|
ما إن تغلق المدارس أبوابها ويهدأ ضجيج الامتحانات وتخف زحمة المشاغل حتى تبدأ
التساؤلات حول كيفية قضاء العطلة الصيفية, وكثيراً ما يجد بعضنا الحل بالهرب إلى
منطقة في النصف الآخر من العالم بحثاً عن الاختلاف وسعياً للتنويع وكسراً للروتين؛
ولكن هذا الحل قد لا يكون إلا بيد قلة من الموسرين, وهؤلاء يختلفون في وجهة نظرهم
عن معنى العطلة والفراغ, فبعضهم لا يعرف منها إلا رشف المتع واحدة بعد الأخرى
مبتعداً عن أهله متخففاً من أحمالهم, بينما يحرص بعضهم الآخر على الفائدة الممزوجة
بالاستمتاع, فيقنع أولاده بضرورة الاستفادة من العطلة لتعلّم اللغات في مهدها
وممارسة الرياضات والفنون على اختلافها كما ينتظم وزوجته برحلات سياحية لمعرفة
معالم البلاد الجغرافية وآثارها التاريخية؛ أما القسم الأكبر من الناس فقد يرى أن
السياحة الداخلية تساعده في الحفاظ على خصوصية ثقافية معينة, وفي نفس الوقت يمضي
إجازته بحدود إمكانياته المعاشية؛ ولكن المشكلة التي تزداد وضوحاً في مجتمعاتنا هي
مشكلة الفردانية, مع أننا لسنا مطبوعين على الاستمتاع الفردي بل على العكس كلما زاد
عدد المسرورين والمهتمين من حولنا كلما زاد سرورنا وعلا اهتمامنا, وهذه المشكلة
تحتاج حلاً إسعافياً لا يمكن أن يتم إلا عبر التخطيط الجماعي سواء التابع لجماعة
حكومية أو مدنية.
من الحلول المقترحة إنشاء المخيمات الصيفية للطلاب حيث
تتنوع فيها البرامج الثقافية والرياضية والترفيهية
لإشباع الاحتياجات النفسية والجسدية والفكرية للطفل
والمراهق للمساهمة في تنشئته على قيم وسلوكيات تربوية
حديثة بغية بناء مجتمع حضاري متقدم؛ كما يمكن للشباب
الجامعي أن يحول هذه المخيمات إلى معسكرات فيها بعض
ملامح الحياة العسكرية الضرورية لبناء شاب صلب الجسد
مرن النفس من أجل زيادة شعور الشاب بالمسؤولية عن نفسه
ووطنه, وخلالها يمكنه الإسهام في دورات محو الأمية في
القرى أو زيادة التوعية الصحية فيها حسب اختصاصه, وكي
تكون الفكرة جماعية فمن المفيد تكليف كل مجموعة شابة
خلال العام بإعداد برنامج
تربوي وترفيهي يسعى إلى تكريس فكرة العمل الجماعي
والترفيه الجماعي.
الأمر نفسه بالنسبة للفتيات, وقد قُدِّر لي في الصيف
الماضي أن ألقي أكثر من محاضرة في مركز صيفي لفتيات في
المرحلة الثانوية والجامعية, وعلمت من المشرفات أن
الفتيات يقضين وقتاً منظماً بين المحاضرات الثقيفية
والقراءة الهادفة والهوايات الممتعة كالسباحة وركوب
الخيل, وتعرفت على نماذج مشرّفة من الفتيات اللواتي
يتميزن بشعورهن بالمسؤولية دون أن يتنافى ذلك مع
رغبتهن بالمرح والاستمتاع, وإلى جانب هذا الجانب
المشرق وجدت بعض الفتيات يتصفّن بالسلبية والتراخي
والكسل, وهي نماذج لا أحب أبداً أن أراها في فتاة ولا
شاب, فالوقت هو المال كما يقول المثل الغربي, ولذلك
فإننا نرى كثيراً من الشباب في الغرب يقضون العطلة
بالعمل لكسب المال والشعور بالاستقلال وهو شعور لا
يعرف معناه وغايته إلا من سعى إليه وناله بعد تعب
وجهد.
ليلى أحمد الأحدب |