أن خير جليس في الأنام كتاب, ورابع يأوي إلى صديق أو حبيب, وخامس تحلو له الخلوة إلى نفسه لممارسة هوايته في الرسم أو العزف, وسادس تقتصر مناجاته الروحية على عبوديته للخالق فلا يجد ملاذاً له سوى بالقرب منه والابتهال إليه.

هذه العزلة وإن اختلفت مظاهرها من إنسان لآخر, فهي أشبه بالواحة في الصحراء, مع أنه من البديهي أن حياتنا ليست بذلك الجفاف لكنها أيضاً ليست بذلك الغنى إن لم ننوّع الاحتفاء بها سواء كنا متوحدين أو مجتمعين؛ والتوحّد – الذي لا يعني دائما الوحدة فقد يكون توحداً بشخص أو بمثل أعلى - أو الاعتزال مفيد للتطور العقلي وقد يكون مساعداً على الارتقاء النفسي؛ ولا ينفي هذا الكلام وجود بعض الأشخاص الذين لا يستطيعون البقاء مع أنفسهم لفترة تطول أو تقصر, حتى لو كان لمجرد مراقبة شخوص المسلسلات التلفزيونية, وذلك لرغبتهم المسيطرة أن يكون برفقتهم من يثرثرون معه ويؤنس وحدتهم, وهذه الفئة – برأيي - تستحق الشفقة لأن أصحابها برغم كل ما يبدو عليهم من اجتماعية وبعدٍ عن الانعزالية فإنهم أقل الناس إدراكاً لأخطائهم وتبصراً بأنفسهم, وبالتالي فهم أقل الناس تطوراً, لأن التطور لا يكون إلا عندما ينفرد المرء بنفسه ملاحظاً عيوبها معترفاً بأخطائها, ولا بد أن سؤالا يخطر على بال بعض القراء هو: هل تتيح المسلسلات التلفزيونية لو كنا نشاهدها بدون ثرثرة مع أحد أي خاصية للتطور؟ والجواب: إلى حدٍّ ما نعم, مثلها مثل رشف المعارف المختلفة من الكتب, وعلى الرغم من السخافات التي تعرضها القنوات التلفزيونية في أغلب الأوقات فإن الأمر لا يخلو من فكرة هامة أو لقطة مؤثرة, يقارن فيها المشاهد – خاصة إذا ما كان قليل التجربة الواقعية – بين ما يراه على التلفاز وبين حياته الخاصة, فقد يساعده المشهد على تجاوز أزمة أو يمنحه بصيص ضوءٍ لحلّ مشكلة مماثلة؛ ومع ذلك فإن الصوت والصورة لا يشكلان عازلاً كافياً للتطور بل كثيراً ما تفرض الفضائيات ضجيجاً مساوياً لصخب الحياة الواقعية؛ لذلك دعونا من الاسترخاء أمام التلفاز لنتأمل في أنفسنا بحثاً عن واحاتنا المفضلة في صحاري حياتنا المليئة برمال متحركة تغوص فيها أقدامنا.

واحة الكتاب:

وقد تشترك معها واحة الانترنت إذا اعتمدناها كمرجع للقراءة, ولكن يبقى للكتاب طعمه المختلف خاصةً لمن ألف رائحة الورق وملمسه, ومن خلال الكتاب تزيد مداركنا وتنمو عقولنا وتتنوع معارفنا, فليس أجمل من أن تبحر في أفكار كتاب مرموق لتحقق فتحاً معرفياً أو تحرز غنى داخلياً, وليست التسلية هي دائماً مقصدنا من القراءة وإن كانت هدفاً مشروعاً بحدّ ذاته, لكن المعرفة هي أكبر غاياتنا من وراء مطالعة الكتب, والفضول المعرفي يقودنا إلى اكتشاف كنوز غنية من أفكار الآخرين وخبراتهم, وفي مقالة بعنوان "مديح المعرفة" يكتب الفيلسوف البريطاني فرنسيس بيكون:(سأقدم مديحي للعقل نفسه, العقل هو الإنسان, وليس الإنسان إلا ما يعرف. أليست لذائذ العاطفة والحب أقوى من لذائذ الحواس؟ أليست لذائذ العقل أعظم من لذائذ الحب؟ أليس حقا أننا لا نشبع من لذة البحث عن الحقيقة؟ وإن المعرفة وحدها تنقي العقل من جميع أنواع التهيج والاضطراب. كم من الأشياء موجودة ولا نتصور وجودها! وكم من الأشياء تنال تقديرنا أكثر من قيمتها وقدرها! هذه التطورات والتخيلات التي لا طائل تحتها وهذه الآراء والأفكار والقيم الضعيفة التي ستكون سحبا للأخطاء التي ستتحول إلى عواصف من الاضطرابات والهياج. هل هناك سعادة كسعادة انتشال العقل من فوضى الأشياء واضطرابها؟).

واحة الحب الإنساني:

هذا النص الذي نقلته لفيلسوف التنوير بيكون يجعله أشبه ما يقرر رأيه على أنه حقيقة, ولكن للناس فيما يعشقون مذاهب, فهناك من يجد واحته بين الكتب ولكن هناك من لا يجدها إلا في قرب من يحب, والمشكلة أننا بمجرد أن نذكر الحب فإن ما يقتحم أذهاننا هو الحب بين الجنسين نسياناً منا أن لكل نوع من أنواع الحب الإنساني مذاقه المتفرد, فعندما نكون أطفالا فإننا نتوحد في أمهاتنا ونخفي وجوهنا في صدورهن لنبحث عن الأمان, وتبقى علاقة الأم بابنها - أو ابنتها- في كثير من الحالات سراً من الأسرار العميقة التي لا يمكن سبر أغوارها, وقد يكون للأب أحياناً هذه المكانة المميزة؛ وبما أني ذكرت إمكانية التعلم من الأفلام والمسلسلات, فهذا مثال شخصي على ذلك أستقيه من فيلم أمريكي رأيته منذ سنين يقول فيه أحد الآباء لابنته:(بعض الرجال لا يصلحون أن يكونوا آباء) كان ذلك في معرض مساءلته لها لماذا جاءت تبحث عنه بعد أن توّفت والدتها التي هجرها بمجرد أن ألقى نطفته في رحمها, وقد تعلمت أنا شخصياً من تلك العبارة أن بعض النساء – أيضاً- لا يصلحن أن يكنّ أمهات. أما حبنا لأولادنا فقد يكون واحتنا المنشودة كما قال الشاعر:
وأطيب ساعٍ في الحياة لديّا.... عشية أخلو إلى ولديّا

ومن الحب الإنساني نوع فريد هو الصداقة التي إذا استمدت كينونتها من الصدق فإنها علاقة راسخة على الدوام وهي كنز نادر في هذه الأيام, وكما دبّج بيكون كلمات في مديح المعرفة فعل ذلك ميخائيل نعيمة في سيرته الذاتية "سبعون" مع الصداقة, ومما ذكره:(الصديق هو الذي تتضخّم في عينه محاسنك, وتتقلص معايبك, والذي لا يحسدك إذا كنت أغنى منه في أي ناحية من النواحي, بل يتمنى لك المزيد, ولا يكبُر عليك إذا كان أغنى منك, بل يجعلك تشعر كما لو كنت أنت الغني وهو الفقير). أما العلاقة الأكثر فرادة فهي الحب الحقيقي, وهو كالصداقة جوهر نادر, إذ لطالما اختلط بالمصلحة أو بالشهوة, وحالما انقضت المصلحة أو أُشبعت الرغبة تبخر الحب وبقي أحد الطرفين يعض أصابعه ندماً على خضوعه لقلبه الذي أورده المهالك؛ وفي ذلك يقول ميخائيل نعيمة:(وإذا رأيت معظم الناس يتزاوجون اعتقاداً منهم أنهم مدفوعون بالحب ثم يقعون في التهالك والأوجاع الكثيرة, فاعلم أنهم طردوا الحب من قلوبهم بإدخالهم عليه شهوات لا تأتلف وإياه, وروح الحب هو نكران النفس من أجل الغير أو توسيع النفس إلى حد أن تراها في ما سواها). وهذا الشعور "الحب" قديم قدم الحضارة الإنسانية فإن لم يعرفه الرجل البدائي – كما تدل الحفريات الأركيولوجية – فإنه كان معروفاً لدى أهل الحضارات جميعها, وفي الجزء الثاني من "قصة الحضارة" نقرأ نصاً عاطفياً يعود للعصر الفرعوني يدلّ على أن واحة كاتب النص لم تكن إلا قربه من محبوبته :(إن غرام حبيبتي يقفز على شاطئ الغدير.. وفي الظلام تمساح رابض.. ولكنني أنزل إلى الماء وأواجه الأمواج.. لأن حبها يملأ قلبي قوة.. فهي لي كتاب من الرقى والتعاويذ.. وإذا رأيت حبيبتي مقبلة ابتهج لمرآها قلبي.. وفتحت ذراعيّ ومددتهما لأضمها إلى صدري.. وينشرح قلبي أبد الدهر لأن حبيبتي قد أقبلت.. فإذا ما ضممتها كنت كمن في أرض البخور.. وكمن يحمل العطور.. وإذا قبّلتها انفرجت شفتاها وسكرتُ من غير خمر).

واحة الفن:

وتبقى نظرة العربي المسلم للفن أقرب للتحريم مع أن الفن ما هو إلا الأثر الذي يتركه الجمال في نفوسنا وأسلوب تعبيرنا عن هذا التأثير لنؤثر بدورنا على الآخرين؛ ومن الذي أفتى بحرمة الاستمتاع بالجمال الطبيعي؟ قال تعالى:(قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟)؛ وعلى نفس المنوال تقرر آيات قرآنية أخرى أن للجمال أهميته في إسعاد الإنسان وإدخال البهجة إليه ففي وصف البساتين والجنان قال تعالى: (حدائق ذات بهجة), وفي وصف الأنعام بيّن القرآن أنها ليست فقط للفائدة بل هي أيضاً للمتعة الجمالية الحسية:(ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون)؛ وعلى كل حال فإن الفنان الذي يخلو بنفسه ليعبر بالرسم عن إحساسه المفعم بالجمال هو إنسان مبدع إذا استطاع نقل إحساسه إلينا, وما يقال عن الرسم يقال عن الشعر والغناء والموسيقى, وبعض الأحاديث النبوية تختص بالذوق والإحساس لترتقي بهما؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها زفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله:((يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو)) وفي رواية: فقال رسول الله لها:((فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟)) فقالت عائشة: تقول ماذا؟ قال:

أتيناكم أتيناكم فحيانا وحيـاكم

ولولا الذهب الأحمر ما حلّت بواديكم

ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم

ثم قال: أدركيها يا زينب وهي امرأة كانت تغني بالمدينة.

وصباح هذا اليوم الذي أخطّ فيه سطوري للقارئ كنت أمارس رياضتي الصباحية قرب النافذة فجذب انتباهي منظر حمامة تختفي في كوة منزل أعلى من منزلي, ثم تظهر ذيلها ثم تختفي فلا أسمع إلا هديلها وهي تسبح الله ككل مخلوقاته, ثم يعلو صوت فيروز من منزل مجاور بأغنية قديمة:

