الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) ثقافة ما قبل الزواج
 
 
 

ثقافة ما قبل الزواج مفتقدة في مجتمعاتنا العربية, وإن وجدت فبشكل سيئ أو مبتور, وكثيراً ما يستمدها المقبل على الزواج من تجارب سيئة في صغره أو من الأصدقاء الذين لديهم بعض الخبرات الخاطئة, أو من وسائل الإعلام التي تتناول المشكلات الاجتماعية بشكل ظاهري دون بحث عميق عن جذور أي مشكلة, وقد تُستقى مما تنامى في المخيال الجمعي عن الهيمنة الذكورية على الإناث, كالأمثلة الشعبية عن الرجل الذي لا يعيبه إلا جيبه, وعن العريس الذي يقطع رأس القط في ليلة العرس, وهلم جرا..

كل هذا وغيره يجعل الفجوة عميقة بين الزوجين, فالعلاقة الزوجية التي أساسها المودة والرحمة لا يمكن أن تقوم على أساطير وهمية في مواضيع يمنع تداولها علانية خشية الحرج, كما لا يمكن أن تستمر مع استعلاء الرجل على المرأة, وكنتيجة حتمية لهذا الوضع المختل تزداد المشكلات الأسرية وترتفع نسب الطلاق, وهو ما يزيد بدوره أزمات الأطفال الذين سيكونون أزواج وزوجات في المستقبل, مما يؤدي إلى إعاقات في طريق الاختيار السليم لشريك الحياة, الأمر الذي ينجم عنه مشكلات أسرية جديدة وهكذا تستمر الدائرة المفرغة إلى ما لا نهاية.

الحل يكمن في تفادي نشوء هذه المشكلة من الأساس, وذلك في تكوين الشخصية الإنسانية القادرة على بناء أسرة متماسكة, وتكوين الشخصية الحقيقي يبدأ في السنوات الأولى من عمر الإنسان, ولو أردنا أن نبحث في اضطرابات الشخصية على اختلاف شدتها وحدتها لوجدنا أنها تعود إلى مرحلة الطفولة أكثر من أي مرحلة أخرى, حيث أن الطفل مخلوق حساس يتأثر بما يشاهده وما يسمعه فهو كالصفحة البيضاء التي تسجل كل ما يكتب عليها, وقد تستطيع أن تمحو ما كتب عليها من سلبيات إن أوتي الإنسان ملكة العقل والوعي, أو إن وجد من يستطيع أن يدله على النقاط السلبية في شخصيته التي تنجم عن تراكمات في اللاشعور نتيجة أنماط تربوية خاطئة وكذلك تساعده على التخلص منها ليغير شخصيته إلى الأفضل, وهذا ليس بالشيء السهل مطلقاً, ولكنه ممكن بل وواجب أيضاً لقوله تعالى:(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

ثقافة ما قبل الزواج بشكلها السيئ والتي يتلقاها الشاب من الأصدقاء أو وسائل الإعلام أو أي مصدر آخر ليست بذات شأن إذا لم تجد صدى في نفس الشاب تجعله يتلقاها بالقبول, وهذا يعني أن من واجبنا تسليح الناشئ منذ الطفولة والمراهقة بالأدوات العقلية الضرورية لفحص ما يتلقاه من ثقافة خاصة بالزواج عندما يصبح شاباً, وهذا يؤكد على ضرورة تكوين العقل الناقد لدى الطفل منذ البداية, إضافة إلى وجود القدوة السليمة المتمثلة بالأبوين المحبين والمتفاهمين والقادرين على منع تعرض الطفل إلى ما يشوه فطرته السليمة, وإذا تعرض لها فمن واجبهما طرد هذه التأثيرات السلبية من نفس الطفل بمجرد الإحساس بأي تغير في شخصيته أو بمجرد أن يسأل سؤالاً غريباً عن معطيات جو الأسرة.

نشر في القافلة الأسبوعية/ أرامكو 15/8/2006

د. ليلى أحمد الأحدب

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2006 تصميم وتطوير موقع الثريا |