الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) ليس كل متمرد بشيطان
 
 
 

ترسخت في مفاهيمنا القيمية أن التمرد هو صفة إبليس – عليه لعنة الله – لذلك تعوّدنا أن نمتدح الطفل العاقل المطيع, فنقول: فلان يسمع الكلام وليس مثلك يا فلان.. فأنت شرير ومتمرد, وغالباً ما تكون مقارناتنا خاطئة فلو أن الله سبحانه أراد للبشر أن يتصفوا بنفس الإمكانيات في طاعته لخلقهم كلهم على صورة ملائكية واحدة شكلاً ومضموناً, ولكنه سبحانه خلق الكون جميلاً ومن أسباب جماله هذا التنوع الكبير في المخلوقات, ومنهم البشر؛ وكثيراً ما نلاحظ نتائج خطأ المقارنات  بين الأطفال في كرههم بعضهم لبعض, كما أن نتائج الطاعة العمياء التي نفرضها على أولادنا تظهر مستقبلا في ضعف شخصياتهم أو تذبذبهم في الرأي أو ترددهم وانعدام روح المبادرة الإيجابية في نفوسهم, وقد ينعكس ذلك في علاقاتهم مع الآخرين, فنجد أن ضعيف الشخصية تسهل السيطرة عليه من قبل الآخرين سواء كانوا رفقاء سوء أو شريك حياة أو زميل حرفة أو مدير عمل؛ لذلك فمن الواجب الانتباه لهذا الخطأ التربوي الذي نقوم به على جهل منا بأساليب التربية الحديثة والتي تتفق مع الأسلوب القرآني والنبوي في تربية المسلم نفسه وتربيته لأولاده على بصيرة, فالقرآن نعى على المقلدين لآبائهم في كثير من الآيات مثل:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (البقرة/ 170) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان/21), وعلى لسان النبي عليه الصلاة والسلام قال القرآن:{ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف/108).

وإذا كان الولد يتعلم بالتقليد فإنه لا بد أن يصل لمرحلة يسأل فيها عن سبب الأوامر ومعناها وغايتها, فلا بد من معرفة الطريقة المناسبة للإجابة حسب العمر والوعي, ومن الأمثلة التي تدل على أهمية هذا البعد التربوي ما ذكره أحد كتاب المعرفة في العدد129  تحت عنوان "طاعة عمياء" فقد قارن بين سهولة تربيته وإخوته الذين تعودوا السمع والطاعة لوالدهم وبين ما يقوم به ابنه من اعتراض على تنفيذ أي أمر لا يقتنع به, ولذا فإن التربية هي من أعقد المهمات الحياتية الحالية ولا ريب أن أسلوبها يتغير بتغير الزمان والمكان, فنحن الآن في عصر الفضاءات المفتوحة والثقافات المعولمة والديموقراطية الكاسحة, وإذا كان عهد آبائنا – رحم الله الأحياء منهم والميتين – يدور في فلك الاستبداد من قمة الهرم إلى أسفله, فإن عهدنا نحن يدور في رحابة الحرية, وكي لا تكون حرية منفلتة بدون ضوابط فلا بد من مدّ جسور الحوار مع أولادنا دون أن نعتبر مناقشتهم لنا من المحرمات, وعلى كل حال فإذا اعتبرنا أن أولادنا شياطين – وهم بالتأكيد ليسوا كذلك – فلا مانع أن نتذكر أن الله سبحانه حاور إبليس الرجيم, وإذا تذكرنا مقالة أخرى في نفس عدد المعرفة المشار إليه بعنوان "حاوروهم حتى لا يحتاروا" كنصيحة مقدمة من أحد الأساتذة لزملائه كي يستخدموا أسلوب الحوار مع تلاميذهم, فما المانع أن نستخدم نفس النصيحة نحن الآباء والأمهات مع أولادنا فنقول:"حاوروهم وأحبوهم حتى يتمرّدوا بإبداع.. فما كلّ متمرد بشيطان"؟