سائليني حين عطرتُ السلام كيف غار الورد واعتلّ الخزام

وأنا لو رحتُ أسترضي الشذا لانثنى لبنان عطراً يا شآم

ضفّتاك ارتاحتا في خاطري واحتمى طيرك في الظنّ وحام

نقرة في الزهر أم عندلة أنت في الصحو تصفيق يمام

أهلكُ التاريخ من فُضلتهم ذِكرهم في عروة الدهر وِسام

ولا تستطيع ذهنية التحريم أن تطال أغنية رائعة كهذه الأغنية التي تمور بحب الوطن, فقد تغنى بلال بمكة المكرمة حتى قال له النبي عليه الصلاة والسلام تأثراً:( يا بلال دع القلوب تقرّ)؛ وهنا لا بد من الإشادة بقرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بتعليم رقصة العرضة السعودية للطلاب في المدارس وهي فولكلور سعودي أصيل وبهي وجميل, وإن كانت تختص بمنطقة معينة فلكل منطقة فولكلورها المميز الذي يدل على ثقافة متأصلة ينبغي تعريف الطلاب بها لربطهم بتاريخهم وحضارتهم وفنونها المختلفة كحماية لهم من الذوبان في الثقافات الأخرى دون أن يعني ذلك التقوقع في كهوف التاريخ.

واحة الحب الإلهي:

وهنا تلوح في مخيلتنا قصص عن رابعة العدوية وابن الفارض والسهروردي وغيرهم من الذين ثملوا بمحبة الله فأشغلتهم عن كل شيء, ولا شك أن في قصصهم عبرة لكنها أيضا لا تخلو من بعض مبالغة, مثل قصة فضيل بن عياض وهو المعروف بورعه وزهده إذ قبّل ابناً صغيراً له فسألته ابنته: أتحبه؟ فقال: نعم, فقالت: الرحمة للأولاد والحب لله, فقال: غلبني أولادي, يقصد أن ابنته صححت له اختلاط مفاهيمه بين الحب والرحمة, وهذا ليس مبالغة وحسب بل هو عدم تفريق بين الشعور بالمحبة لفلذة الكبد أو لأي نعمة أخرى من نعم الله وبين الشعور بالمحبة الغامرة لله, فكله يسمى حباً وقد سئل رسول الله عن أحب الناس إليه فقال: عائشة, فقيل: من الرجال؟ فقال: أبوها؛ ولم يقل أن المحبة لا تكون إلا لله, لكن هذا من شطحات المتصوفة التي نغضّ الطرف عنها حينما نقدّر حالاتهم الوجدانية التي كانوا يمرون بها, ومن ذلك قصة ابن الفارض الذي أنشد شعراً يقول فيه:

عذّب بما شئت إلا البعد عنك تجد قلباً بلسان الحب ملتهج

فابتلاه الله بحصر البول فصار يعطي النقود للأولاد في الشارع قائلاً لهم: ادعوا الله لعمكم الكذاب!

فقد تجاوز ابن الفارض - بسبب مغالاته في الحب الإلهي- الأدب البشري الذي اعتمده رسول الله عليه الصلاة والسلام في دعائه المشهور بعد أن عانى من أهل الطائف الذين سلّطوا عليه غلمانهم وعبيدهم ليضربوه حتى أدموا قدميه فالتجأ إلى بستان وكان من ضمن دعائه:(اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي لكن عافيتك هي أوسع لي) لذا يجب أن نسأل الله العافية دون أن نطلب منه أن يمتحننا ليرى مقدار محبتنا له؛ وعلى كل حال فإن من أجمل الكلمات في الحب الإلهي هي ما كتبه الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "هكذا علمتني الحياة" الذي خطّه تحت وطأة المرض:(من أدرك أسرار الحياة علم أنه ليس جديراً بالحب إلا الله تعالى).

سؤال ختامي:

عزيزي القارئ: بعد هذه المقالة ترى ما هي واحتك في صحراء حياتك؟ أنا شخصياً أميل إلى التنويع فأنصح أن تكون لك ساعة لربك وساعة لقلبك وساعة لفكرك وساعة لأغلى غواليك, فكلها واحات متنوعة لنتنعم فيها فلا تفوّت لحظات النعيم.

نشر في مجلة المعرفة عدد الصحراء تموز يولية2006/ جمادى الثاني 1427

د. ليلى أحمد الأحدب

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |