|
ربما تحدث الكثيرون قبلي عن مثلبة الإعلام المرئي باستخدامه المرأة كجسد أنثوي
لتسويق كثير من المواد كما في حالة فتيات الإعلانات التجارية, أو لتمرير آراء عارية
عن الصحة ولتقديم موديلات عارية عن الحشمة كوضع المذيعات والممثلات وفتيات الفيديو
كليب في بعض القنوات الفضائية؛ فلم يعد خافيا على أحد آثار هذا الإعلام في تغيير
النظرة الجماعية لكثير من
الأمور, كالجمال مثلا, إذ أصبحت هذه النماذج المقدَّمة هي ما يداعب أحلام الفتيان
وهي ما يشدّ أنظار الفتيات؛ وحدّث ولا حرج عن تدمير الحياة الخاصة لكثير من
الأزواج, حيث ينقلب مخدع الزوجية إلى أتون يحرق المرأة بلهب الغيرة من المذيعة
فلانة أو الممثلة علاّنة؛ ولا أزال أذكر عبارة إحدى مريضاتي عندما سألتها عن سبب
طلاقها رغم ثقافتها وتهذيبها:( عندما يرى
الرجل ما يراه على الفضائيات فلن ترضيه أربع زوجات!)
ليس موضوع كلامي إذن هذا النوع من الإعلام الذي يجعل
الإنسان رجلا كان أو امرأة يضغط زر الريموت كونترول-
إذا كان فيه أقل بقية من حياء طبعا - ليصون عينيه عن
رؤية ما يخدش سلامة فطرته, أو ليقي أذنيه سماع ما يمكن
تصنيفه ووضعه في الدرك الأسفل من جحيم السخافة؛ إنما
أريد أن أتكلم اليوم عن أسلوب الإعلام الجاد في توجيه
الأنظار لبعض النساء دون بعضهن الآخر, هذا من جهة؛ وعن
دور المرأة الجدي كمذيعة وإعلامية من جهة أخرى.
ما يستدعي الأمر الأول هو ما عرضه برنامج في قناة جادة
في الأسبوع الماضي عن حياة امرأة عربية تركت وطنها
الأم لتلتحق بالدراسة في جامعة بلد غربي, ومن ثم
لتزاول مهنتها في بلد غربي آخر بعد زواجها؛ ويعرض
البرنامج لنا شريط حياتها منذ ولادتها لأسرة "عريقة" –
على حد قول المعلق على البرنامج- مرورا بمراحل طفولتها
ومراهقتها وشبابها حتى استقرارها في البلد الذي
تعيش فيه حاليا. ويحاول المعلق أن يقنع المشاهد أن هذه
المرأة أتت بما لم تستطعه الأوائل, مع أنه حقيقة ليس
في حياتها ما يلفت النظر فولادتها لأسرة عريقة ليس لها
فيه أي يد, وكذلك فإن مشاهد غربتها لا تبدي أي معاناة
من أي نوع, فهي تعيش بين الغربيات كأنها واحدة منهن؛
ويحق للمرء ذي الرأي الحر المحايد أن يتساءل: مهما كان
حجم الصعوبة التي تشكو منها امرأة عربية تخلت عن
هويتها الإسلامية في بلاد الغربة فهل تصل إلى معاناة
المرأة التي تتمسك بحجابها الأشم؟!
لست من المتعصبات ولا الحاقدات, والله يعلم أمنيتي أن
يهدي إليه العرب والعجم جميعا, لكن لماذا يحاول
الإعلام أحيانا أن يركز على وجود العرب والمسلمين في
الغرب من وجهة نظر عرقية أو تغريبية فقط؟ لماذا لم نر
في برنامج كهذا البرنامج الذي يختص بحياة العرب
المغتربين رجلا أو امرأة عربيين مسلمين متمسكين
بإسلامهما الأصيل دون أن يتعارض ذلك مع نمط حياتهما
المعاصر؟!
يجري جزء من أحداث حياة هذه السيدة في كندا, ويعرض لنا
البرنامج خلالها
مسجدا وأمكنة للمصاحف ومصلين, ويكون التعليق على هذا
المشهد هو أن هذه
السيدة تتمسك بالتقاليد العربية! وهكذا فقد تحولت
الصلاة إلى فولكلور عربي أو موروث شعبي بعد أن كانت
شعيرة إسلامية مقدسة؛ وكأن معد البرنامج قد نسي أو
تناسى أن العرب لم يكونوا شيئا مذكورا إلا عندما
اعتنقوا الإسلام وتماهوا فيه فذابت العروبة في الإسلام
ولم يزدد الإسلام إلا شموخا. وبما أن التعليق كان عن
الأصالة والتقاليد فلا بد أن يراود الذهن سؤال: بما أن
هذه السيدة محافظة على التقاليد العربية فلماذا لا
تحافظ على غطاء الرأس؟!
ربما يعود السبب أن الفرصة لم تكن سانحة لإدخال الحجاب
ضمن التقاليد, ورب ضارة نافعة, إذ إن من السهل جدا على
بعض الإعلاميين وغيرهم ممن هاموا بالحب الأعمى للغرب
وتقليده أن يتخلوا عن "التقاليد" التي لا تعجبهم ولا
تروق لهم, فالحجاب يقلل من جمال المرأة , وهم يريدون
أن يستمتعوا منها بكل ما لذ وطاب, لذلك فالحجاب تقليد
مكروه يجب محاربته أما الصلاة
فتقليد لا بأس بالسكوت عليه!
التقليد العربي "الأصيل" الذي يعرضه البرنامج كمثال من
حياة هذه السيدة هو لعبة النرد التي تحرص على تعليمها
لابنتها لتحافظ على هويتها! ويبدو أن معد البرنامج قد
فاته أن لعبة النرد ليست تقليدا عربيا, ولعله لم يجد
شيئا أصيلا في حياتها أصلا, ولو كانت تعلّم ابنتها
الشطرنج مثلا – رغم أنه ليس من إبداع العقل العربي-
لسُررنا بالمشهد ولراودنا الأمل بأن تكون هذه الفتاة
ابنة نبيهة لأم مثابرة؛ ولاعترفنا أننا استفدنا من هذا
البرنامج واستمتعنا به؛ لكنه في الحقيقة لم يكن مؤثرا
أبدا بل على العكس كان مخيبا للآمال برأيي لحجم
التناقض الذي حمله؛ وما يزال هذا السؤال يلّح علي: ألا
توجد في نساء الجالية المسلمة امرأة تستحق أن يلقى
الضوء على جهدها وعنائها وكفاحها وغربتها الفعلية في
بلاد لا تعرف من الإنسان إلا أنه جسد بلا روح, بينما
تستطيع هي أن تحافظ على مكمن قوة حضارة الإسلام في
أوطان الغرب بالحفاظ على ما يزين حياءها الفطري ويتوّج
رأسها وتفخر به في الشرق والغرب؟!
من نافلة القول أن أذكر أننا في هذا السؤال الأخير لا
نستطيع أن نلقي باللائمة على الإعلام فقط, فمعاناة
المرأة المسلمة من تقاليد الجالية لا تقل عما تعانيه
من عادات الغرب, وهذا حديث له موضع آخر.
أما الموضع الذي سألمسه في ما تبقى من المقالة, فهو
عمل المرأة العربية الجادة كمذيعة, وسأسقط من حسابي أي
مذيعة تعتمد على أسهم جمالها في إنجاح برنامجها حتى لو
كان جادا؛ لأني أريد أن أنقل للقارئ الكريم الصورة
التي لفتت انتباهي -إن لم تكن أصابتني بالدهشة- على
إحدى القنوات الفضائية, ألا وهي وجود مذيعة لا بل
ومحاورة وقد جلست بين رجال ثلاثة تسائلهم وترد عليهم
وتبدي رأيها؛ ولا بد أن سائلا يسأل: وما الغريب في
الأمر؟ نعم, لا شيء غريب هناك , إلا أن المذيعة كانت
بعمر يناهز الستين إن لم يكن السبعين!
رأيت فيما مضى أختا محجبة ملتزمة حاولت أن تقوم بدور
محاورة في قناة ذات طابع إسلامي تقليدي فلم أر برنامجا
أضيق للصدر من برنامجها, فلا إثارة فكرية ولا تساؤلا
ذكيا ولا حوارا ثريا؛ لذلك أنا لا أنطلق هنا من منظور
إسلامي متشدد متعصب, بل أحمل - والحمد لله- نفسا رحبة
محبة لكل الناس, لكنني كما تذمرت من برنامج تلك الأخت
المحجبة, فإنني لا أنكر إحساسي بالرثاء لحال المشاهد
الذي يخرجه الإعلام من نفق ليدخله في متاهة, ولا أخفي
شعوري
بالشفقة على هؤلاء الرجال الذين تحلقوا حول هذه السيدة
الكبيرة في السن والتي حاولت قدر الإمكان إخفاء بصمات
الزمن؛ لكن هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
لا أقصد أن أذم هذه السيدة بشخصها- ولا السيدة
المغتربة المذكورة أعلاه- فهي لم تكن متكلفة, ولا
مبهرجة, لكن ما هذه الصيحات والصرعات التي يأتينا بها
الإعلام في هذا القرن؟! هل فُقِدَت النساء المثقفات
حتى يؤتى بمن هي في عمر هذه السيدة والتي تحتاج أن
ترفع نظارتها ثم تضعها ثم ترفعها ثم تضعها لتقرأ من
الورقة ما كتب حرفا حرفا؟! وهل تبرر مكانتها
الاجتماعية الخيال الخصب لمعد البرنامج بأن المشاهد
سيكون قادرا على متابعتها مع أنها تستدعي الفكرة من
تلافيف الذاكرة وأدغال النسيان؟! وكيف يمكن لشباب ضيوف
في عمر أبنائها أن يقنعوها بوجهة نظرهم, وهم لا بد
يعلمون أن التقدم في السن غالبا ما يؤدي إلى تصلب في
الشرايين وتيبس في المفاصل وتضيق في الأدمغة؟!
تذكرت أن قناة عربية ناشئة تبحث عن السيد وزير الإعلام
العراقي السابق لتوظفه عندها, لأنه أثبت تفوقا رهيبا
بإقناع المشاهد العربي أن الحرب كانت لصالح العراق رغم
أن "العلوج" وصلوا إلى مطار بغداد, لكن هذه الموهبة
الخطيرة ليست موجودة – للأسف- عند هذه السيدة المذيعة
المتقدمة في السن, فلماذا وقع الاختيار عليها؟!
لا أخفي على أية حال أن منظرها ساهم في استدعاء كلمات
صديقات الطفولة من وديان الذاكرة, عندما كن يتنبأن لي
بأنني أصلح أن أكون مذيعة لإعجابهن بطريقتي في القراءة
والإلقاء, فهل تراني أصبح مذيعة بعد تقاعدي من مهنة
الطب؟! لم لا , ونحن في زمن
الأعاجيب؟!
إن الحلم الذي يداعب خاطري في الحقيقة هو أن أرى بين
فضائياتنا التي يزداد عددها على مر الأيام وتتهاوى
كالركام في وحول الإعلام, قناة عربية إسلامية جريئة
غير تقليدية تكون نبعا ثرا فياضا لمعارف حقيقية فذة
وتواصل إنساني فريد, فهل يتحقق هذا الحلم أم تطويه
مسافات العمر المتقاربة؟! |