|
الإبداع هو أن تكون أنت ذاتك بغض النظر عما يقوله الآخرون, وبما أن المجتمع يفرض
على الإناث صفات نمطية معينة مثل خضوعهن للسلطة وإذعانهن لسيطرة القيم الذكورية فإن
وجود المبدعات يصبح شيئاً أسطورياً ليس له وجود في الواقع.
يعتمد أولئك الذين يرفعون من شأن الذكر مقابل قيمة
الأنثى على ما ورد في القرآن من قول زوجة عمران أم
مريم عليها السلام:{وليس الذكر كالأنثى},
فيفهمون أن الذكر مفضل على الأنثى رغم وجود العديد من
الآيات القرآنية التي تنفي هذا التفضيل وتؤكد على أن
كلا منهما مجزي بعمله الصالح وبما يقدمه للبشرية من
نفع وفائدة؛ ولو كان الأمر يخضع للتفضيل لوجب أن تكون
العبارة هكذا:(وليست الأنثى كالذكر) لكن والدة مريم لم
تكن تقصد ما فهمه هؤلاء, بل كانت قد نذرت ما في بطنها
لخدمة الله في بيت العبادة:{رب إني نذرت لك ما في بطني محررا
فتقبل مني}
فعبارتها تلك تدل على أن الأنثى لا يمكنها أن تخدم
مكان العبادة كالذكر بحكم طبيعة جسدها وما يصيبها من
حيض ونفاس وولادة.
والسؤال الآن: هل الفروق بين الذكر والأنثى فطرية أم
لا وجود لها حقيقة؟ والجواب من محض قراءاتي وواقع
خبراتي أنه يوجد فروق بينهما بحكم الفطرة لكن كلا منا
بداخله صفات أنثوية وصفات ذكرية, والمجتمع هو الذي
يؤسس لهذه الفروق أن تظهر, وهو أمر حسن من جهة وسيء من
جهة أخرى, فالحسن أن إعطاء الطفل هويته الجنسية منذ
الطفولة يمنعه من الوقوع في مشاكل نفسية جنسية هو في
غنى عنها, فلا مانع أن توجَّه الطفلة الأنثى إلى ألعاب
الإناث والطفل الذكر إلى ألعاب الذكور, لكن يجب أن لا
يكون هذا التوجيه بشكل حدي وعنيف؛ وكذلك من الأمور
الحسنة أن يهيأ كل من الذكر والأنثى لدوره الاجتماعي
كي يُتقبَّل اجتماعيا في المستقبل, لكن الأمر السيئ أن
يُفهم من هذا التنميط الجنسي والاجتماعي أن أحد
الجنسين مفضل على الآخر بينما هو في الحقيقة متمم
للآخر.
فيما يخص الإبداع فله صفات منها الأصالة والمرونة
والمثابرة, وهذه صفات لا يمكن تصنيفها تحت البند
الذكري أو الأنثوي أما ما صنفه علماء النفس والتربية
فهو الاستقلال الذي هو صفة ذكورية والحساسية التي هي
صفة أنثوية, وينبغي أن نتنبأ لكل طفل يحمل هاتين
الصفتين بأنه قد يكون مشروع مبدع. مع ذلك فإن البيئة
والتربية تساهم في تكريس الاستقلال في الذكر وترسيخ
الحساسية في الأنثى إلى حد كبير, فمثلا يعوِّد
الوالدان الفتاة على تقييم نفسها من خلال قدرتها على
بناء العلاقات بينما يوجَّه الفتى إلى تقييم نفسه من
خلال إنجازاته, مما يجعل الفتاة حساسة تجاه العاطفة
أكثر بينما يكون الفتى أشد استقلالاً, وللتخفيف من
حدية هاتين الصفتين يجب أن ندرب الفتاة على إعلاء
ثقتها بنفسها عن طريق إنجازها وتفوقها فإذا فشلت في
علاقة عاطفية لم يكن هذا آخر العالم بالنسبة لها, بل
تعوض فشلها بإنجاز عملي, ويعلَّم الفتى في حال خسارته
في مجال عملي كالدراسة أو الرياضة أن يستعيض بقدراته
على التواصل مع الآخرين, وبهذا تقل خيبة كل منهما في
حال الفقد عاطفيا كان أم عملياً.
بقي أن نقول أن المبدع يجب أن يحمل عقل رجل وقلب
امرأة, ولكن المجتمع منذ البداية يمنع الفتاة أن تظهر
صفة الاستقلال بحجة أنها تصبح مسترجلة بينما يمنع
الفتى من إبداء عواطفه كي لا يكون مخنثاً, وبذلك يتم
وأد الإبداع في مهده, فهل لهذه المشكلة من حل؟ |