من المفاهيم الأخرى التي نعتنقها اعتباطاً مفهوم أن كثيري الحركة هم أشقياء صغار أو شياطين قد انشقت الأرض عنهم, مع أن كثيراً ممن يتصفون بالشقاوة في صغرهم سيتغيرون في الكبر وسيظهرون ميزات حيوية لا توجد عند من يختلفون عنهم, وهناك بعض الأحاديث الشريفة الدالة على ذلك مثل:(عُرامة الصبي في صغره دليل نجابة في كبره) والعرامة هي كثرة الحركة والبحث, ويتفق مع مدلول هذا الحديث علم النفس التربوي الذي يطالب الآباء بأن يكونوا أقل تسلطا على أولادهم, فإذا كسر الولد لعبته فليس هذا دليل عنف بل قد يدل على حب الاكتشاف والرغبة بالمعرفة, ومن الطبيعي أن يكون لكل شيء حدّ, فإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده, ولذا فإن هذا الكلام لا يعني أن يترك الحبل على الغارب للطفل ليفعل ما يشاء, بل لا بد من وضع حدود لحركته إذا تركناه بمفرده كي لا يؤذي نفسه, وأما إذا كان تحت وقع أنظارنا فلا مانع أن ندع له مساحات أكبر من الحرية ليتحرك خلالها وليكتشف العالم حوله, والغرب المتمدن يطلق على الطفل الذي يخطو خطواته الأولى ويمد يده على كل ما تقع عليه عيناه بـ"المستكشف الصغير", أما في الأعمار الأكبر فكثير من الأطفال يتعلمون كيف يربون أهاليهم قبل أن يربيهم أهاليهم, ومن الخطأ الفادح أن نعتبر أنفسنا أكثر ذكاء من أطفالنا, فهم قد يكونون أذكياء بالقدر الذي يجعلهم يسيطرون علينا إن لم نضع قواعد لهم منذ البداية؛ لكن يجب الحذر الشديد أن نجعل الأطفال - وهم أحباب الله- شياطين حقيقيين بسبب شدتنا معهم مما يلجئهم إلى التمرد علينا فنعاقبهم بزهق أرواحهم! وإشارة التعجب هذه معها مائة إشارة غضب – لكن للأسف لا يوجد ما يدل على انفعال الغضب في علامات التنقيط- وذلك بسبب الخبر الذي قرأته حديثاً عن أم عربية مسلمة عاقبت ابنها البالغ من العمر اثني عشر عاماً بالشنق لأنه لا ينصاع لأوامرها وقام الأب بدفنه بمعاونة اثنين من معارفه, فأي هؤلاء هو الشيطان: هل هو الطفل الضحية أم تلك الأم المجرمة أم ذلك الأب الذي تستر على فعلتها الرهيبة؟

كآباء وأمهات يجب أن نتذكر أن أولادنا لم يأتوا إلى الحياة محمّلين بفطرة الشر فقط, بل إن بداخلهم فطرة الخير أيضاً, وهذا قول الله سبحانه: {وهديناه النجدين} أي فطرناه على الخير والشر, والتربية ليست إلا إعلاء للفطرة الخيرة وتهذيب الفطرة الشريرة, فما ذنب أولادنا إن نحن قصرنا في هذه المسؤولية الجليلة؟

تفيض جعبة الذاكرة بقصص عن خطأ الآباء والأمهات مع الأبناء والبنات وما ذاك إلا بسبب رفض الأهل للشيطنة الطفولية البريئة واعتقادهم أن الابن أو البنت ما خلقه الله إلا ليكون عبدا لوالديه, وإذا كان برّ الوالدين من أجمل السمات التي تربط الولد بأبويه فإنه يجب ألا يفهم على كون الطفل رهن إشارة والديه دائما, ولا يعني أن يكون الشاب مرتهناً لإرادة والديه, ودعونا نستعرض قصتين واقعيتين إحداهما عن الطفولة والأخرى عن الشباب:

القصة الأولى: طفلتان بنفس العمر في عائلة واحدة لكن إحداهما خالة للأخرى, الطفلة الأولى (الخالة) خلقها الله بوعي أكبر من ابنة أختها, هادئة الطباع مرتبة حادة الملاحظة وقّادة الحافظة, بينما الطفلة الثانية (ابنة الأخت) كثيرة الصخب عديمة الذوق في ملابسها لكن دمها خفيف وروحها مرحة؛ وكلا الفتاتين قد ورثت قسمات أبيها وطباعه, أي أنها لا يد لها ولا فضل في ما حباها الله من نعم أو في ما حرمها الله من صفات, والطفلتان تحبان بعضهما بعضاً وتتقبلان اختلافهما بشكل طبيعي, لأنهما على الرغم من اختلافهما فهما متكاملتان, فالخالة تحب الدم الخفيف في ابنة الأخت, وابنة الأخت يعجبها رجحان العقل عند الخالة, لكن الكره يدب في قلب الطفلة ابنة الأخت نتيجة المقارنات بينها وبين خالتها وتأتي هذه المقارنات من أبيها الذي تشبهه, والذي - لضحالة ثقافته- لا ينتبه لهذا الأمر, بل دائما يصمّ أذني ابنته بهذه الكلمات: أنت شيطان وخالتك ملائكة.. لو كنت متفوقة مثلها.. لو رتبت ملابسك مثلها.. إلخ.. الطفلة الخالة كانت بسبب وعيها تلاحظ أن ابنة أختها تشبه أباها فلماذا يلومها؟ لذلك استطاعت أن تتقرب إلى الفتاة "الشيطانة" بحيث تكسب قلبها فلا يشوى بنار عداوة  أو حقد نتيجة هذه المقارنات الجائرة.. لكنها في يوم من الأيام حاولت أن تكون شيطاناً فعملت مقلباً خفيف الدم مع زوج أختها مما أضحك عليه جميع أفراد العائلة دون أن يعلم أن "الملائكة" هي التي أوقعته في الورطة. واستغلت الفرصةَ ابنتُه لتقول له أنها ليست الشيطان الوحيد وإنما خالتها قد تحولت إلى شيطان أيضاً.. لم يصدقها.. وحين سأل الآخرين الأكبر سناً أخبروه بالإيجاب وأن الفتاة "الملائكة" ليست إلا واحدة ملمسها ناعم ولسعها مؤلم, ولسذاجته بدا عليه عدم التصديق, ولكنه لم يعد إلى مقارنته التعيسة بعد ذلك وهو الأمر الذي أراح الفتاتين من تدخل الكبار في حياتهما؛ وهذه القصة ذات مغزى أن الطفل الذكي قد يكون قادراً على تربية الكبار إذا أخطئوا معه أو مع غيره.

وأما القصة التالية فهي قصة شاب تجاوز منتصف العشرينات وأحب فتاة وأراد أن يتزوجها, وكان يظن أن أكثر من سيفرح له باختياره والدته التي طالما كان لها الابن البار المطيع, ولكن خابت آماله إذ وقفت والدته لذلك الحب بالمرصاد, ووصلت إلى حد طرده من المنزل لأنه لم يخضع لابتزازها العاطفي, فجملتها المكررة دائما: (إما أن تحول قلبك عن حب هذه الفتاة وإما فأنت مطرود من بيتي)؛ وحاول الشاب بكافة الطرق الدبلوماسية أن يهدئ الحرب المشتعلة في قلب الأم دون فائدة, وكانت نهايته كإبليس الذي عصا ربه فطرد من الجنة, ولكن إبليس لم يحب بل على العكس كان طرده من الجنة بسبب كرهه لآدم وغيرته منه؛ أما هذا الشاب فقد كان سبب طرده غيرة الأم من الفتاة التي أحبها, مع أن الشاب كان حكيماً جداً ولم تكن له يد في رد فعل والدته.

تمردُ هذا الشاب كان في قلبه لأنه أحب فتاة دون أن يستأذن والدته, ولكن الحب عادة لا يستأذن القلب الذي يدخله حتى يستأذن من العائلة, ولو كنت مكان تلك الأم لطلبت من ابني أن أتعرف إلى تلك الفتاة وأناقش ابني حول صلاحية ارتباطه بها, وقد أستعين بالعقل لأخفف من غلواء حبه لها, وبذلك لا أتركه وحيداً في مواجهة قلبه المتمرد, ففي الوقت الذي يحتاج الزواج إلى العقل والواقعية فإنه يحتاج شيئا من العاطفة والرومانسية, وبدون تمرد العاطفة على العقل في بعض الأحيان تكون الحياة جافة وذات وتيرة وحيدة.

ذكرت تمرد الشيطان وكيف أدى به تمرده إلى الطرد من رحمة الله لأنه رفض الاعتراف بالذنب, وإذا قارناه بتمرد آدم الذي عصى ربه أيضاً فإنه سرعان ما تلقى من ربه كلمات ليتوب عليه, وكما يقول ابن القيم – رحمه الله – فإن اصطفاء آدم لم يكن إلا بعد المعصية والتوبة؛ وكلنا أولاد آدم فلا تغلقوا أبواب الرحمة في وجوه الأبناء المتمردين وتتركوهم لشياطين الإنس والجن, بل اقبلوا منهم أخطاءهم وسامحوهم على خروجهم عن النص أحياناً فقد يحمل هذا الخروج لهم أفق إبداع متفرد.

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |