|
تحدّث بعض المفكرين عن عقدة النقص تجاه الغرب التي يعاني منها بعضنا, وأُطلق مصطلح
"الاغتراب إلى الآخر" على هذا النمط من التفكير والسلوك الذي يصبغ فكر العربي
وحياته بلون غربي؛ وظهر مصطلح آخر هو "الاستلاب إلى التاريخ" ليشير إلى تمسك بعضنا
بالعيش في قوالب قديمة جامدة متنكرين للوقائع التي تفرض التغيير كحتمية لا فرار
منها.
بين هؤلاء وأولئك يمكن أن نوجد مصطلحات مشابهة في
اللفظ ومخالفة في الدلالة مثل إقصاء الآخر وإلغاء
التاريخ, فإقصاء الآخر يصدر عن الاستبداد بالرأي
والأحادية الفكرية, بينما يوحي تنوع الحياة وتعدد
المؤثرات أن لكل منا تجاربه المختلفة ومشاربه
المتغايرة, وهو الأمر الذي يوجب قبول وجهات النظر
المخالفة, وقديما قيل: (أعقل الناس أعذرهم للناس).
لماذا لا ننظر إلى هذا الآخر المختلف عنا كاختلاف
أعضاء جسدنا الواحد ليقوم كل منها بمهمة مختلفة عن
العضو الآخر؟ قد نعتقد أن آراء هذا الآخر ضارة وسامة,
لكن التنوع سنة كونية وحتى وجود الحشرات الضارة
والفطور السامة ضروري لتوازن البيئة حيث تقوم بتفكيك
التربة وتحللها وبذلك تعمل على حراثتها وتهويتها دون
أقل جهد منا, ثم تموت هذه الحشرات والفطور بحكم عامل
الفناء لأن البقاء للأصلح, فإذا كنا نعتقد بصلاحية
أفكارنا فلا خوف عليها من المخالف لأنه يساعدنا على
تطويرها إذ نعرضها لشمس الحقيقة كل فترة.
أما إلغاء التاريخ فيظهر حين ينفي بعضنا أهمية تجارب
الأمم والحضارات الأخرى عبر العصور, ربما كرد فعل على
الاحتفاء بها وجعلها ذات قيمة أكبر من الحضارة العربية
الإسلامية, مما يرسم خطوطا متنافرة في نسج مجتمعاتنا,
وعلى سبيل المثال ما يحدث في مصر بين مبجّل للفرعونية
ومحتقر لها. إن الإنصاف يدفعنا للنظر إلى كافة التجارب
الإنسانية الماضية على أنها درجات متتالية في سلم
الحضارة, فلولا الحضارة اليونانية وتمثل العرب
المسلمين لها واستفادتهم منها لما أضاءت الحضارة
العربية الإسلامية أركان العالم القديم, ولولا حضارتنا
التي استوعبت في أرجائها كل المخالفين من الأديان
والأقوام الأخرى لما شهد الغرب نهضته الحداثية ولما
دخلت أوربا عصر التنوير. وإذا كانت حياة كل منا سلسلة
متواصلة من الإخفاق والنجاح والتعثر والنهوض, حيث أنه
من الخطأ تنصل الفرد من خبراته السابقة حتى لو كانت
خاطئة لأن هذه الخبرات هي عوامل أساسية في تكوين
الشخصية, فكذلك تاريخ البشرية هو عبارة عن حلقات متصلة
مترابطة, ولا يصح أن نلغي حضارة شهد لها التاريخ
بالسؤدد والتفوق ذات يوم, حتى لو كانت وثنية؛ ولقد
تعامل الفاتحون المسلمون الذين انطلقوا من الجزيرة
العربية مع الآخر وتاريخه على أفضل وجه, فلم يدمروا
تمثال أبي الهول مثلا, كما فعلت طالبان بتماثيل بوذا؛
كما اعترفوا بحق الشعوب الأخرى بالاحتفاظ بعقائدها,
ولم يجبروا أحدا على الدخول في الإسلام لأن في ذلك
مخالفة لمبدأ صريح:(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر),
ولم يشرع الجهاد ليكون ضد الكفر, بل هو ضد الكافر
المحارب فقط, ولإيصال كلمة الله ليكون الدين لله, أي
ليختار الناس معتقداتهم حسب ما يرغبون وليس حسب ما
تكرههم عليه الدول المسيطرة.
عندما يتقبل المرء نفسه سيتقبل اختلاف الآخرين عنه,
وحينما لا يتنكر لتاريخه الخاص فإنه لن يتنكر للتاريخ
البشري العام, فهل نبدأ بتقبل أنفسنا وتطويرها لنتقبل
الآخرين ونساهم في تطور البشرية ؟
ليلى أحمد الأحدب
نشر في أرامكو السعودية 10/8/2004 |