|
لا ريب أن التدخين عادة سيئة, لكن مشكلة التدخين أن سوءه يقع مباشرة على غير
المدخنين, فمن المعلوم أن غير المدخن إذا اجتمع مع المدخن في غرفة واحدة فإنه
يستنشق 8% على الأقل من دخان سيجارته, لذلك فإن الدول المتقدمة تمنع التدخين في
الأماكن العامة, عكس بلادنا المتخلفة حيث يتباهى الموظف بسيجارته التي لا يمكنه
الاستغناء عنها في أوقات الدوام فينفث دخانها في وجه المراجعين ليساهم في إرجاء
معاملاتهم ونفورهم من المكان نفسه.
المشكلة الكبرى عندما يكون أحد الأبوين مدخناً,
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يرى الطفل أحد والديه
يدخن ولا يقلّده؟ هذا مستحيل تقريباً, لأن الولد يتعلم
بالتقليد قبل أي أسلوب آخر للتعلم, ولا أزال أذكر ذلك
الطفل الصغير بعمر سنتين عندما أمسك عود الكبريت بين
إصبعيه كالسيجارة وراح يقلد والده تماماً, وهي حركة قد
تبدو محببة من طفل بهذا العمر, لكن مع تجاوزه سن
الطفولة فقد تتحول اللعبة إلى حقيقة ويستبدل عود
الكبريت بسيجارة ثم تصبح عادة متمكنة منه يصعب التخلي
عنها كما هو حال أي عادة ينشأ عليها المرء منذ طفولته.
مع ذلك فإن المشكلة تتفاقم إذا كانت الأم هي المدخنة,
وقبل كتابتي هذه المقالة بقليل دخلت عيادتي امرأة حامل
تتابع حملها معي, ولكنها هذه المرة أتت محمّلة برائحة
السجائر, فرحّبت بها ثم سألتها: هل تدخنين يا فلانة؟
قالت: يوووه... أكيد!
ليس من آداب الطبيب إعطاء نصائح للمرضى فيما لا يخصّ
مرضهم, لذا فليس من حق الطبيب تحويل العيادة إلى مكان
للموعظة, ولكن التدخين آفة كبيرة, فكيف إذا كان المدخن
امرأة؟ بل كيف إذا كانت المدخنة حاملاً؟
لذلك سألتها: ولماذا أجبتِ هكذا؟ قالت: لأن البيت
لدينا كقهوة لا ينقضي زوارها فلا بد من الشاي والقهوة
والسيجارة والنارجيلة إلى آخر القائمة.
فقلت لها: كم تدخنين في اليوم؟ وهو سؤال من حق الطبيب
أن يسمع الإجابة عليه, فسكتتْ, فقلت لها: علبة أو نصف
علبة؟ فأجابت: يعني.. بينهما تقريبا.
شرحت لها أن تدخين الحامل أمر غير مقبول صحياً لأنه
مضرّ بالجنين فالنيكوتين الموجود في التبغ يعبر
المشيمة ويؤدي إلى صغر حجم الجنين وقد يؤدي إلى
مضاعفات أخرى كالولادة الباكرة التي لها عقابيل وأخطار
كثيرة كالخداج وعسرة تنفس المولود؛ ثم أخبرتها أن هذه
السموم لا يتحملها جسم المرأة كما يتحملها جسم الرجل,
لذلك فإن نسبة إصابة النساء المدخنات بالسرطانات على
اختلاف أنواعها أكثر من نسبة إصابة الرجال المدخنين.
حدّث ولا حرج عن تأثير التدخين على لون الأسنان
والتهابات اللثة وبَخْر الفم وهي كلها مؤذية لجمال
المرأة ناهيك عن الأثر المباشر على بشرة الوجه وظهور
التجاعيد المبكرة, وبما أن إدمان السجائر كثيراً ما
يترافق مع شرب القهوة فإن ارتفاع نسبة الكافئين في
الدم يؤدي إلى سن اليأس المبكر الذي يتصاحب بمرض هشاشة
العظام لهبوط نسبة الهرمونات الأنثوية في جسم المرأة.
من المسؤول عن تجميل صورة المرأة المدخنة؟ ربما كان
لإحدى قصائد نزار قباني دور في الموضوع, لكن الحقيقة
أن التدخين يُفقد المرأة كثيراً من أنوثتها ونعومتها
ويضر أكثر ما يضرّ بصحتها وجسدها.
ليلى أحمد الأحدب
مجلة
ديرما |