الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) العمل الطوعي
 
 
 

تصب التعريفات الكثيرة لمفهوم العمل الطوعي في منحى واحد بوصفه عملاً يُبذَل لأهداف إنسانية دون مقابل مادي أو عائد نقدي؛ ويستمد العمل الطوعي أصوله من تراثنا المقدس فقد حضّ القرآن الكريم على فعل الخير باعتباره إحدى دلالات الإيمان ففي آيات كثيرة يترافق الإيمان العقدي مع الجانب العبادي مع الوجه الخيري (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون), وفي الحديث الشريف نجد نفس الإضاءات؛ ولا يقتصر الأمر على مساعدة الآخرين المادية بل يتعدى ذلك إلى المؤازرة الجسدية أو الحركية كقصة النبي موسى مع ابنتي النبي شعيب عليهما السلام: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل), وفي الحديث قصة الرجل الذي أزاح جذع شجرة من طريق الناس فغفر الله له. أما تراثنا البشري فالأوقاف العينية مشهورة ومساعدة أهل الخير للمحتاجين سراً معروفة, والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى ولعل من أشهرها قصة جابر عثرات الكرام الذي كان يدور على العائلات الفقيرة ليلاً فيعطيها ما تحتاجه من الطعام والشراب والمال دون أن يعرفه أحد إلا بموته عندما انقطعت المعونات عن تلك العائلات فعُلم أنه زين العابدين رحمه الله.

تنبع أهمية العمل الطوعي للنفس البشرية من كونه ضرورة لإثبات الذات ومعالجة الأنانية ونفي الكآبة, وأما أهميته للمجتمع فهو دليل على التكافل الاجتماعي والإحساس بآلام الآخرين ناهيك عن مساعدة الدولة نفسها في اقتسام المهام معها مما يعزز دور مؤسسات المجتمع المدني ويؤكد على الحاجة لها, فأي دولة مهما كانت غنية وقوية لا تستطيع أن تقوم بجميع مسؤولياتها دون مساندة من الأفراد, وهذا له أيضا أصل في تراثنا كالمهمة التي كان يقوم به المحتسب في الدولة الإسلامية أو كدور الأوقاف التي ظهرت باكراً جداً في تاريخنا المشرق.

تقع مهمة العمل الطوعي بشكل رئيسي على شريحتين هامتين في المجتمع هما: النساء والشباب, إذ يعطي ذلك مؤشراً واضحاً على تفهم المرأة لدورها في بناء المجتمع وقدرتها على المشاركة الحقيقية في التنمية, كما يدل على تعميق روح المواطنة بين الشباب والعمل الجماعي والعيش المشترك ميدانياً وإزالة النعرات الطائفية أو العرقية.

وربما يعتبر الشكل الإغاثي من أهم أشكال العمل الطوعي لكن يجب ألا يقتصر على إعانة الفقراء ومساعدة المنكوبين, بل لا بد من التفكير بخطط حقيقية لإخراجهم من دائرة الكفاف إلى الكفاية, لأن اليد العليا خير من اليد السفلى, وإلا فإن نتائج الأعمال الإغاثية تراوح بين الاستهلاك وثقافة العجز والبطالة فتكون مراوحة في المكان.

أخيرا لا يمكن ترسيخ مفاهيم العمل الطوعي دون التأكيد على أهميته بين الأفراد كباراً وصغاراً كي يكون المجتمع كله أكثر وعياً بذاته وأكثر تماسكاً بلحمته وأكثر فخراً بحاضره ومستقبله.

(كتبت بناء على طلب محرر القافلة الأسبوعية - أرامكو بمناسبة ندوة عن العمل الطوعي أقيمت في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية).

ليلى أحمد الأحدب

كاتبة وطبيبة ومستشارة اجتماعية

 
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |