الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) أولادنا والإيحاءات الجنسية في الإعلانات التجارية
 
 
 

من الإشكالات المحبطة في عالمنا العربي أننا كثيراً ما نهمل المشكلة الفردية حتى تتحول إلى ظاهرة مجتمعية, كما أننا غالبا ما نتناول المشاكل سهلة الحل ونبتعد عن كل ما تحيط به الأشواك وتكتنفه الألغام, مع أن سفينتنا واحدة والثقوب فيها أكثر من أن تعد وتحصى, وكلما سددنا ثقباً ورقعنا خرقاً وأصلحنا خطأً جاء من يفتح الثقب ويوسّع الخرق وينعش الخطأ.

وأسّ المشكلة وأساسها يكمنان في التناقض والازدواجية التي تعمّ مجتمعاتنا العربية, ففي الوقت الذي يُعدّ فيه التثقيف الجنسي إثماً لا يغتفر, ويُنظر للتربية الجنسية بعين الشك والريبة, تطفح وسائلنا الإعلامية - المرئية خاصة - بمضامين جنسية وإيحاءات إباحية؛ وليس المقصود هنا تلك الأغاني التافهة الممزوجة بالرقصات شبه العارية, فهذه يمكننا أن نمنع أطفالنا عنها إذا امتنعنا نحن عن رؤية القنوات التي تعرضها, أو على الأقل بضغط زر الريموت كونترول بمجرد ظهور ما يلوِّث فطرة أولادنا وما يخدش صفاءهم وبراءتهم.

نبهت في بعض كتبي - ككتاب أسئلة محرجة وأجوبة صريحة, الجزء الثاني مشكلات الشباب وكتاب ألف باء الحب والجنس - إلى آثار المسلسلات المدبلجة والتي أراها أكثر خطراً من المسلسلات الأجنبية, فالمسلسلات المترجمة لها تأثيرها السلبي ولكنها على الأقل بلغة غير لغتنا فلن تظهر من ضمن ثقافتنا كما هو الحال في المسلسلات المدبلجة والتي تبدو كأنها عربية فتنقل للبلاد العربية كثيرا من العادات الغربية دون انتباه لتأثيرها, كخروج فتاة مع صديقها وتمردها على والديها واستمرارها حاملاً منه في بيت والدها, وآخر خبر قرأته من بلجيكا عن مراهقة في الثالثة عشر من عمرها رمت طفلها من الطابق السادس لأن صديقها االبالغ من العمر ستة عشر عاما لم يعترف ببنوته؛ ويبدو أن الإرهاب الذي يسود عالمنا اليوم خطف الأنظار لصالح العنف الذي يترافق مع المشاهدة فقامت مراكز لدراسة أثر العنف المعروض على الشاشة لدى الأطفال والمراهقين وكُتبت بحوث عن كيفية حماية الأولاد منه وكذلك عن كيفية حمايتهم من إغراء الإعلانات التجارية بشكل عام, ولكن قلّما تم التعرض للرسائل الجنسية الخفية التي يحملها الإعلان؛ وقد يكون السبب في التوجه لدراسة العنف في عالمنا العربي دون دراسة غيره هو تقليد الغرب لا أكثر ولا أقل فالجنس متاح بالغرب عكس العنف.

إذا كنا نستطيع منع أولادنا إلى حدّ سن معينة من رؤية ما لا نرغب, فسياسة المنع ليست كافية لأنهم سيرون ما يريدون بمجرد غيابنا, ولا بد من تزويدهم بآليات تبيّن لهم الخطأ من الصواب دون أن نرتدي دوما ثوب الواعظ الممل؛ والمشكلة أن الأمر لم يعد يقتصر على المسلسلات والأفلام, بل امتد إلى الإعلانات التجارية, على سبيل المثال كنت في زيارة صديقتي الأسبوع الماضي وفي الوقت الذي كنا نتحادث معاً كانت ابنتها المراهقة تتابع مسلسلاً عربياً, ثم قُطع المسلسل لصالح إعلان عن أحد أنواع الشوكولاتة, والإعلان لا يتجاوز دقيقتين, وفيه يقود شاب سيارته وإلى جانبه صديقته ويجلس في المقعد الخلفي شاب آخر ومعه صديقته, ويمدّ هذا الشاب يده بلوح من الشوكولاته للجالسَيْن في المقعد الأمامي في نفس اللحظة التي يكبح فيها صديقه فرامل السيارة فيقع الشاب الذي في الخلف ولا يبدو في يده إلا الشوكولاته, والموسيقى تصدح والشابان والفتاتان جميعهم مستمتعون بوقتهم, ورسالة الإعلان الظاهرة هي عن الشوكولاتة والرسالة الخفية سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة, هي الرفقة والاستمتاع بين الشباب والفتيات؛ والمفارقة أنه في الوقت نفسه كانت والدة الفتاة تسرّ لي أن ابنتها ترفض تغطية شعرها في الأسواق رغم أنها ولدت وعاشت في المملكة العربية السعودية ورغم أن والدتها محجبة وكل قريباتها, والسبب بالطبع هو الرسائل المزدوجة التي تصل إلى أطفالنا منا ومن وسائل إعلامنا.

من واجب الأبوين تنمية الحس النقدي لدى الناشئ تجاه ما يراه في التلفاز, فثقافة المناعة أفضل من ثقافة المنع, وخطر التلفاز يكمن في أنه يضع أمام عيني الطفل قدوات أخرى غير أمه وأبيه والكبار الذين يشاركونه حياته الواقعية؛ والإعلانات التجارية ليست بريئة من إثم توجه أولادنا للمتعة الحسية وذلك من حيث إبهارها للأطفال والمراهقين ورغبتهم ليس في تملك السلعة المعروضة فحسب, بل في تقليد ظروف الإعلان ووضعية الأشخاص المشاهَدين؛ ولا ننسى الإشارة إلى الإعلانات التجارية في الطرقات والشوارع والتي تعرض منتجاً للأطفال وكيف يهيم به الرجال, مثل إعلان عن نوع معين من رقائق البطاطس المقلية (الشيبسي) يبدو فيه رجل بلحية يمسك بقطعة بطاطس ويتأملها بفرح وسعادة, أو رجل بشماغ يضع قطعة في فمه ويتذوقها مغمضا عينيه لشعوره بأنه امتلك الدنيا عندما امتلك قطعة البطاطس هذه, ويذكرنا هذا الإعلان بإعلان تلفزيوني تغرق فيه المرأة المحجبة بغرام نوع من الشوكولاته وتذوب فيه مع ذوبان القطعة في فمها؛ والسؤال المطروح: إذا كان الإعلان يصوّر للطفل أن الرجل والمرأة بهذه التفاهة الحسية, فكيف سيكون الطفل نفسه إذا تركناه لمشاهداته دون أن ننمي فيه مهارة نقدها؟

لم يعد امتناع الوالدين عن رؤية أي قنوات تافهة أو مسلسلات مدبلجة أو أجنبية أو عربية سيئة كافياً, وقد يكون جيداً ما فعلته بعض القنوات إذ خصصت بعض أوقاتها للأطفال أو جعلت لهم قنوات خاصة بهم, ولكن ما العمل إذا كانت القنوات الجادة, والتي اعتاد أطفالنا منا متابعتها, تعرض ما لم يكن في حسباننا؟

سابقا كانت قناة جادة تقطع برنامجاً دينياً لتضع إعلاناً عن عطر تتلوى فيه امرأة تبدو كجنس ثالث كما تتلوى الأفعى ونظراتها تخترق الشاشة, وقد يقطع البرنامج لصالح إعلان عن شماغ فتبدو المرأة وقد أُخذ لبها بذلك الرجل فتتبعه, والمرأة ترتدي العباءة وتغطي نصف شعرها أي أنها من بيئة خليجية وهي بيئة معروفة بأنها محافظة لانتمائها إلى العادات القبلية أكثر من البلاد العربية الأخرى, ويبدو أن احتجاجات المشاهدين على تنافي مضمون الإعلانين مع مضمون البرنامج الديني آتت أكلها فمنعت تلك الإعلانات؛ لكن لا بد أن جميع الآباء والأمهات الذين يتابعون القنوات الجادة تعرضوا لما تعرضت له شخصياً من جراء إعلانات العقاقير الجنسية, وهذه هي تجربتي باختصار:

كنت وابني الأكبر البالغ من العمر ستة عشر عاماً نتابع إحدى القنوات الإخبارية عندما عُرض إعلان عن أحد هذه العقاقير, ويصوّر ذلك الإعلان حال الرجل والمرأة قبل استعماله وبعدها, ويبدو الرجل في النهاية وبملابس النوم (البيجاما) وهو جالس بسعادة ينظر إلى أسفل!!

أثناء رؤيتي للإعلان مع ابني كنت أشعر بالحرج رغم الثقافة الجنسية التي كنت قد سلّحته بها عبر سنوات حياته الغضة بما فيها أفكار فرويد ونظرياته التي أثبت تلاميذ فرويد أنفسهم منافاتها لحقيقة النفس البشرية إذ ليست الغريزة الجنسية هي المحرك الأول للبشر بل هي غريزة البقاء ثم غريزة الرغبة في أن نكون محبوبين من الآخرين؛ لكن عندما سألني عن سبب ضحك هذين الزوجين وسعادتهما كان لا بد أن أستجمع شجاعتي لأجيبه بأن الجنس يشكل هوساً كبيراً في ثقافة الغرب, لذلك فإنهم يصورون المتعة الجنسية على أنها سعادة لا توصف, وبالطبع فإن "البزنسس" يدخل في الموضوع كأولوية, وهذا الإعلان عن دواء يزيد الطاقة الجنسية في الرجل, ولا بد أن يصدّروا هذه الأدوية لنا ليشتريها المهووسون لدينا أيضاً, أما الحقيقة فهي أن هذه الحبات الزرقاء أو الصفراء لا يمكن أن تمنح السعادة لزوجين يفتقدان المحبة والمودة والدفء والتفاهم في حياتهما الزوجية, فبدون هذه الأمور الهامة تتحول حياة الزوجين إلى روتين لا أكثر ولا أقل.

طبعا لم يخلو حديثي مع ابني الأكبر من بعض الحرج لكنه لا يقارن بالحرج الذي اعتراني مع الأصغر البالغ من العمر 14 عاما عندما أتى وجلس إلى جانبي في غرفتي – ليس فيها تلفاز – وقال لي: ماما.. ماذا يعني العبرة في الصلابة؟ فهمت فوراً أنه رأى الإعلان لكني لم أظهر أني فهمت فطلبت منه المزيد من الإيضاح, وبما أن ابني هذا يميل إلى الكوميديا فقد بدأ يشرح لي الإعلانات بطريقة ضاحكة: (مسمار يلتوي قبل الدخول في حائط من أول طرقة، وشفاطة تنكسر قبل إدخالها في كوب، وريال لا يفلح في المرور عبر ماكينة للبيبسي)؛ مما أعطاني انطباعاً أن ابني "متابع" جيد وبالتالي لن تفلح محاولات الهروب من الإجابة, مع ذلك تصنّعت عدم الفهم فقلت له:(الصلابة ليست كل شيء... هم مخطئون.. العبرة كثيراً ما تكون في المرونة لا في الصلابة).

 بالطبع إجابتي لم تشفِ غليله لأنه يريد أن يفهم المقصود من هذا الإعلان, فسألني عن هذا الدواء الذي يكتبون اسمه وعلاقته بالصلابة, فتشاغلت بما في يدي من عمل كتابي, وأجبته أني سأرى الإعلان مرة أخرى لأفهم مفعول الدواء وأشرحه له؛ ولكن دهشتي الممزوجة بالغيظ كانت كبيرة عندما أوضح لي ما يعتقده من أن هذا الدواء كالبنادول وأن الشركة المصنعة تريد أن تبيعه في السوبر ماركت للصداع!

تمالكت وقع المفاجأة ولملمت انفعال الدهشة الغاضبة لأتوقف عن محاولات التهرب خشية أن يتعرض ابني لمحاولة من أصدقائه مثلا أو من أي شخص آخر ليحثّه على استعمال الدواء كمضاد للصداع, فشرحت لابني عمل الدواء بطريقة علمية وأنه خاص بالعجز الجنسي لدى الرجال خاصة الشيوخ, وأن له تأثيراته الجانبية على القلب والشرايين وقد يؤدي إلى الموت المفاجئ, وتقبّل ابني الإجابة بابتسامة ملؤها العَجب من هؤلاء الذين يهدفون إلى الربح بعيداً عن الحياء وعلى حساب صحة الناس.

طبعا أنا طبيبة ومستشارة اجتماعية واستطعت أن أوصل الفكرة إلى ولديّ, ومع ذلك اعتراني الضيق والحرج خاصة لدى شرح موضوع العجز الجنسي لابني الذي لم يبلغ مبلغ الرجال بعد, فما هو موقف الآباء والأمهات الآخرين من ذلك؟

حدثتني إحدى صديقاتي أنها لم تعرف كيف تجيب ابنتها ذات السنوات التسع على سؤالها الذي كان مشابهاً لسؤال ابني الأكبر عندما رأت إعلان الزوجين "السعيدين", وحدثتني صديقة أخرى عن ضيقها بهذه الإعلانات التي تعرضها قنوات جادة وتلفت انتباه الأطفال والمراهقين إلى ما هو بعيد عن عالمهم؛ وذكرت لي ثالثة دخولها وزوجها في مواجهة مع أبنائهما وبناتهما عندما يرددون بعض ما جاء في تلك الإعلانات بالكلام أو بالصورة - كما فعل ابني الصغير - دون أن يفهموا مغزاها ودون أن يستطيع الوالدان شرحه لهم؛ وكثيراً ما يخشى الأبوان من تفعيل الفضول الجنسي لدى الأطفال أو تحفيز الغريزة الجنسية لدى المراهقين بعد رؤيتهم لتلك الإعلانات التي تأتي في وقت تجتمع فيه العائلة كلها, مما يؤدي بهم إلى القيام بأفعال لم يكونوا ليقوموا بها لو لم يروا تلك المشاهد, كالتجسس على الوالدين أو التحرش بالأطفال الأصغر سناً في العائلة أو في الحي أو مباهاة الأقران بأفعال تخالف الذوق السليم, إلى غير ذلك من الأخطاء التي تمتلئ بها صفحات المجلات والصحف ويتفاجأ بها المجتمع فيسارع الجميع إلى دفع التهمة عن أنفسهم مع أنهم مشتركون في الإثم: إثم السكوت على هذا المنكر, وإثم الرفض لكل ما يدخل تحت مسمى لقاحات المناعة سواء كانت مناعة إيمانية أو مناعة توعوية.

منذ فترة قصيرة بدأت بعض محاضرات التثقيف الجنسي تغزو المجتمع السعودي, لكن من يتبناها ليس وزارة حكومية ولا جهة أهلية ولا جمعية خيرية بل شركات الأدوية المصنعة للعقاقير الجنسية؛ ولذا فإن هذه المحاضرات ظاهرها التوعية وباطنها الدعاية لمنتج جنسي جديد؛ وفي كل مرة يتدافع الناس للحضور, وقد يدل هذا الحرص على الحاجة الفعلية للتثقيف الجنسي؛ لكن الغريب في الأمر أن يرخَّص لتلك المحاضرات رغم أنها مشتركة بين الرجال والنساء حضوراً ومحاضرين في مجتمع محافظ, بينما تمنع محاضرة حول التربية الجنسية للأطفال والمراهقين مع أن الحضور يقتصر فقط على الأمهات والتي تلقي المحاضرة امرأة مثلهن, فمن هي الجهة المسؤولة عن محاضرات التوعية الجنسية في البلد؟ وكيف يصبح المحظور متاحاً ومباحاً لمن غايته الربح المادي فقط؟ ولم يمنح ترخيص محاضرة لشركة أدوية إعلاناتها تفسد أكثر مما تصلح؟ هذه هي بعض الأسئلة التي تشير بإصبع الاتهام إلى أزمة التناقض فمن يملك الأجوبة؟

 

 

ليلى أحمد الأحدب

 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |